جـــراحـــــة بـسـيـطـــــة؟

خاص “المدارنت”..
كان المشهد مثيرًا. طَوْف بشريّ يتدفّق من كلّ صوب، والساحة تضيق بما رحبت. جموع تتحرّك، رايات تخفق، وهتافات تندّد بالفساد وأهله. قيادات، زعماء، سياسيّون، نافذون.. الجميع في دائرة الاستهداف.. “كُلُّنْ يعني كلّن”.
إنّها الثورة، ترفع رايتها الوطنية السلمية مخترقة الطوائف والمذاهب والمناطق والأحزاب.
وفجأةً أطلّ “فرسان الميدان” على خيول عصبيّتهم الجامحة. في أياديهم، وعلى جنوبهم أدوات قتال قديمة: عصيّ، سكاكين، حجارة… ، وفي رؤوسهم موروثات ماضٍ بائس، وفي القلوب كمٌّ هائل من مشاعر العدوانية والانتقام.
… وكانت الواقعة المشهودة؛ فرغم دخول الأمن فاصلًا بين الطرفين، لم تسلم جموع الثائرين من آثار العنف الدامية: رؤوس شجّت، وأطراف واضلاع كسرت، ووجوه بدت عليها الكدمات الداكنة.
هذا شابّ أسقطته العصيّ أرضًا، فتقاذفته الأقدام بركلاتها، وتلك صبيّة تسلّحت بحقّها وحضرت للتظاهر، فجذبتها أيدي الرعاع من شعرها، وطوّحت بلطف أنوثتها أرضًا، وذاك فتىً اقتادوه على وقع الصفعات واللكمات الى جهة مجهولة .
كنت أرقب هذه المشاهد على الشاشة أمامي ألِمًا حزينصا مذهولًا. هدّني التعب ودبّ الخدر قي جوارحي ليأخذني بعيدًا.
كجرذٍ هرم في زنزانة موحشة، كنت اتكوّر ملتفّاً على نفسي، تسكنني المرارة والأسى والأمل الدفين. كنت انتظر اللاشيء. لكأنّني في قبرٍ سُدّت فيه منافذ الضوء والأنس والحريّة، ولم يبق بداخله غير بعضٍ من هواء ينفذ عبر قضبان باب حديديّ موصد.

صِحْت كثيرًا، ناديت، شَكَوت، لعنت، شتمت، بحّت الحنجرة، تقطّّعت حبال الصوت، ولا مجيب غير الصمت. وما زلت رهين الصمت واليأس. وحده الذهن، كان يمور باسئلة يتيمة من أجوبتها:
لماذا أنا هنا؟ ماذا فعلت لأدفن في هذه الزنزانة العفنة؟! أهي جريمة أن أشارك المعتصمين مُطالبًا بحقوقي المشروعة؟! أهو ذنب أن أطالب بإسقاط الفساد وأهله؟! أنا لم أشتُمْ أحدًا، وليس من ثقافتي الوطنية أن يشدّني العصب الطائفيّ أو المذهبيّ، أو أن أستجيب لنداء التآمر الداخليّ او الخارجيّ.
كان الذهن يتخبّط في دوّامة هذه الاسئلة، عندما تناهى الى مسمعي وقع خطوات تقترب، وصوت يرعد قائلًا: ستمثل أمام سيادة المحقّق. هيّا انهضْ.
… ونهضت. فتح الباب الموصد، وسِرْت خلف الرجل صامتًا والأغلال في يديّ.
في غرفة التحقيق كان ينتظرني رجل ذو ملامح صارمة. خاطب السجّان آمرًا:
– إنزع الاغلال من يديه، وانتظر خارجًا.
وتوجّه إليّ بصوت هادئ ودماثة مصطنعة، وهو يقول:
– علمنا أنّك كنت في طليعة المعتصمين، وأنّك كنت ترمي سموّ الزعيم بأقذع الشتائم. ما الذي يحملك على ذلك، وأنت تعلم أنّه رجل مسؤول همّه الأول مصلحة الأمة والإنسان، وأنّ أفضاله ومكارمه تطوّق اعناقنا جميعًا؛ فكيف تسوّل لك نفسك التعرّض لمقامه الجليل بالألفاظ النابية؟!
– أنا لم اتعرّض له أو لغيره بأيّ شتم أو سباب. كانت مشاركتي للاحتجاج على الفساد والفاسدين وحماتهم، ولست في ذلك مستثنيا” أحدًا.
– وماذا تقول في ما عثرنا عليه في هاتفك من كتابات في نقد المنظومة السياسية القائمة، وقلب النظام الطائفيّ على رؤوس أصحابه؟!
– هذه تهمة أؤكدّها ولا أنكرها، وهي أساس قناعتي ومنطلق افكاري؛ فالمشكلة الكبرى التي تدمّر مجتمعنا وتعطّل مقوّمات نموّه وتقدّمه هي في تلك العصبية الطائفية والمذهبية، وما أسّست له من نظام سياسيّ واجتماعيّ قائم. هذا ما عبّرتُ عنه باللسان والكلمة والموقف دون مواربة ولا إنكار.
– لا بأس.
أدخل أيّها السجّان. سنفرج عن هذا المتّهم؛ ولكنْ بعد أن تُجرَى له عملية بسيطة بقطع أصابعه واستئصال خصيتيه. وعليك الاستعجال بتنفيذ هذا الحكم.
… ويعود القيد الى معصميّ، ويمضي بي السجّان لتنفيذ الحكم.
وإذ يشرع المختصّون بعملهم يكون الخوف قد بلغ لديّ مبلغ الجنون، فتتحرّك يداي بقوّة، وينبعث من الحنجرة صراخ حادّ.
… وأشعر بيدٍ توقظني بقوّة، فأفتح عينيّ، وأعود الى عالم الواقع واليقظة مستعيدًا هدوئي وسكينتي من جديد.



