مقالات

تـطـبـيــع حُــكــام لا شـــعوب!..

د. علي ابراهيم */ السودان

خاص “المدارنت”..

 

بمثل ما تزرع الأجسام الغريبة فى أصل ثابت وتلفظ ولو بعد حين، زرعت إسرائيل فى جسم الأمة فى أرض فلسطين العربية، وبجهد حركة صهيونية عنصرية، وضعت بذرتها في المؤتمر الصهيوني الأول برئاسة تيودور هرتزل في بازل بسويسرا في أغسطس/ آب من العام 1897م.

ثم كان وعد وزير خارجية بريطانية بلفور عام 1917، الذى قدم من خلاله إلتزاما بتحقيق ذاك الهدف، وبحلول العام 1948، وخروج قوات الانتداب البريطاني، وبقرار من الأمم المتحدة، أقيمت “دولة الكيان الصهيوني”.

ومنذ ذلك الحين، دخلت المنطقة كلها في مرحلة جديدة من الصراع، الذي لم يتوقف أو يهدأ إلى هذه اللحظة.
ولربما، كان لحالة الضياع والتشتت والتبعثر والإضطهاد التى عانى منها اليهود ردحا من الزمن، أثرا فى تشكيل تركيبة نفسية شاذة ومريضة وبعيدة عن القيم الإنسانية الفطرية، والتي هى أساس الشرائع السماوية وكريم المعتقدات والأديان الأخرى.
ولربما، الإحساس بعدم الأمان، الناتج عن الظلم والإستيلاء على حقوق الآخرين أثر آخر.
كان العنوان الرئيس لسلوك وممارسة هذه الدولة المختلقة، هو الإرهاب والبطش والتنكيل بالمواطنين الفلسطينيين، وهدم منازلهم  حرق حقولهم والسيطرة على مساحات واسعة من أراضيهم، مما أدى إلى تهجير قسري، شرد آلاف المواطنين، فأصبحوا لاجئين في مشارق الأرض ومغاربها.
هذا السلوك، كشف مبكرآ الطبيعة العدوانية والإستيطانية والعنصرية، وأنذر بما يحمله في أحشائه من ظلم وإستبداد وطغيان.
ولم ينتظر العالم طويلا، إذ سرعان ما مارس هذا الكيان سياسية الفصل العنصري بين مكوناته الجديدة فى  فلسطين المحتلة، بين السكان الأصليين وبين اليهود الشرقيين والغربيين، وبين يهود الفلاشا الذين قدموا فى مرحلة تالية من أثيوبيا.
وقنّن إرهاب الدولة، وإمتدت يده تضرب إلى الدول العربية قتلًا وتدميرا وإرهابا، كما حدث في مجزرة مدرسة بحر البقر في مصر، وصبرا وشاتيلا في لبنان، وإغتيال الساسة والأدباء والكتاب فى لبنان وتونس، وضرب المؤسسات والبنى التحتية، كتدمير المفاعل النووي العراقي، ومصنع اليرموك فى السودان، وعدة مواقع فى سوريا.
أضف الى ذلك، الإعتداءات المستمرة على دور العبادة فى المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي وكنيسة القيامة.
وهذا النهج الذي يتنافى مع كل المواثيق الدولية، كان يقابل فى أغلب الأحيان بقرارات إدانة وشجب، من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ومن المنظمات الدولية والقارية، وكانت إسرائيل تضرب بكل تلك الرسائل الواضحة عرض الحائط.
ولذلك، ظلت منبوذة و معزولة، على الرغم من المحاولات المستميتة والدؤوبة من الحركة الصهيونية وإمتدادها في أمريكا وأوروبا  – بما تملك من آلة إعلامية ضخمة وإمكانيات مالية مهولة –  لتجميل وجهها، وتقديمها في نسخة مزيفة لا تعبر عن واقع أضحى معروفا ومكشوفا، وفشلت محاولات تسويقها كدولة ديموقراطية.
وسياستها هذه، قادت معظم الدول الأفريقية وكثير من الدول الإسلامية، وكذلك دول من آسيا وأمريكا اللاتينية، إلى قطع علاقاتها معها في أواخر القرن الماضي، إلى أن وقعت منظمة التحرير الفلسطينية إتفاقية أوسلو، التى إعترفت بموجبها المنظمة بإسرائيل، وقررت التخلّي عن الكفاح المسلح، وأعطيت سلطة بلا سلطات، مما أفقد تلك الدول المسوغ السياسي الذى يلزمها على التمسك بموقفها.
ولكن، هذا لا يخفي حقيقة ،كان من ضحاياها الرئيس ياسر عرفات نفسه.
إن محاولة قبول الكيان الصهيوني كواقع داخل المحيط العربي، بدأت مع الرئيس التونسي بورقيبة، ولكنها لم تجد أذانا صاغية، وقوبلت برفض من كل الدول العربية حينها.
 ولكن فى الخفاء، كان يوجد تواصل بين ملك المغرب السابق الحسن، وبعض القنوات الصهيونية، وكانت المغرب قد إستضافت المحادثات التمهيدية لإتفاقية كامب ديفيد، بين حسن التهامي وشمعون بيريز ، وتوجت بإتفاقية كامب ديفيد عام 1978 بين مصر و إسرائيل، ثم وقع إتفاق أوسلو عام 1993، و الذى كسر الحاجز النفسي لدي كثير من الدول، و كان وبالا على الفلسطينيين والعرب على حد سواء، ثم جاءت إتفاقية وادى عربة بين الأردن وإسرائيل عام 1994.
الأوضاع العربية المذرية التى كانت نتاج لخروج مصر والأردن من حلبة الصراع العربي الإسرائيلي، و ما تبعه من غزو العراق للكويت، ومن ثم إحتلال العراق، وخروجه هو أيضا من المشهد النضالي العربي، جعلت الدولة الصهيونية تتسرب وتدخل خفية إلى دول مجلس التعاون الخليجي، وخلق علاقات على مستويات مختلفة مع تلك الدول، عدا دولة الكويت، ولربما كان للفزع من إيران دور مساعد فى التمهيد لهذا الإختراق، ومن ثم تأثير الإبتزاز الأمريكي، الذي عادة ما يرفع عصا الحماية لتلك الدول من عدو مفترض.
إذا حاولنا  – وبلا كثير عناء – سبر غور هذه الإتفاقيات، والعلاقات العربية مع الكيان الصهيوني ظلت فوقية، ولم تعدو عن كونها علاقات بين أنظمة عربية قاهرة لشعوبها ومستبدة، وبين نظام عنصري موغل في الطغيان.
 ولم تستطع أي من تلك الدول نقل هذا التطبيع إلى شعبها، بل العكس تماما أضحت هذه الشعوب أكثر عداءا ونفورا، لكل ما هو صهيوني أكثر من أى وقت مضى.
وذا أخذنا مصر مثالا، نجد ان السفير الإسرائيلي ظل لسنوات يبحث عن إيجاد منزل للإيجار بلا طائل، وأمامه سدّ منيع من الرفض، من شعب كان فى كل بيت لهم فيه شهيد أو جريح.
وهذه الإتفاقيات لم تردع إسرائيل، أو توقف عدوانيتها بل إزدادت طغيانًا.  وأطلقت لها العنان لتضرب فى عمق وأطراف الدول العربية، قتلا وتدميرا، وفتحت شهيتها في إلتهام أجزاء كبيرة من الضفة الغربية، و بناء آلاف المستوطنات بعد نزع الأراضي من أصحابها عنوة و اغتصاباً.و أصبحت دول الجوار الإسرائيلي، مقيدة ببنود ملزمة لا تستطيع الإنعتاق منها، و لا تملك حق إنتشار قواتها في مناطق بعينها داخل حدودها الوطنية.
السؤال المهم، ماذا حصدت تلك الدول من توقيع تلك الإتفاقيات؟ وهل تدفقت الأموال والإستثمارات من إسرائيل وأميركا؟ وهل حدث النهوض الإقتصادي؟ وهل عاد لها الأمن والإستقرار والرخاء الموعود؟ وهل أعطاها العدو الصهيوني، نظرة إعتبار  لهذه  التنازلات  الخطيرة  المرتكبة  في حق الإجماع العربي؟ وهل صيحات الإحتجاج والشجب والإدانة من قبل تلك الدول وجدت عندها إذنآ صاغية؟
وهل تحقق ما وعدت به في إتفاقية أوسلو، من  قيام سلطة فلسطينية مستقلة في الضفة وقطاع غزة؟  وهل إلتزمت ببنود الإتفاق؟ وهل أصبحت فلسطين سنغافورة الشرق كما وعد الفلسطينيين؟
إذا كان كل هذا وذاك لم يتحقق، ما الذي يجعل بعض حكام العرب يهرولون نحو التطبيع مع العدو الصهيوني؟ وهل يوجد مبرر واحد يدعو لذلك؟ وما الذى يجعل دول مجلس التعاون الخليجي والسودان-  وهى تبعد آلاف الأميال من فلسطين – تغامر بتطبيع مجاني مع كيان  إحتل أرضها، وهتك عرضها واستباح مقدساتها؟  ألم تع الدرس بعد؟ ألم تسمع نتنياهو يقول بأنه جمد مشروع ضمّ أراضي جديدة، ولكنه لم يلغها، وبأنه طالب الإدارة الأمريكية بعدم بيع مقاتلات F 35 لدول المنطقة، حتى لا يختل ميزان التوازن العسكري؟!
لقد حبى الله دول مجلس التعاون الخليجي، بمصادر مالية ضخمة من البترول والغاز الطبيعي وكان فى الإمكان إستغلالها في رفاهية وإسعاد وتطوير المواطن والوطن، عبر مشروع نهضوي جامع، ويجعل منها القوة الرابعة فى العالم، بما تملك من طاقة بشرية ثم موقع جغرافي مميز، ولكنها وجهت تلك الثروة فى الإتجاه الخاطئ، ودخلت في سباق للتسلح، وفي معارك فى غير معترك حقيقي، بل هي معارك نيابة عن العدو الحقيقي للأمة. وفى كل هذا الشعب العربى غائب ومغيب.
وهذه الطبقة الحاكمة، قد لا تدرك بأنها تعيش فى كنف قنبلة موقوتة، وهى تتمثل في النسيج السكاني، والذى نسبة المواطنين هي أقلية في مقابل أكثرية هندية وباكستانية وإيرانية.
وعاجلا أو آجلاً، ستفرض قوانين دولية، تفرض حق هؤلاء فى المواطنة الكاملة في الحقوق والواجبات. ولذلك نحن نعوّل على المواطن العربي، وعلى دوره في التغيير الإيجابي، ونحذر من أندلس جديدة،  فى هذا الجزء المهم من الوطن العربي.
وبعد عرض كلما سبق، أجزم بأن كل الشعب العربي يقف ضدّ التطبيع، ولن يقبل بأن يتنازل عن قضيته المركزية، لأنها قضية حق إنساني كفلته الشرائع والقوانين الدولية. و لن تفلح محاولات جرّ الشعب العربي إلى مستنقع التنازلات، والقبول بأمور قد تصوّر بأنها واقع حال يفرضه عامل التمزق والضعف الآنيين  للدول العربية.
ولدينا مثال كيف تجمعت تلك الدول العربية الممزقة في مؤتمر الخرطوم، بعد هزيمة حزيران  عام 1967، ووقفت على رجليها، وقالت بملء فيها: “لا صلح لا إعتراف ولا تفاوض مع إسرائيل”.
المطلوب، هو الصمود الشعبي من المحيط إلى الخليج، والوقوف ضد هذه الهجمة الصهيونية بالسبل والوسائل العصرية المتاحة، وتشكيل جبهة مقاومة من نشطاء قوي المجتمع المدني والسياسي، ضد التطبيع فى كل بلد على حدة، وأن يتم تنسيق بين تلك اللجان العربية فى تقديم رؤي موحدة ضاغطة حتى تفسد وتجهض المحاولات الرسمية السلطوية لتلك الدول، وأن تتابع لجنة المبادرة العربية –  والتى تضم عددا مقدرا من السياسيين والمفكرين والأدباء و الكتاب – الحركة  ضدّ التطبيع هذه، وتصدر بيانات راتبة لتنوير الرأي العام العربي والسلطات الحاكمة بموقف الشعوب العربية.
وعلى الفرقاء الفلسطينيين، تصفية خلافتهم وإتمام المصالحة الفلسطينية، وتقييم الموقف ووضع ميثاق جديد، يحدد خارطة طريق واضحة المعالم، وملزمة لكل الفصائل بعيدة عن إتفاقية اوسلو التى وضعتها إسرائيل في سلة المهملات.
فالخلافات الفلسطينية هي التى أضعفت التأييد والمساندة العربية والعالمية للقضية الفلسطينية، ثم أوجدت المبرر والثغرات للأعداء.
من تاريخ الأمم، وحركات التحرر الوطني العالمية، تعلمنا بأن الثورات تنتصر عندما توحد مواقفها وثوابتها، وتحدد طريقها، وعندما تترك خلافاتها إلى ما بعد النصر. وهذا هو أضعف الإيمان، فى وقت أصبح الوقوف على الحق من عزم الأمور.
 * ناشط سياسي
========================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى