مقالات
حرب الإمبراطور بوتين

“المدارنت”..
قضى الأمر، واندلعت حرب الاجتياح الروسى لأوكرانيا، ومن كل الاتجاهات فى نفس واحد، وبقصف جوى وصاروخى و”سيبرانى” مركز، دمر البنية التحتية العسكرية الأوكرانية فى دقائق، وحول آلاف الأطنان من الأسلحة الأميركية التى زودت بها “كييف” إلى ركام خردة، وأعلن الرئيس الروسى “فلاديمير بوتين” أنه لم يعد بوسع أحد تخطي خطوط روسيا الحمراء.
لم يتوقف بوتين عند حدود اعترافه باستقلال جمهوريتيّ “لوجانسك” و”دونيتسك” شرق أوكرانيا، وقرر الدخول فى حرب استنزاف وتحطيم أوكرانيا، ونزع سلاحها بالكامل، وليس فقط منع “كييف” من الانضمام لحلف شمال الأطلنطى “الناتو”.
وفي مقاربة سابقة لما جرى ويجري في أوكرانيا، أشرت إلى “لوجانسك” و”دونيتسك” باعتبارهما “كعب أخيل”، والمصطلح يعود إلى أساطير الإغريق القديمة، عن حكاية الطفل “أخيل”، الذى فزعت أمه من نبوءة كاهن بمقتله فى حروب طروادة، وكان الحل بحسب العادات السيارة وقتها، أن تعمده بمياه نهر سحرى، وفعلت الأم، لكنها كانت تمسكه من عقب أو كعب أحد قدميه وقت الاستحمام، فصار “كعب أخيل” هو نقطة ضعف الموعود، الذى كبر وصار فارسا حربيا مغوارا، حسم معارك كثيرة لصالح قومه، لكن سهما مسموما أصابه فى كعبه الذى لم يعمد بالماء الواقي، فكان مقتله القدري.
وفي مقال عن الكسب الصيني من صراع أوكرانيا، قلت بالنص، بعد الإشارة إلى وضع “لوجانسك” و”دونيتسك” الانفصاليتين فى منطقة “دونباس” الأوكرانية، أنهما “كعب أخيل” داخل أوكرانيا “الذى لن يتخلى بوتين عن استثماره فى المدى القريب والمتوسط”، وهو ما فعله بوتين بسهام الاعتراف باستقلال الجمهوريتين المنفصلتين قبل ثمانى سنوات، فى غمار حوادث العام 2014 العاصفة، التى بدأت بإطاحة رئيس أوكرانيا المنتخب وقتها “فيكتور يانوكوفيتش”، وهو من منطقة “دونيتسك” وموال لروسيا، بعدها جرى الهجوم الروسى المباغت، وضم موسكو لشبه جزيرة “القرم” وميناء “سيفاستوبول” على البحر الأسود، وتكثيف التمرد ضد “كييف” فى شرق أوكرانيا، وخوض معارك ضارية، سقط فيها 14 ألف قتيل.
ولم تتوقف مؤقتا إلا فى فبراير من العام التالى 2015 ، حين تم عقد “اتفاق مينسك”، الذى شاركت فيه روسيا مع فرنسا وألمانيا، إضافة لحكومة أوكرانيا وقادة الانفصاليين، ونص على وقف إطلاق النار ، وإلى أن زادت الاتهامات المتبادلة بخرق الاتفاق فى الأسابيع الأخيرة، وحتى قرر بوتين طى صفحته، وأعلن قراره المفاجئ الاعتراف باستقلال جمهوريتى الدونباس، وعقد معاهدات صداقة وتعاون ودعم عسكرى، أعقبها التدخل الروسى رسميا، ربما بهدف ضم المنطقة لروسيا فيما بعد، وقد استعادتها قوات الانفصاليين الروس فى نحو ساعة.
ولم يتوقف “بوتين” عندها، فنبرة خطابه المطول الممهد للاعتراف بجمهوريتى الانفصاليين الروس، كانت قاطعة وعنيفة وصريحة، تكاد تصف أوكرانيا بأنها دولة مفتعلة ، اصطنعها قادة البلاشفة الروس، من “لينين” إلى “ستالين” إلى “خروشوف”، باقتطاع مناطق من روسيا أساسا، ومن بولندا ورومانيا فى معارك الحرب العالمية الثانية، وبرغم أن بوتين لم يسحب اعترافه رسميا بعد بدولة أوكرانيا، وهو ما سلمت به “موسكو” من قبل فى “مذكرة بودابست” خلال تسعينيات القرن الماضى بعد انهيار الاتحاد السوفيتى، الذى كانت أوكرانيا إحدى جمهورياته، واستقلت كما الجمهوريات الأخرى، إلا أن بوتين تراجع عمليا عن الاعتراف.
وسعى لاستعادة كل المناطق والمدن الروسية داخل “أوكرانيا”، وصولا إلى “خاركوف” و”أوديسا” و”كييف” نفسها ، ويتهم النخبة الأوكرانية الحاكمة الفاسدة بسرقة 150 مليار دولار من روسيا، وبإهدار حقوق المتكلمين بالروسية داخل أوكرانيا، وبتحويل البلد إلى قاعدة عدوان وتجسس أمريكية على موسكو، وبحيازة تقنيات نووية موروثة من العهد السوفيتى، قد تمكنها من صناعة أسلحة نووية تكتيكية، ربما تصل إلى موسكو بالصواريخ “فرط الصوتية” خلال أربع دقائق لا غير، وكلها أسباب تجعل تحطيم العداء الأوكرانى لروسيا مهمة عاجلة بقناعة بوتين، الذى يواصل العمل ببرود لاعب “الشطرنج” المحترف، ويضرب ضربته وقت لا يتوقع أحد.
وبرغم أن أقوال بوتين التاريخية لا تبدو دقيقة تماما ، فقد كانت هناك سوابق لنشوء وطنية أوكرانية قبل حكم البلاشفة ، وقبل قيام الاتحاد السوفيتى ، توالت صور تمرد “أوكرانى” فى عصور متعاقبة، بدءا بعصر امبراطورية “كييف روس” فى القرن التاسع الميلادى، وحصل أوكرانيون على بعض استقلال موقوت فى هبات تمرد، حتى ضد الامبراطورية الروسية، التى آلت إليها أغلب أراضى أوكرانيا الحالية فى القرن التاسع عشر، وكان ذلك من دواعى منح البلاشفة استقلالا اسميا لأوكرانيا فى العام 1922،
ثم أضيفت لأوكرانيا مناطق روسية فى “القرم” و”الدونباس” كما ذكر بوتين، الذى يتهمه الغرب بالرغبة فى إعادة بناء الامبراطورية الروسية ، وهو ما تنفيه موسكو اليوم ، وإن كانت مساجلات الاتهام والنفى ، قد لا تفيد كثيرا فى فهم عقلية بوتين، الذى تقوده نزعة قومية روسية بالمعنى السلافى والمسيحى الأرثوذكسى معا ، لا تخلو من حنين ظاهر إلى أيام المجد السوفيتى، الذى عمل بظله ضابطا فى جهاز المخابرات الشهير الرهيب “الكي. جي. بي”، وهو أى بوتين، ينعى أخطاء البلاشفة، وتفريطهم في حقوق روسيا وأراضيها من منطلقات أيديولوجية،
لكنه يقدر وزن الحقبة السوفيتية من منظور قومى روسي، وقد قال “بوتين” مرة، أن من لم يحزن لانهيار الاتحاد السوفيتى، هو شخص بلا قلب، وأن من يحلم باستعادة الاتحاد السوفيتي كما كان، هو شخص بلا عقل، وبين اعتبارات القلب والعقل يخط بوتين طريقه، ولا يريد استعادة الاتحاد السوفياتي ككيان سياسى موحد، بقدر ما يريد استعادة المعنى الأمنى للاتحاد السوفيتي، والدور المحورى لروسيا فى قلب منظومة أمنية “سوفيتية” الحدود، فروسيا وحدها ممتدة على مساحة 17 مليون كيلومتر مربع.
وأغلب جمهوريات آسيا الوسطى المستقلة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، صارت شريكة مع “روسيا بوتين” في “منظمة الأمن الجماعي”، التي تضم “أرمينيا” و”طاجيكستان” و”كازاخستان” و”قيرغزستان”، إلى جوار روسيا و”بيلاروسيا” غربا، بينما “أوزبكستان” و”تركمانستان” و”أذربيجان” على مقربة من الحلف الروسي الأمني، في حين عاندت “جورجيا” و”أوكرانيا”، ورغبتا منذ عام 2008 ، في الاستجابة للغواية الأميركية بالانضمام لحلف “الناتو”.
وكان رد بوتين عنيفا، وتدخل بالقوة لفصل إقليمي “أبخازيا” و”أوسيتيا” الجنوبية عن “جورجيا” أواخر 2008، ثم كانت قفزته اللاحقة بضم “القرم” عام 2014، التى يكملها اليوم بالضم الفعلى لشرق أوكرانيا الروسي الغني بالفحم والمصانع والثروات الزراعية، وإن خرجت من قبضته جمهوريات البطليق الثلاث الصغيرة “لاتفيا ـ أستونيا ـ ليتوانيا”، التي انضمت رسميا لحلف “الناتو”، وكانت من جمهوريات الاتحاد السوفياتي، لكن بوتين لا يزال يحتفظ بوجود عسكري وعرقي روسي في “مولدوفا”، وربما يزيد من إغراء بوتين بتحقيق حلمه الأمني، أن روسيا فى عهده الممتد، أعادت بناء وطورت قوة عسكرية ونووية وصاروخية جبارة، جعلتها تدخل طرفا مؤثرا فى إعادة تشكيل العالم، مستعينة بعلاقة “بلا حدود” مع التنين الصينى المجاور، الذى يزحف بسرعة خاطفة إلى قمة العالم اقتصادا وتكنولوجيا وسلاحا، وقد يعوض روسيا عن ضعفها الاقتصادى النسبي، مقابل الاستفادة من تكنولوجيا السلاح والفضاء الروسية.
ومن شأن العلاقة مع الصين، أن تخفف عن روسيا بعض آثار العقوبات الاقتصادية، التى تفرضها واشنطن مع الاتحاد الأوروبي، وقد أدت عقوبات 2014، إلى تراجع كبير فى قيمة “الروبل” الروسى قياسا للدولار، وإن دفعت “بوتين” إلى إجراءات تصحيح اقتصادي، سمحت بتنشيط الاقتصاد الروسي، الذي يعانى لا يزال من فرط اعتماده على الموارد الريعية، وعلى تصدير البترول والغاز الطبيعي، وهو ما تبدو الصين مستعدة لاستيعاب الكثير منه.
فالصين أكبر مصنع فى العالم ، وأكبر شريك تجارى، وأكبر مستهلك للطاقة، واتجاه روسيا إلى الشرق الصيني،، قد يقيها كثيرا من غوائل الخسائر الناجمة عن عقوبات الغرب الجديدة، من نوع “تعليق” ألمانيا لخط “نورد ستريم ـ 2” لنقل الغاز الروسي، وتقليص أمريكا وأوروبا للتبادل التجارى مع موسكو، ووقف توريد التقنيات الإلكترونية، وصولا إلى حجب البنوك الروسية عن نظام “سويفت” المالي،، وكلها ضربات قاسية بغير شك، لا بد أن بوتين أخذها فى حسابه قبل اتخاذ قراراته الأوكرانية الأخيرة، وربما قدر أن العقوبات الغربية لن تدوم لمدى طويل، وأن عليه امتصاص الضربات والخسائر القريبة، وإلى أن يدرك الآخرون استحالة تركيع روسيا، خصوصا أن أمريكا ليست مستعدة للدخول فى صدام عسكرى مباشر، يردع مخاطرة الإمبراطور بوتين…
المصدر: “القدس العربي”


