مقالات
“حزب الله ودوّامة “السلاح غير الشرعيّ”..

خاص “المدارنت”..
ما حدث في مرفأ بيروت ليس مجرّد انفجار عرَضِيٍّ – وإن كان الاهمال يحيط بالمكان والمحتوى – او كارثةٍ طبيعيّة، وانّما عدوان مدروس، بدقّةٍ وعناية، له اهدافه القريبة والبعيدة.
من يعرف المرفأ، الذي يعجُّ بآلاف الأفراد والموظفين خلال ساعات النهار، يكتشف أنّ توقيت التفجير في السادسة مساء، حيث لا يتواجد غير بعض العمال، يدلّ على انّ اهدافَه لم تكن لاحداث اعداد هائلة من القتلى والجرحى، انّما تتعدى ذلك الى تغييرات جذريّة في مسارات شهدتها البلاد لعشرات السنين.
من نافل القول أنّ تحالف القوى السياسيّة في لبنان، والذي ما يزال يتقاسَم ويتحاصَصُ السلطة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، يتحمّل كامل المسؤوليّة عن كمّيّة ونوعيّة الفساد، الذي استشرى في كلّ مؤسّسات الدولة ومرافقها العامّة، وعن الاهمال الذي طال كلّ الخدمات الضروريّة والقطاعات الحيويّة و التنمويّة التي تشكِّل عجلات حركة الحياة للبلاد والعباد.
هذه القوى، التي ارتضت معادلة سلاح الحزب بمقابل اطلاق اليد في مقدِّرات الدولة لسنين طويلة، وجدت نفسَها، اخيرًا، وبعد فوات الأوان، في جوٍّ دوليٍّ ضاغط يخطِّط، بكلِّ جدِّيّةٍ وتصميم واصرار، لنزع سلاح حزب الله والقضاء عليه كقوّة عسكريّة وأمنية وماليّة وسياسيّة.
حزب الله، الذي كان، أثناء الاحتلال الصهيونيّ لجنوب لبنان، رمزًا للمقاومة العربيّة الشرسة ضدّ اسرائيل، وبارقةَ امَل في ظلام الليل العربيّ الطويل، تحوّل في السنوات الأخيرة، في نظر الكثيرين من الناس، بخاصّة بسبب تدخُّلِه في الحرب الدائرة في سوريا واليمن، وبسبب اتهامه بالعديد من الاعمال العدائيّة في بعض الدول العربيّة وغيرها، الى ميليشيا شيعيّة، كميليشيات العراق المذهبيّة، التي لا همّ لها غير تحقيق المصالح الايرانيّة في المنطقة العربيّة.
لذلك، اصبح من الاسهل استهدافه – الآن – بعدما خسر جزءًا كبيرًا من رصيده المُقاوِم ومن حواضنه الشعبيّة في لبنان والبلاد العربيّة، وبعدما تمّت تصفية اللواء قاسم سليماني، الراعي المادّيّ والمعنويّ لكلّ التشكيلات المسلّحة التي يموِّلها، ويشرف عليها الحرس الثوريّ الايرانيّ.
لكنّ قرار القضاء على حزب الله وقوّته العسكريّة والأمنيّة المالية، يتطلّب أحداثًا كبيرة، تعطي القوى التي تستهدفُهُ الذرائع المطلوبة للقيام بالمهمّة باقلّ خسائر ممكنة.
عام 2005، نجح الحدث الكبير الذي أدّى الى استشهاد رئيس الوزراء اللبنانيّ الأسبق رفيق الحريري، في اخراج الجيش السوريّ والقوى الأمنيّة السوريّة من كلّ لبنان – على وجه السرعة – ممّا فسح في المجال لحزب الله، للانحراف في الحياة السياسيّة اللبنانيّة، بعدما كان دوره يقتصر على المقاومة المسلّحة ضدّ إسرائيل وادواتها في المنطقة والعالم.
حتى ذلك التاريخ، كان حزب الله يعتمد في الحفاظ على خصوصيّة سلاحه على سوريا، ووجود جيشها وقواتها الامنيّة في لبنان.
بعد خروج السوريّين، أصبح الحزب بحاجة الى غطاء لبنانيّ داخليّ، وبخاصّة من الجانب المسيحيّ، للاحتفاظ بالسلاح خارج اطار الجيش والقوى الامنيّة الللبنانيّة. لذلك، دخل سريعًا في حلف رباعيّ مع “حركة أمل” و”الحزب التقدُّميّ الاشتراكيّ” و”تيّار المستقبل”، ثم وجد حليفًا أساسيًّا وقويًّا وطامحًا في التيار الوطنيّ الحرّ، الذي عقد معه تفاهمًا شكّل القاعدة الأساسيّة للسلطة في لبنان منذ 6 شباط 2006.
هذا الغطاء الشعبيّ النسبيّ والرسميّ الكامل – فيما بعد – كان وما يزال الرافعة “الوطنيّة” التي مكّنت الحزب من ارساء دعائم تواجدِهِ خارج اطار الدولة – وبموافقتها.
لا يستطيع احد من أركان القوى السياسيّة الفاعلة في لبنان، انكار مشاركته المحاصصة في السلطة، على قاعدة اطلاق اليد له في الادارة والمجتمع، مقابل التوافق على معادلة: الشعب والجيش والمقاومة. كلُّهُم كانوا متوافقين على اقتسام الجبنة، تحت سقف حكومات الوحدة الوطنيّة والانقاذ الوطنيّ والخلاص الوطنيّ، وما الى هنالك من تسميات تصلح للتغطية على تحالفهم – جميعًا – لنهش الوطن جملةً وتفصيلا.
أخيرًا، جاء وقت الحساب، ودفع الفواتير الاقليميّة والعالميّة المُستَحقّة منذ زمن؛ فماذا سيفعل حزب الله وحلفاؤهُ وشركاؤه وكلّ القوى السياسيّة، التي نهبت البلاد، وأفقرت وقهرت العباد، امام هذا الهجوم الخارجيّ والداخليّ الهائل، والذي ظهرت تجلِّياتُهُ في تفجير مرفأ بيروت؟!.



