مقالات

المعلومات تخلّ بالتوازن المجتمعي

د. جميل علي حمود

“المدارنت”... اخبرني صديقي، انه كان في بيروت يتابع معاملة أوراق لدى الدوائر الحكومية. وعندما انتهى، أحب أن يتناول فنجان قهوة في ستاربكس، وهو المغرم بجودة قهوة الشركة ذات المنشأ الاميركي والإنتشار المعولم. وبينما كان يتناول القهوة، تفاجأ برسالة نصّية وردته على هاتفه الجوال تقول: يبدو أنك تتناول القهوة في ستاربكس، منطقة الجناح. صديقك فلان يسكن هنا على بعد كذا دقيقة، إن كنت تحبّ أن تتناول قهوتك معه.

لم يكن صديقي يعرف مكان سكن صديقه، ولم تزعجه الرسالة. لكنه استغرب دقّة متابعة تحركاته. جميل جدا ان تعلمك شركات التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي أين أنت،  وأين تجد معارفك. لكن يمكن أيضا إستخدام معلومات تحركاتك ضدّك. ثم، ألا يتبادر إلا الذهن هنا سؤال، حول حق الانسان بالخصوصية، مقابل رغبته بالاستفادة من تطورات التكنولوجيا؟

من البديهي القول أن للسؤال أبعاد ووتأثيرات وانعكاسات على حياة الإنسان فرديا وجماعيا. وهو بالتالي، يطرح إشكالية إجتماعية مستجدة مهمة لا مفرّ من التأمل بها.

مِما لا شك فيه، أن التطورات المتسارعة في عالم تكنولوجيا المعلومات، وبخاصة ما يمكن تسميته بالتكنولوجيا الذكية او الرقمية، تحدث تغييرات كبيرة، تتعدى ظواهر امور الحياة إلى اساسياتها. فمن هذه التغييرات مثلا، مفهوم يمكن تسميته المراقبة من تحت (sousveillance)، ويعني تمكن الإنسان العادي من كشف ونشر أسرار اصحاب السلطة والشهرة والنفوذ في المجتمع. وليس هناك أكثر دلالة على هذا المفهوم من الصور والفيديوهات، التي تمكنها كاميرات التلفونات الجوالة، فتنتشر على شبكات التواصل الاجتماعي، لتكشف تجاوزات رجال أمن هنا، او تعذيب سجناء هناك، او ميول الفنان الفلاني الغريبة هنالك، وهلمّ جرّا.

للوهلة الاولى، يبدو مفهوم المراقبة من تحت وكأنه يمنح الإنسان العادي قدرة وقوة في تفاعله مع مكونات المجتمع الأقوى، من شركات تجارية وسلطات واصحاب مال ونفوذ. لكن سرعان ما نتذكر أن هذه المكونات تملك موارد اكبر، وتكنولوجيا متطورة أكثر وقدرات تخطيطية منهجية وأكثر فعالية. وهي بالتالي قادرة على أحداث اختلال كبير لمصلحتها، في ميزان التفاعل السياسي والاجتماعي والاقتصادي. فمن يحدد الضوابط والحدود في مجتمع ثورة تكنولوجيا المعلومات، او مجتمع “الثورة الصناعية الرابعة”؟ و ما هو التوازن المرغوب في تفاعل مكوّنات هذا المجتمع؟ ومن يعيد التوازن إليه؟ وكيف؟

السلطات تراقب وتتجسس وتجمع وتتبادل المعلومات، وهذا الأمر بات معلوماً ومعروفاُ. لكن ما يلفت الانتباه في مسلكيات السلطات مؤخرا، هو تجربة السلطات الصينية في تطوير واستعمال منظومة تصنيف اجتماعي، تسمح بمعاقبة الأفراد الذين لا يدورون النفايات، او يركنون سياراتهم في أماكن ممنوعة، او يرفعون أصوات الموسيقى، عبر منعهم من استخدام القطارات في التنقل، او منعهم من الحصول على قروض في المصارف. فما الضامن من سوء إستخدام هكذا منظومة ضدّ معارضين سياسيين مثلا؟ او ضد أشخاص ينتمون إلى عرق معين؟ او معتنقي هذه الديانة او تلك؟

أما تجارياً، فلا بد من لفت الانتباه، إلى ما تسميه عالمة الاجتماع في جامعة هارفارد، شوشانا زيبوف “رأسمالية المراقبة”، وهي استخدام الشركات لمعلومات التلفونات الجوالة، وشبكات التواصل الاجتماعي، لمعرفة ومراقبة كل ما يفعله الناس في حياتهم اليومية، من شراء سلع، وتسلية وترفيه ومحادثات وغير ذلك.

لقد أصبح التطبيق الأول لرأسمالية المراقبة بديهي، ويتمثل في إستخدام معلومات الأفراد لتوجيه الإعلانات التي تستهدفهم. وعلى الرغم من إزعاج إرسال الإعلانات الموجهة، فإنها تبقى غير مؤذية. اما التطبيق الثاني فهو اكثر إيذاء، ويتمثل في التمييز في أسعار البيع بين المستهلكين، بناءً على تحليل معلومات مسلكيتاهم، واستعدادهم لدفع سعر أعلى او اقل.

لقد بدأ المواطنون في الولايات المتحدة وأوروبا، يعون خطورة التغيرات الناتجة عن ثورة تكنولوجيا المعلومات. فقد منعت السلطات في مدينة سان فرانسيسكو الأميركية، من استخدام تكنولوجيا التعرف على الوجوه (facial recognition technology). وبدأت تنتشر في أوروبا ظاهرة التمسك بما يسمى “حق الانسان في أن ينتسى”، لكن هذه الأمثلة ليست إلا بدايات لإعادة إلتوازن إلى الحياة الإنسانية وإلى المجتمع، عبر إيجاد وتنفيذ الآليات الكفيلة بوضع ضوابط وحدود على اصحاب السلطة والمال و النفوذ في المراقبة والتجسس وجمع المعلومات، وتبادلها وكيفية استعمالها.

ومهما يكن من أمر فقدان الثقة في الدولة وأجهزتها، وبخاصة في المجتمعات التي تتحكم بها أنظمة ديكتاتورية متسلطة، فإنه لا مهرب من دعوة الدولة إلى تحمل مسؤوليتها في هذا المضمار. فلم تنتج نظمنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية حتى اليوم بديل عن الدولة. في مواجهة مسؤوليات بهذا الحجم وهذه الأهمية.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى