مقالات

حكاية لا تسأل عن خاتمة.. (وشوشات).. الحلقة الـ”4″ والأخيرة..

رولا عبد الله/ لبنان

خاص “المدارنت”..

 

ينشر موقع “المدارنت” اليوم
الحلقة الرابعة والأخيرة
من رواية الزميلة الكاتبة الروائية رولا عبد الله
“حكاية لا تسأل عن خاتمة.. (وشوشات).. 

 16-

… من منتصف العلاقة بدأت حكايتنا. غريبان في أرض تفاجئ زوارها، تدوّر حكاياها، كل دائرة بوجه، وكل نظرة باعتراف، وعنك لا أعرف غير الريشة وقلم الفحم، وعني لا تعرف غير قيثارة أنقلها في بلاد الله الواسعة من  ساحة إلى مسرح وفرقة وعازفين، ثم إليك في كرنفال اخترت أن تكون نصفه الآخر. هذا من وجهة نظري، فهات ما عندك…

تبتسم في وجهي. كأني أعرف ابتسامتك تلك. تتركني لذاكرة بنصف وجه، لأحداث أتخيلها ولا أعرف إن كانت حقيقة، لمشاوير ترافقنا فيها، في أراض خصبة وأخرى قاحلة، في الجبال والجرود والمغاور، في الأروقة المظلمة، ولأحسب أني كنت أشد على يدك خوفاً ، وكنت أرتمي في أحضانك مع كل صوت دخيل، وكنا نلعب في مكان ما الغميضة وشد الحبال وعسكر وحرامية، وكنت أغار عليك بلا سبب يذكر، ولكن هل كنا في كل هذا المدى الذي يحضرني؟ كالعادة لا تجيب، وكالعادة أستسلم لغموضك وأبتسم وأترك السؤال لأوانه، ولدعوة منك أن نلتقيَ، ليس في الكرنفال الممتد لسبعة أيام، وإنما في كرنفال نصنعه بأدواتنا: مضرب وريشة.

وكان علي أن أحتفيَ بك في مدينة وشوارع وأزقة أجهل أين تأخذني: إلى البحر أو إلى الجبال، إلى الناس أو إلى خلوة نصنعها في العليات المهجورة، إلى عائلة تبتسم لنا كأنها تعرفنا، إلى صخور ورمال وأتربة ونزهة تحت المطر تغسل رواسب الوجوه في الأذهان، تعري وجهك الذي يحضر من بين الضباب، مثل القمر في استراقه دعوة:”على مائدة الغيمة الأخيرة لهذا العام أضأت شمعة. أغلقْ باب المدينة واتبعْ حوافر الريح تدلك إلي”.

وأتتبّع آثار الريح العالقة في الرمال كخاطرة قديمة، تسأل عنك بين الوجوه، تقارب في الملامح وتباعد، تتحرى، تستعيد لحظات هاربة، لا معطى ولا جديد سوى أننا لا بد أن نكون التقينا، والسلام.

17-

في رائحة صخر الصابون الرمادي، طفولة يقظة تنبعث من غبار أبيض. تلك الرائحة تحيا، وعلى أنفي الصغير تدبّ، مدغدغة مخيلة بأسمائها وعناصرها في الجسد، وفي ذاك الممر الطويل أيام كانت وصفة الشقاوة: قليل من بودرة التلك الصينية تكفي للزحلقة، ولذلك الانجذاب القوي لرائحة البلاط يفوح برائحة زهر الليمون وزهرات أخرى. وكانت في الأساس وصفة الأمهات الأولى: قليل منها يكفي لأجساد طرية عطرة في مواجهة خميرة الجسد.

وكنت مفتونا بعلبة التنك البرتقالية الممتدة أفقياً، والتي سرّتها معقوفة بزهرة حمراء ورأسها متوّج بسدادة بيضاء دائرية، مرة اسمها الحورية “مرميد”، ومرة الزهرة، ومرارا زحلوقتي التي صفحتها بيضاء، وتظل في المسافة مثل الغبار في العين، تثير الدمع وتثير الحنين وتثير عمري المتأرجح بينها وبين ردهات منسية تعج بالأسرار، وتعبق بالروائح، وتزدحم بذكريات ذلك الحجر الذي شغل ملكات التاريخ من أيام كليوبترا، والذي سحقنه ومزجنه بعسل النحل ودهن النعام والعطور ومددنه على أجسادهن .

وهو الحجر نفسه الذي تتمازج فيه الأزمنة وموجات الرائحة من أنف الطفولة إلى أرض الحضارات، حيث أقف وتقفين وندوّر حجارة صغيرة بين أيدينا مثلما يفعل البهلوان بكراته الثلاث، ونخمّن: هنا أسرار التلك تستلقي، وهناك تفيق ساعة حجر الصابون يقدح في الحجر، ومن حوله تتناثر رائحة المعادن، وبجواره نعيد جمع خمس عشرة قطعة من قنديل صغير وموقد جمر من بين ركام مستودع دير بيزنطي قديم، وتخبرينني: هذا من حجر الصابون. وأشم الحجر الذي فيه رائحة التلك، ورائحة الطفولة، ورائحتك حين تكوني طالعة من غبار الأرض. وأحصي القطع الموجودة منه وأخمن المفقودة، وأقارن: هذا الحجر الطري من بلاد ما بين النهرين بلون وجهك حين تغضبين، وبلون النهر حين يمسك بأقدامنا على أرضه الزلقة بنا ويترك خريره يتصاعد مثل زوبعة في جسدين يعلوان ويعلوان إلى  حيث الغيم يخفي وجهينا.

ومن معدن الحجر يشبع الجسد، وينفلش مثل مروحة من ريش مختومة بعيون الطاووس، وفي كل عين ختم آخر وزخرفة وقناديل من خزف التاريخ ومن الصابون ومن أجسادنا المصفحة بال”أستاتيت”، مكوّن بودرة التلك. ومن معدن الجسد يلين الحجر، ويتركنا ننجذب أكثر إلى الكيمياء فيه، وتشتغل بودرة التلك في أجسادنا ورغباتنا وفي نبض القلب، تتركنا نحب ونكره، نشتاق ونتذكر، ننجذب ونتباعد، نتجاسر وحين اللهب ننكسر ونلين، لهذا نحنّ للحجر، نتلقفه بكرات الطفولة، نشمّه ونخبئه في جيوبنا، وحين المزاح وحين الغضب وحين الشدة يضرب ويجرح ويقاوم، وحين الحب نحفر عليه بالمسبر قلبا وسهما وحرفين ونلقي به إلى الداخل مخترقا شرفات أحبتنا.

18-

كأني أراه في بؤبؤ عينك يا مرآة، يفيق من غفوته، نافضا آخر خيوط النعاس المخبوءة بين الجفون، وفي خصلات من شعره، وفي فوضى الجسد المستلقي، يتفتل ، يتقلّب، يتشذّب ويهبّ واقفاً في ممشى الصبح كاللمعة، كأغنية تحت قميصه تزهر بقايا عطر تطفو على شفتي، كصفحة متماوجة تدعوه إليها، كعيون ملغومة برائحة بحرية تهمس أن تعال إلي.

وأمسح بكفي المرآة، أعاند بخار الرؤية في تكثّفه وتعملقه وتمدده وتفتته والتماعه على الجدران قطرات من موزاييك. وفي البانيو كان زيت النارنج يطفو على صفحة المياه، وكان الجسد تحت الزيت يتراخى ويستلقي ويثمل بالرائحة في حفر مجراها إلى حدود منشفة تطوق أسفل الخصر، وتنكمش الرغوة كأنها لآلئ.

وأسمعه يدندن، وبين يديه معجون الحلاقة، بتوليفة البابونج والأملاح المعدنية، يمسّد بقليل منه خديه المتوردين، وبالفرشاة يصنع دوائر بيضاء مثل القطن المنفوش، وبإصبعه يخفي حدود السالف ويسير بموسى الحلاقة مائلا من الأعلى إلى حدود الذقن، ويتمهّل قليلا معاوداً الكرّة بعد أن يبلل الموسى، ويغرق وجهه بالماء مرة أولى، وثانية، وثالثة. يجففه، ويأتي أوان بخاخ الصبار المرطب، ينثره على الوجه ويملي النظر في مرآته، وأملي النظر في مرآتي، وكلاهما انعكاس لواحد.

ومن مكاني، أعدِلُ المرآة، وأطلب بعض الوقت، والوقت معه يركض، ولا يكفي العمر كله لأتأمل فيه، لأتملى في عينيه، لأدور حوله مثل العالم الذي يدور من حولنا، لأمسح عن خديه بقايا الصابون، ومن عينيه أرى البحر يأتي، وألقي بروحي في بحره، أغرق فيه، وأنتفض مثل حورية، مثل ربيع في الأرض، مثل الرقص في المطر، مثل مطرودين إلى مركب، قبل الطوفان، لتبدأ  رحلة. وأتذكّر: بيني وبينه مرآة وثلث من الساعة.

19-

رمتني الغمامة بالمطر، تقول بأني نسيت معطفها الرمادي عندها، ورحت أبحث عن طريق في ذاكرة الليل، رافعة غير وعيد السماء في مؤازرتها غيمة، أتساءلُ أيّ الطرق أقصر إلى قلبها، وأي ريح تحملني على أطرافها صوب المروج، وأي الأشجار تدلّني إلى قعر زجاجة عطر، حيث هبطنا من عنق الضوء، وما عدت أذكر أي رسم هندسي احتوانا في ذلك الليل الطويل الذي أمطرنا قرنفلا وقنديلا من نور الرائحة وعبق الضوء.

وكانت طقوساً نسينا معها نشيدَ الصبح،  ولونَ المعطف، وانتظار الغيم وعالمٍ ممتلئٍ بالأعين. هناك، في الأسفل، طعم العناق أشهى في القالب المقعّر، حيث الحب بلا مملكة، بلا دخلاء، بلا متطفلين، بلا رسوم جمركية على النظر واللمس والشم ووقع الخطى وخفقان القلوب، وحيث قدمي تدوس على قدمها وتعتذر، وتقترح: لتعلميني الرقص من حيث بدأنا أول خطوة، أول نظرة، لنرجع إلى هنالك، إلى توليفات عطرية في باقة منسجمة ينتقيها شاعر لكلماته في عيدها المجهول، وعلى الأرصفة صف من أشجار المر، وعلى كل شجرة يحط عصفور، ومع كل عصفور رائحة بذاكرة، وزقزقة وإشارة من السماء، وبشارةٍ تحملها فراشة.

وحيث روح العطر تسكن، كانت مصابيح الزجاجة تذرّ الضوء، وتخفق: لا تنتهي يا هذا المساء، القعر ممتلئ بنا في الانتظار، في الانتظار. وأخط في قعر الليل أني رحى، وأنك النبض والأنين والصرخة والسكرة و الخدر والعبير، وأننا، لليلة واحدة، مجنونان، تائهان، صاخبان، مرميّان ، منسيان، لاهثان، هائمان، مخضبين بالحناء، ومعا منحلّان كغيمة، منفيّان كحلم.

وغدا حين تقذفنا الزجاجة المركزة إلى الغيمة، وحين نصير خلف الزجاجة، وتنهرنا الغيمة وتمزّق معطفينا وتصنع منهما معطفا لها، وحين تخبر الغيمة الطيور المهاجرة عن مملكتنا وعن معطفها المنسي،  وحين ينفلت الهمس من الأهداب يثقله العطر وحين وحين…نقول كنا هناك، ونتمنى لو نسترجع ليلة تفوح من عنق زجاجة .

20-

تدلني الكأس إليك. تدخلني رحى عوالم مأخوذة بحيوات عامرة، تين وزيتون وعنب وتوت وأشجار نخيل وامرأة  توشوش “فردات الرحى” بأغنية تشاكي: « طقات فردات الرحى في الليل، وين القمر فوق المقادم صبة، صحى الي جرحه نقض في الليل يفهم غناء مولاتها صبة، تمت تنادي فيه ولا في قدم تنده على الي ما يشيلو هم، وتمت تشاكي في الرحى عاد الرحى تشكي، وغنت غنت بدل تشكي”*.

في ذلك المكان السفلي من الأرض، في رمال لؤلؤة صخرية مطلية بالكلس الأبيض، سكبت الماء المعطر بالكافور، دفنت الكأس في النخب، ووافيتك إلى اللعبة التي بدأناها: أن نبحث عن أشيائنا المفقودة، نحسن لقياها، نتجاوز الهضاب الخمس، الحفر، التعرجات، المفترقات، الحواس، وذلك الإحساس العديم بعدم الوصول. أن ننتصر لتواصلنا الخفي، لعقولنا في تمردها، وفي فطنتها، وفي تحليقها فوق الحواس. أن نبحث عن الكأس، فلا نكسره. أن نطارد أرواحنا، فلا تتوه منا. أن تروينا الكأس، وترتوي منا، ليس في أحلامنا فحسب، وإنما على مائدة، أو بين يديك، أو في يدي، في كرنفال، في ساحة، حيث رائحة الهال تفوح وتعدِل الأمزجة والأرواح والنفوس العابرة.

* كانت المرأة في الصحراء تناجي أداة الرحى، طمعا في أن تذيب مشكلاتها وهمومها كما تذوب حبات القمح بين فردتي الرحى.

ملاحظة: ينشر موقع “المدارنت”، نصوص رواية “رقصة المرمر/ تحت الرمال.. فوق الطين المشوي” للروائية رولا عبد الله مطلع الأسبوع المقبل.  

==========================

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى