خــطــاب “الــزراعـــة”..

خاص “المدارنت”..
لم أخُض تجربة الزعامة يومًا، لا تابعًا ولا متبُوعًا! نعم فقد تربّيتُ على المواطنة، حتى لو لم يكن هذا المفهوم مطروحًا على مسامع اللبنانيين. فقلّةٌ من الناس تعلم أن مشكلتنا الأساس ليست في حضور الطائفيّة، بل في غياب “المواطنة”. فقد كانت الطائفية تكبر داخل كرة الثلج، لدرجة الإعتقاد بأنّ مشكلتنا في طبقة الغبار التي تغطّي سطح كرة الثلج هذه.
لا يمكننا أن نُغلق حواسّنا بالكامل لو أردنا أن نرى مشكلة لبنان الحقيقية، والكلّ يعلم تمامًا أن الحرب الأهلية والتي بدأت بشرارة، لم تكن “بوسطة عين الرمّانة”، بل كانت “قلوب مليانة”. فقد يعاني جسد الوطن إذا ما اعتمدنا المقاربة للتعاطي معه في منحى علاجي، فلم نعد نستطيع إعادة الزمان إلى الوراء لنتبع المنحى الوقائي، اللّهم إلاّ الأمل الذي لم أفقده في الجيل الجديد، والتي يجب أن نولي الطفولة اهتمامًا لإعادة بناء وطن.. يضيع.
في العودة إلى مفهوم الزعامة، لا أودّ أن أنتقد بشكل سلبي، شخصًا لا سمح الله. فأنا أنتقد الأسلوب والسلوك والأفكار لا الأشخاص. تحديدًا إذا ما كان الشخص هو رجل دين ومرجعية يتبعها الكثيرون. حيثُ يتميّز الزعيم السياسي لحزب أيديولوجي عقائدي، بغَلبَة “مرجعيّته” الدينية على أفكاره السياسية، وهذا جليّ وواضح، وطروحاته المُتعلّقة بتقديم حلول لوطن يعاني غيابَه الجميع.
فالمشكلة هنا بالجمهور، وأقصد بالجمهور التابعين الذين يشبهون الآن جمهور في مدرّج ملعب كرة قدم. وأنا من محبّي كرة القدم ومن متابعيها، لكنّي بريء من المُدرّجات التي توصم الجمهور بالتبعية العمياء التي تتجسّد في الصراخ والتهليل عند تسجيل هدف لفريقنا، والشتم والسباب عندما يُسجّل الفريق الخصم هدفًا. عذرًا، فوجه الشبه كبير بين الصراخ لصالح تشجيع الفريق على المُدرّج والتصديق الأعمى للمرجع السياسي بالشكل والمُستند على مرجعيّته الدينية، بغضّ النظر سالبة كانت أم موجبة. نعم فإدراك العالم أو نظرتهم لأي شخص هي جزء من تكوين “الأنا” أو الهويّة الفردية للشخص.
فكيف بنا الحال لو كانت هذه الأنا الفرديّة غارقة في مساحة “العام” وقد خرجت بإرادتها من مساحة “الخاص”. فمن يريد الشهرة في عالم الفنّ على سبيل المثال لا الحصر، لا بُدّ من أن يعاني إنتهاك مساحته الخاصّة، فينبري العالم ووسائل الإعلام في التشهير بأي سلوك متعلّق باللباس والحياة اليومية. ويقول المثل الشعبي: اللي بدّو يعمل جمّال بدّو يعلّي باب دارو”.
لكن هل يجوز بمن يخوض غمار الشأن العام، وبالتالي المساحة العامة، أن يُضحّي بالهويّة الفردية والتي يجب أن تؤمن بالوطنية؟ ولكي لا أقع في خلاف أيديولوجي طال حول مفهوم الوطنية، سأستخدم مصطلح أدقّ علميَّا: المواطنة. في خطابٍ تقليدي كان (برأيي) توجّه السيّد حسن نصر الله، بنصيحة للمجتمع اللبناني بِرمّته، بأن يعتمدوا الزراعة في حدائق منازلهم، حتّى لو افترضنا عدم امتلاك حدائق في منازلهم، من الممكن الإستعاضة بأحواض نضعها على الشرفات. لكنّ المشكلة الأساسية تكمن وراء هذا. فهل يمكن لخطاب زعيم سياسي بلباس ديني، أن يختصر أزمة لبنان على الأصعدة كافّة، بالإكتفاء الزراعي الذاتي؟ أي نعم قال جبران منذ زمن:
..”الويل لأُمّةٍ تأكل ممّا لا تزرع..” لكنّه قال في القصيدة نفسها: ..إنّما الناسُ سطورٌ كُتبت لكن بماء”. وهذا يفضي بنا تمامًا إلى فكرة بسيطة وشعبية ولكنّه بالعمق صوفيّة.
فقد كانت وصيّة أحد الأثرياء الذي تميّز بحياة بسيطة، أن يتركوا يده خارج الكفن حين يموت. ليعرف العالم بأنه لم يأخذ شيئًا من ثروته معه. والزعيم الذي ينصح الناس بالزراعة لم يأخذ بالحسبان بأن نصيحته بالزراعة موجّهة أصلاً إلى مُجتمع زراعي؟ فوالدتي كانت تستقبل من الجيران “تنكات الزرّيعة”، لتهتمّ بها فالجميع يقول عنها بأن يدها خضراء.
ونحن كنّا قدّ انتقلنا من القرية إلى المدينة بحكم حاجتنا لمتابعة علمنا في الجامعات التي تفتقر إليها القُرى. مضمون خطاب السيّد نصرالله مُحقّ وواقعي، لكنّه لا يظهر للجمهور التابع بأن الزعيم مهتمّ بالشأن العام ومتابع لتفاصيله. ومهتمّ بطرح الطرق لمواجهة المشاكل التي تصنعها الحكومة والفصائل المكوّنة لوطننا.
فمشكلة السيّد بطروحاته بأنها لا ترى الحاضر الواقع مع المُستجدّات كافّة. ويمكن لأي ناقد سياسي يملك لغة سليمة غير كيدية، أن يقول بعد سماعه للخطاب وفهمه للواقع اللبناني بكل تناقضات مكوّناته، ان الخطاب فارغ الجدوى، بعيد عن الواقع السياسي اللبناني، لا بل بعيد عن السياسة وقريب من السياسة اللبنانية. فالسياسة في لبنان ملتصقة وبحسب التجربة بمفردات يستخدمها الشعب فورًا عند سماع سياسة: محتال، كذّاب، لعّيب كشاتبين، بلبّس طرابيش..
كُلّنا يعلم بأن مصطلح “زعيم” هو المُفردة التي اخترعها الشعب واستبدلوها بمصطلح “القائد”، وأنا لا أؤمن بالقيادة الفردية التي تعتمد مبدأ الإنغلاق لتصل بشعبها للإنزلاق. فالتبعيّة العمياء أو المحاكاة العمياء لنماذج عالمية عبر التاريخ، أستنسخت زعماء بنسخ تكرّرت بسبب غياب وعي الشعب، الذي تحوّل إلى “جمهور” يصفّق ويهلّل في حال سجّل فريقنا هدف. دون علم هذا الشعب بأن الهدف المُميت يسجّله الزعماء السياسيين، والطبقة الفاسدة التي تحترف تربية الخراف، مع رتبة مزارع.
وأخيرًا، كثيرًا ما يزعجني أن الجانب الذي آمن به الناس عن فكرة “زعيم”، هو جانب سلبي جدًّا، فيعبّر الإنسان الذي يعتبر نفسه مُختلف عن الآخرين، حين يرى سلوكًا لا مواطنيًا: شعب بدّو حرق.. بدّو هتلر يحرقهم كلّن. ولا يعلم المتكلّم بأن الشعب الألماني سلك مسار التطوّر حين نبذ “هتلر” وزعامته المُدمّرة. والشعار كلّن يعني كلّن، بالتأكيد ينطبق على الطبقة السياسية الفاسدة، ومن حذا حذوها.



