مقالات
تنوير التغيير.. وعتمة وجه التاريخ.

خاص “المدارنت”..
غطّى عصر الإقطاع وجهه، وفرّ خجلا إلى حضن ظلمة القرون الوسطى، انطلاقا من عودة الفخامة وطقوس التشريفات إلى أجنحة البلاط، يجوبها النبلاء بصدورهم المغطاة بالاوسمة والنياشين، يمارسون نفوذهم العظيم.
لقد استبعد المواطنون عن السياسة، إذ ناسبهم هذا البعد، وتكشف الواقع على أن شغل الناس أنفسهم باسرهم، بالكتب، بالرفاهية والراحة، وقبل كل شيء، الاهتمام بالموسيقى، التي اصبحت، خلال الماية سنة الماضية، والتي كانت تسمع غالبا مصاحبة بالرقص، والشعر، والاناشيد، في العصور السابقة للفن، والتي كانت الأكثر مخاطبة للناس، بين كل أنواع الفنون الاخرى، غير أن هذه الفترة من الطمأنينة والرخاء، والمعروفة لدى اللبنانيين باكتساب انواع جديدة من الثقافات، حين برز التخصص في الإدارة لتحسين أداء المؤسسات، ثقافة التفرد وعلة العظمة، (ما بـ طول زناري… الخ)، هذا الجانب المنفتح ميّز مظاهر الحياة العامة للمجتمعات، بفكر تنويري تغييري اصلاحي، لا يستطيع أحد قمعه أو التغبير على (صباطه)، والاجدى له إلا يفكر أساسا في أن يفعل ذلك.
هذه الفكرة التي راقت للناس كثيرا في زمن التغيير والتنوير، هذه الإنارة التي سددت ضربتها القاضية للمؤسسسات القائمة، والأعراف الواقعية السابقة، فكانت ضربة أكثر فتكا مما سبقها من اعوام، حيث استطاع الناس فهم منهج الرياضيات وتطبيقه، ثم استخدامه وتسخيره، خدمة الإنسانية.
إن تاريخ الاختراعات التي تلت حقبة التنوير، ليس بالبساطة التي تعتقدها، في معظم الحالات، بدأ الاختراع بفكرة التغيير والإصلاح، هذه الفكرة، قادت إلى تجارب واختبارات، والتي غالبا ما يليها التخلي عن الفكرة ذاتها، ومن ثم يتم التقاطها داخل مجموعة صور أثرية، عميقة البعد الثقافي، في وقت لاحق، وعلى الاغلب، تلقفها من شخص، أو تيار، أو حزب آخر، يملك من الاصرار والمثابرة، ما يكفي ليصل بالفكرة إلى خواتمها، وليخلق منها منفعة خاصة، وهذا الاخر هو القائد المخترع، هذه الفكرة وآلات تنفيذها، هي الحال التي غيرت حياتنا، انها الات تقنية تعمل: الكترونيا.. كهربائيا.. بخاريا.. وكلها أخذت أهميتها البالغة من خلال ما حققه عصر التنوير والتحرير.
بداية، لم يكن المحرك يستخدم في ضخ مياه البحر، غير أن الناس، سرعان ما أدركوا إمكانية استعماله في تحريك عربات وآلات التهريب، لم يسبق له مثيل، برا، وبحرا، وجوا، حيث انطلقت حركة الربح الوفير، إلى جانب تحصين بعض الانتماءات، وسحق البعض الاكبر، وبهذا التنوير توجه أهله إلى وضع خطط الاقتصاد والتنمية على سكتها الصحيحة، جاعلة منها قضية وغاية أساسية داخل مسار مجابهتها ومقاوماتها من أجل تحقيقها، من خلال تنفيذ مشروع سياحي قادر على تغيير وجه العالم، حيث تستطيع سفنه الاشراقية شق طريقها نحو الشرق، وفي كل الاتجاهات، دون عرب، ودون غرب، إذ بها تضرب صفحات الإرهاب والعمالة، بأنواع فنٍية من القتل والدمار والتشريد، ثم التحرير ورفع رايات الغلبة والانتصار.
في الوقت نفسه من العهد، ظهرت العديد من المحاولات الداخلية لتشغيل العربات المسيّرة على سواد الظلمة، مستنجدة بالاختراعات المتوسطية، داخل مياهنا الاقليمية، حفاظا على البيئة، وعلى الصحة، وأطلقوا عليها اسم (باسيلية الاشرعة) وتعني بالهروغليفية (شمس العهد) تنفيذا للقول المأثور: “أشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام”.
فهل تلعن الظلام أم تلعن من أتى به؟ وكرت السبحة في توالي الإنجازات والاختراعات، فكانت القطارات السريعة تواظب في سرعة انتهاكاتها للكرامة الوطنية، حيث تقاطرت من كل الاتجاهات، من دون ملل ولا كلل، من داخل وإلى خارج، راسمة وجه الممانعة في كل مكان وفي كل زمان، تحت رقابة، نعم رقابة الصم البكم العمي، فالخطوط تخطت الحدود، فصعدت الجبال، وتخللت الانفاق، واخترقت السهول والوديان، وتجاوزت الانهار، وهكذا هو الواقع، واقع الآلية، آلية ممارسة المواطنية الصلبة في الإصلاح والتغيير، تطبيق نهج الكفاح المقاوم، انها آلية تغيير وجه العالم، لقد تركت معالم حروق، وأثار تعذيب، كثيرة العمق، لوجه لبنان العربي، حيث بلغت مبلغا تشويهيا غير قابل، وغير راض، للعودة إلى ما كان عليه، والسبب جماله وسرعة تحوله لفتيات هوى، ونحن أبناء الشرق الابي، رفضنا ذلك، وحركنا الحمية، لنقاوم ونحافظ على الأرض والعرض. وأن كنتم لا تصدقون، فاسألوا: اطفال، وشيوخ، ونساء، سوريا، والعراق، والحبل على الجرار.
كل هذه التطورات، ولّدت اضطرابات كارثية في حياة الناس، إذ انقلبت الأشياء على اعقابها، وبالكاد بقي الحال على حاله، تجاوز كل ما هو سابق، تأمّل ولو لدقيقة، كم كانت أمور العباد آمنة ومنتظمة في حياتهم، والتي استمرت بطبيعتها خلال الحرب الاهلية، وما بعدها، فمن بقي على قيد الحياة،عاش بكرامته، عزيز النفس، بعيدا عن الذل والمهانة، ومن ترك الدنيا إلى اخرته، ظلما وعدوا، فاسألوا تلك الأيادي الملطخة بدم الأبرياء من عامة الناس، ومن سقط في ساحة الوغى سجل شهيدا عند من ينتمي اليهم، بعقيدة، أو نظام حزب، أو راية ذات لون، كما ولا تنسوا أن تأكدوا السؤال لتلك الالوان التي ما فتئت ترزح تحت حمل حاملها، مكبلة الارادة، مطاطاة الراس، بصمت تطلب الحرية، الظلمة الاستعباد تسير خبط عشواء، مرغمة، كخراف تساق إلى المذبح. نعود لأولئك، الذين سكروا إثر رائحة الدم والتنكيل، أنهم.. هم رعاة يومنا، هم ساسة المنظومة الحاكمة، هم المشرعون، هم السارقون.. الناهبون.. القاتلون… فاين براءة الذمة! أمام محكمة التاريخ! أمام محكمة العدل الإلهي؟! أنهم هم الملعونون، هم المنافقون.
نعم، أمام صورة الواقع المكتوم على انفاسه، لم يعد من السهل على الإنسان أن يحافظ، أو أن يتحرر، كما كان عليه الوضع في القرون الوسطى، حيث كان الأمر لا يزال ممكنا، حيث لا يزال الأمل موجودا، لأن الفجاءة بلغت تغيير كل شيء، وأمر التغيير لم يستغرق ساعات، والسبب يكمن في من كان لا يملك زاد يومه، ولا دواء شفائه، عقد الصلح مع الشارع، ونزل يصرخ وجعه والمه، يجاهر مظلمة جوعه وعطشه، يقاهر ذله واستعباده.
لقد استيقظت الجماهير الشعبية المسحوقة، لقد استقامت لتكتشف أنها، جماعة وفرادى، قد انتفت الحاجة اليهم، (اللي ما عجبوا يفل…) لأنهم عديمو الفائدة، بل غدوا عبئاً على المواطنة، وأصبحوا قوة استهلاكية، يخسٍرون اهل السلطة، أصحاب تقديس وتكديس الأموال العامة المنهوبة، أصحاب من فقد الفضيلة والاخلاق، أصحاب من صنع من جماجم الأبرياء كراسيهم الذهبية، والمطعمة باحجار كريمة.
واتت النتائج، ثورة الشعب الجائع.. فالإنسان الفرد، سيفعل ما بوسعه حتى لا يرى عائلته تتصور جوعا، بعد أن سلخوه عن اصالته، سلبوه باب رزقه، سيفعل ما بوسعه كي يُبقي روحه في جسده، إذ كل ما يريده تأمين رغيف خبز وكلغ من البطاطا. أن فرصة الحياة على وشك التبخّر، بل تبخرت، بعد أن نزعوا من صدره، صرخة كرامة، ونزف عنفوان، وتكبيل حرية، وكتم الناس. انها دكتاتورية القصور الخاوية، انها دكتاتورية الأسوار المتهالكة.
فالاجدى بك أن تتصور ان أصحابها هم بدرجة، دناءة ووساخة من خرج على انسانيته، وباع نفسه للشيطان بابخس الاثمان، وقالوا: “أنا ربكم الأعلى”. لقد تناسوا قوله تعالى:
“رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوْمٍۢ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ.. (آل عمران – 9).
=======================
=======================



