جرائم الاحتلال.. إبادة العمران بعد الإنسان!

“المدارنت”
أن يصل متأخراً خير من عدم وصوله أبداً، هذه هي حال بالاكريشنان راجاغوبال مقرر الأمم المتحدة المعني بالحق في السكن اللائق، الذي نطق بالحقيقة الصارخة مؤخراً وأعلن أن استمرار دولة الاحتلال في هدم المنازل على امتداد قطاع غزة «يشكل جزءاً من جريمة الإبادة الجماعية».
ولعل التحفظ الدبلوماسي الذي تتصف به تصريحات المسؤولين الأمميين، وعلى رأسهم الأمين العام للأمم المتحدة نفسه رغم جسارة بعض أقواله بصدد حرب الإبادة الإسرائيلية في القطاع، هي التي دفعت راجاغوبال إلى الاكتفاء بهذا المستوى من الإشارة إلى طراز من جرائم الحرب قد لا تكون له سابقة، حتى خلال الحرب العالمية الثانية. فالمعطيات الأوضح، وبالتالي الأجدر بالتشديد، تقول إن 90٪ من البنية التحتية المدنية في القطاع جرى تدميره وفق مخطط منهجي بالغ القصدية وهمجي التصميم.
فلم تكن عمليات القصف الإسرائيلية المكثفة للمشافي والمصحات والجامعات والمدارس والأفران ومخازن المساعدات ومقارّ الهيئات الأممية والدولية ومخيمات اللجوء، منحصرة في أهداف عسكرية أو ميدانية أو حتى لوجستية. بل كان في طليعة وظائفها دفع المدنيين إلى النزوح القسري ومغادرة الأمكنة، وبالتالي تحقيق مستويات أعلى خبثاً وفاشية من التطهير العرقي، طمعاً في أحلام احتلالية واستيطانية لاحقة.
وقد أشار راجاغوبال إلى أن سلطات الاحتلال «تواصل هذه الأفعال حتى خلال فترة الهدنة التي باتت مجرد حبر على ورق»، وأنها بالتالي «لا تزال تواصل القتل، وهدم المنازل، ومنع وصول المساعدات الإنسانية بالقدر الكافي ولم تُنفذ أياً من بنود الهدنة بشكل فعلي». ولأن خلاصاته وصلت متأخرة بدورها، فقد أقرّ بأنه «توجّب إنشاء جهة تراقب انتهاكات الهدنة وتحمّل الأطراف المسؤولية في حال خرقها، والوضع الحالي لا يختلف كثيراً عما كان عليه قبل توقيع الهدنة».
وقد يصح القول إن راجاغوبال ذهب أبعد مما هو معتاد من كبار المسؤولين الأمميين، إذ رفض مزاعم الاحتلال بأن هدم المنازل أهدافه عسكرية، معتبراً أنها «تتم بشكل واسع وعشوائي دون تمييز»، وهي بالتالي «انتهاك جسيم لقوانين الحرب وجريمة ضد الإنسانية». وكان بمثابة تحصيل حاصل أن يبلغ الرجل النتيجة التالية المنطقية: «إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، واستمرار تدمير المساكن جزء من هذا الفعل الإجرامي. إنه وضع مأساوي للغاية».

وفي جزء إجرامي يخدم أغراض الحقد الأعمى على التراث الفلسطيني المعماري والتاريخي في القطاع، الإسلامي والمسيحي منه على وجه التحديد، استهدف الاحتلال المسجد العمري، وكنيسة القديس برفيريوس ثالث أقدم الكنائس في العالم، ومسجد السيد هاشم، والكنيسة المعمدانية، وأسواق غزة التاريخية، وكنيسة العائلة المقدسة، ومقام الخضر، وميناء الأنثيدون الكنعاني الذي يعود إلى 800 سنة قبل المسيح، وسواها مواقع أخرى عديدة.
وغني عن القول إن الزمن لن يطول حتى تلجأ دولة الاحتلال إلى اتهام راجاغوبال بالعداء للسامية، وربما منعه من الدخول وتحريض البيت الأبيض على معاقبته أسوة بكل منتقد لحرب الإبادة الإسرائيلية في القطاع. الأمر الذي لن يمنع انكشاف الحقائق الدامغة تباعاً، فالشمس لا تُحجب بغرابيل فاضحة الثقوب.



