خمسون عاماً على الغياب.. “الجزء 3/3”.

“المدارنت”..
فرص استئناف مشروع جمال عبد الناصر
منذ رحيل جمال عبد الناصر قبل خمسين عاما، وفي كل عام يمضي ، وتمر فيها ذكرى الثورة أو ذكرى الرحيل، يُكتب الكثير عن ضرورة استئناف هذه المسيرة، وعن أنه لا غنى للأمة عنها، وأن إنجاز الأهداف التي وضعتها الثورة هو ما يفتح الفرصة لتجاوزها، أي أن التجاوز الإيجابي للثورة كامن في إنجاز مهامها والانتقال إلى مهام جديدة.
وفي خضم هذه الكتابات يتم التعرض إلى نقد جوانب من تجربة الثورة، أو التجربة الناصرية،
وليس في النقد ضرر للتجربة حتى لو جاء مجانبا للحقيقة، وليس منه ضرر على الأمة التي نتوخى كشف سبل التقدم أمامها.
لكن مهم أن نعي ونحن نكتب ونعالج ونسلط الضوء أن هذه التجربة، تجربة الثورة التي هزت الوطن العربي بعنف، وهزت معه الكثير من أقطار العالم، وشكلت وساهمت في بناء قيم ومؤسسات عالمية جديدة، كانت قد انطلقت من واقع وطني وقومي مؤهل لمثل هذه الثورة، في مصر، وفي الوطن العربي كله، بل وفي العالم.
إن قيم الثورة واستهدافاتها على المستويات كلها كانت شيئا يموج به ضمير الأمة، في كل أقطارها، وتتطلع إليها كثير من شعوب الأرض، لم تكن اختراعا من جمال عبد الناصر، ولم تكن اختراعا من ثورته، ولأنها كانت تختمر فيها حياتنا فقد لقيت هذه الاستهدافات تجاوبا مباشرا، وتفجرت الأرض على نحو غير مسبوق، واستطاع رجالاتها أن يجسدوا نماذج جاذبة ويقدموا صورة لقيادة نابعة من عمق الناس، من عمق تفكيرهم وتطلعاتهم وأخلاقهم وسلوكهم واهتماماتهم، وتدينهم ، وفنهم، وأدبهم، وحتى مأكلهم ومشربهم.
حينما نسمع جيفارا وكاستروا في كوبا يقولان إن نصر السويس قدم لهم أملا في انتصار ثورتهم، ونموذجا على قدرة الثوار على هزيمة قوى العدوان. وحينما نسمع جي موليه ” رئيس وزراء فرنسا” يقول إنه يريد أن يهزم ثورة الجزائر من على ضفاف النيل، وحينما تتجه سوريا بكل مكوناتها إلى مصر تطلب الوحدة وتضغط وترفض أي تأجيل لها او برمجة زمنية لتحقيقها حتى تدرأ عن نفسها مخاطر الأحلاف والتهديد الأطلسي، وحينما ينطلق أول بيان للثورة الجزائرية من “إذاعة صوت العرب” التي أنشئت لهذا الغرض، وحين نرى ضباط الجيش المصري قبل الثورة يمتد دورهم ألى مناطق عدة في الأقاليم العربية ، وإلى جماعات المقاومة الفلسطينية في لبنان وسوريا، ويدربون هذه المقاومة في فلسطين.
حين نسمع ونعي هذا كله ندرك أن البيئة التي ولدت فيها هذه الثورة، والجيل الذي ظهرت على يديه هذه الثورة ونظيراتها، كانت بيئة تحمل طينة الثورة ذاتها، ولعلنا إذا تابعنا مع تقدم الزمن هذا المشهد الخاص بالبيئة الحاضنة لوجدناه في تصاعد مثير على مدى ثمانية عشر عاما، لم تغيره نكسة خطيرة أولى مثلتها جريمة الانفصال عام 1961، ولا حتى النتائج الخطيرة التي مثلتها نكسة الخامس من حزيران 1967، وظهر دائما أن بيئة هذه الأمة هي بيئة ثورة يوليو، وبيئة المسيرة الثرة لحركة النهوض العربية، وبيئة التجسيد الحقيقي لترابط جماهير الأمة مع حركة الثورة وأهدافها.
الآن حين نقول أن علينا استئناف مسيرة ثورة يوليو، فهل يتوفر لهذا القول أساسه الموضوعي؟!. هل تتوفر هذه البيئة الحاضنة؟!.
الأمر لا يحتاج إلى بحث عن إجابة، فهو شديد الوضوح، قاطع الدلالة، نحن في وضع نقيض عن كل ما كان متوفرا قبل ثورة 23 يوليو، وعلى مدى عقدين من الزمن بعدها، لقد تم تفكيك تلك البيئة التي التحمت مع الثورة، وحمتها.
من أجل ذلك فإن القول باسئناف حركة النهوض العربي من نقطة توقفها يفتقد إلى الموضوعية، إذ لا بد قبل ذلك أن نواجه ما أفرزته هذه المرحلة من مفاهيم وقيم، وما أحدثته من جروح وشروخ ، وما أوقعته من تفتيت وتفكيك في جسم الأمة وفي وطن الأمة وفي ثقافة الأمة، ولا بد أن نجعل هذه المواجهة هي المهمة اليومية لنا حتى يكون لتطلعنا باتجاه تلك الثورة، وذلك المشروع تطلع يستند إلى أساس، لا بد من برنامج عمل يمكننا من “إزالة آثار هذا العدوان على الأمة”، برنامج يمكننا بالعمل الجاد والصبور والمتبصر نمهد به الطريق لاستئناف تلك المسيرة، وفي هذا البرنامج تبرز عناوين رئيسية نحن في أمس الحاجة إلى إعادة البناء عليها وفيها :
1 ـ الوحدة الوطنية: نحن بحاجة إلى إعادة صوغ الوحدة الوطنية في كل بلد عربي، في كل إقليم عربي، لقد تم تخريب هذه الوحدة الوطنية، وجرت دماء كثيرة لتحقيق هذا الهدف، وهناك محاولات مستميتة لتمويه هذه الحقيقية بشعارات لا يمكن لها أن تعيش أو أن تعبر عن بنية اجتماعية حقيقية، إذ حينما يتم الحديث عن الوحدة الوطنية على قاعدة تجاهل الانتماء القومي العربي وفي نفس الوقت يصار إلى تصنيع أنتماءات عرقية عنصرية، فإن هذا زيف يراد منه إضاعة فرصة البناء الحقيقي للوحدة الوطنية، لا بد أن يكون للوحدة الوطنية هوية، وهوية كل وحدة وطنية في وطننا العربي هي “الهوية العربية الإسلامية”، بها قاومنا الغزو الغربي، وبها واجهنا المشاريع الاستيطانية على مدى تاريخنا وصولا إلى الغزوة الصهيونية الراهنة، وهي التي جمعت دوما كل العرب من كل الأديان، وكل المسلمين من كل الطوائف والمذاهب، هذه الوحدة هي التي واجه بها “عبد الحميد بن باديس” مشاريع الاستعمار الفرنسي لتمزيق المجتمع الجزائري عنصريا، وهي التي واجه بها “محمد عبد الكريم الخطابي” قوات الغزو الغربية لبلاد المغرب، وهي التي اعتمدها سياسة وثقافة وخططا “محمد كرد علي”، في الشام، ومثل هذه الوحدة الوطنية التي ندعو إليها ونعمل على تعزيزها لا تقوم إلا على مبدأ المواطنة حيث الجميع سواسية أمام القانون، وحيث الدستور يحمي هذه الوحدة وينمي عناصرها المتمايزة بما يجعلها أكثر غنى وفاعلية، وأجدر على أن تفتح مجالات الابداع والتميز لأبنائها.
2ـ الحفاظ على وحدة كل قطر أو اقليم عربي، هذا هدف يجب أن نضعه نصب أعيننا، فبدونه لا يمكن الحديث أو التطلع لوحدة هذه الأمة، لا يمكن الحديث عن اي هدف آخر، لأن ما يهدد هذه الوحدة الجغرافية الآن، أن الخطر على هذه الوحدة ليس خارجيا، وإنما هو داخلي، يريدون تقسيم هذه الأقاليم بتقسيم شعوبها، وبدعاوى الطائفية والعرقية والجهوية المناطقية، وبكل دعوة يرون أن من شأنها أن تحقق هدف التقسيم،ولو أمعنا النظر فيمن يقف وراء هذه الدعوات لوجدنا الأمر شديد الوضوح، إذ تظهر على الفور أيدي الصهيونية العالمية، وأيدي الدول الغربية وتياراتها العنصرية، لكن ليس هؤلاء فقط، وإنما هؤلاء مستفيدين ومستغلين أنظمة القهر والفساد والطائفية في وطننا وما خلفته في مجتمعاتنا، مما عجز المستعمر حين كان يبسط سيطرته على هذه الأقاليم أن يحققه.
لقد أمكن لقوى عديدة أن تمزق السودان وما تزال تعمل على تمزيقه أكثر، ويد ” اسرائيل” ليست مخفيه هناك، وهذه اليد موجودة بوضوح ومدعومة بالولايات المتحدة في سوريا إلى جانب الحركة الانفصالية الكردية، وأنبتت فرنسا بذور الحركة البربرية وغذتها وما تزال ترعاها، أما في ليبيا فإن التقسيم الواقعي محمي الآن من الدول الاطلسية التي دمرت هذا البلد، كما دمرت الولايات المتحدة وتحالفها الدولي العراق.
من المهم أن نلاحظ ونحن ندقق في هذه الحركات العاملة على تقسيم هذه الأقطار أنها كلها بدون استثناء تعتمد في نجاح ما تقوم به على اعتبار “الإسلام عدوا يجب الوقوف في وجهه”، لأنهم يدركون إدراكا صحيحا وعميقا، إدراكا غذته مراكز الاستشراق والفكر الغربي، بأن هذا هذا الاسلام ثقافة وحضارة وقيما لا تقبل الانفصال عن العروبة، وعن اللغة العربية ، وبالتالي لا تسمح بنمو مثل هذه الحركات. ولقوة هذا الارتباط فإن رعاة هذه الحركات راحوا يخلقون لغة لكل واحدة منها، لتستقل فيها عن اللغة العربية، وتصبح ندا مناهضا لها، وبالتالي تحقق فصم الرحم الذي يصل الأمة بعضها ببعض.
ـ نحن بأمس الحاجة لصوغ مفهوم للعدالة وتثبيته وجعله جزءا من حياتنا ومادة في دساتيرنا، وهدفا في نضالنا، وأن يكون مبتدأ هذه العدالة “حرمة الدم الوطني”، وأن تستعيد أجهزة الدولة كلها، ومسؤولوا الدولة جميعهم حقيقة أن مشروعية الجميع متأتية من كونهم وجدوا بقرار من المواطنين، وأن وظيفتهم ودورهم تأمين مصالح المواطنين، وأن حسابهم يكون على قدر المسؤولية التي أنيطت بهم، الجميع تحت الحساب، والقضاء الحر المستقل هو المتكفل بالتحقق من كل ذلك، وأن الجميع يقف على قدم المساواة إزاء الثروة الوطنية: الجميع، جميع المواطنين، وجميع مناطق الوطن، جميع مؤسسات ومكونات الوطن.
لقد تغولت أجهزة الدولة على الوطن والمواطن، متسلحة بقوة الأجهزة الأمنية التي تسيرها، وايضا بالسياسات الطائفية والاستئثارية التي انشأت جزرا داخل مجتمعاتنا لا تنتمي انتماء حقيقيا لهذه المجتمعات، وظيفتها فقط أن تستغل الثروات، وأن توفر قوة الدعم اللازمة للنظام الحاكم، ولهذا الغرض أعادت استنبات الطائفية والروح القبلية والعشائرية المتخلفة، وحولت التنوع العرقي والمذهبي والديني في بلداننا ـ وهو تنوع كان دائما مظهر غنى لهذه الأمة ـ إلى مصدر صراع وتناحر وتفتيت. وساعدت على توليد منظمات وجماعات ترفع شعار الإسلام، وهو أعظم مكون من مكونات ثقافة الأمة وحضارتها، وتعمل على تخريب البنية الاجتماعية والوحدة الوطنية من خلال مفاهيم التكفير والجاهلية واستباحة الدم الوطني، وإعمال ذلك كله في جسد الأمة ، وفيما بين أبنائها.
حرمة الدم الوطني فريضة نحن بأمس الحاجة إلى الالتزام بها، وإعلائها وجعلها معيارا نقيس عليه أفعال القوى والتنظيمات والسلطات، لا يجوز تحت أي مسمى أن يبرر استباحة هذا الدم، تحت دعاوى الدفاع عن النظام .أي نظام مهما كان إيماننا أو ايمان بعضنا فيه، وحمايته، والذود عنه، لا يمكن ولا يجوز أن يكون مبررا لاستباحة دم المواطن.
دعاوى الدفاع عن فلسطين والمقاومة الفلسطينية ومقدساتنا، والتصدي للقوى الخارجية، لا يجوز ولا يقبل أن يكون مدخلها استباحة الدم الوطني، لأن هذا الدم هو المدافع الحقيقي عن كل مقدساتنا، وحين نرى مثل هذه الدعاوى يجب أن نكون على يقين بأنها دعاوى كاذبة خادعة تستهدف فيما ترفع وتنادي أهدافا أخرى لا علاقة لها بالمقدسات، ولا علاقة لها بفلسطين، إن الدم المقدس هو وحده الذي يدافع عن المقدسات، والمواطن الحر هو وحده القادر على استعادة فلسطين وتحقيق تحررها.
4ـ محاربة الفساد : تحديده وتعريته وفضحه وملاحقته، وجعل ذلك مهمة اليوم المستمرة، لكل إنسان يريد أن يساهم في بناء مستقبل أمته، ولكل حركة أو تنظيم يريد فعلا أن يحقق أهدافا وطنية يرفعها.
لأن الفساد الذي بات مستشريا في أقطارنا العربية الممزقة والمأزومة، هو سلاح النظم في بسط سيطرتها على هذه الأقطار، وهو سلاح القوى الخارجية في تدعيم هذه النظم وكذلك هو سلاح الطرفين في إفساد المعارضة الشعبية والسياسية لهذه النظم، وبالتالي في جعل هذه المعارضة صورة أخرى من صور النظام القائم نفسه.
والفساد الذي نتحدث عنه، هو الفساد القائم على اعتبار استباحة الثروة الوطنية لأصحاب السلطان، وليصبح السلطان بهذا الفساد فوق القانون وفوق القضاء وفوق المساءلة، ولا يكون هذا ولا يتحقق إلا حين تكون أجهزة القمع والسيطرة خارجة على القانون وغير خاضعة له.
والفساد الذي نتحدث عنه ليس فسادا في السلطة، أي فسادا متسللا إلى السلطة وبعض أركانها، وإنما الفساد الذي تصنعه السلطة، أي الفساد الذي يعتبر سياسة معتمدة من قبل السلطات القائمة، تعيد من خلاله توزيع ثروة المجتمع، وتوزع من خلاله مراكز القوة والضبط والتحكم، سواء تمثلت هذه المراكز بالأجهزة الأمنية، أو العسكرية، أو بالأجهزة التشريعية والقضائية، أو بالأجهزة الحكومية التنفيذية.
لذلك نحن لا نرى في الدولة الفاسدة، قضاء مستقلا، ولا انتخابات تشريعية حرة، ولا إعلام وصحافة مستقلة، وقادرة على تقدم الحدث والمعلومة الصحيحة، ولا نرى وجودا للأحزاب السياسية الحقيقية ، وبالتأكيد لا نرى اي ملمح من ملامح الديموقراطية.
وجوهر دولة الفساد أنها دولة تفتقر إلى القيم والأخلاق والمعايير الإنسانية، لذلك يكون وجود الدولة الفاسدة أحد المداخل الرئيسية لانتهاكات حقوق الانسان، وللجرائم التي ترتكبها النظم بحق مواطنيها، ولهذه النتيجة فإنه في دولة الفساد تزداد قيمة الفرد كلما ازداد فسادا، فيرتفع في سلم المسؤولية الاجتماعية، ويرقى سلم المسؤوليات الأمنية، وتسلم له مؤسسات الدولة التشريعية والقضائية، وبالتالي يصبح الفساد الضابط الرئيسي للدولة وأركانها، لذلك يظهر أمامنا أن الانفصال عن منظومة الفساد الحاكم للدولة إبان أزماتها لايكون فعالا ولا واسع النطاق، ولا يكون ذو أثر في توجيه وتحديد مسار هذه الأزمات.
5ـ العمل على استعادة مكانة فلسطين في حياتنا، واستعادة مكانتها في مفهوم الأمن القومي العربي، وتسليط الضوء على العدو الصهيوني باعتباره كيانا عنصريا استيطانيا، يمثل في جوهره مشروع اعتداء على الأمة كلها، أوجدته وترعاه القوى الغربية.
يجب أن تكون فلسطين مهمة حاضرة أمامنا جميعا، فبدونها لن يكون لهذه الأمة قضية تجمعها، ليس لأنه ليس لهذه الأمة قضية غيرها، وإنما لأن المدخل لأي قضية قومية أخرى هي فلسطين، فالعدو إنما اراد فلسطين لارتباطها بهذه الحقيقة.
لا يكون العربي عربيا إلا إذا وضع فلسطين في قلبه وعقله في هذا المكان بالتحديد، وبالمقابل وضع الكيان الصهيوني في موضعه الحقيقي.
مقاومة الكيان الصهيوني ليست مهمة الفلسطينيين وحدهم، وإنما مهمة كل عربي، وهي مهمة يومية، لا يجوز أن يشغلنا عنها شاغل، ولا يصح أن تاخذ في اهتمامنا والتزامنا وتطلعنا مكانة أقل من مكانتها الحقيقية، ولا يجوز أن نربط أو نحدد هذه المكانة بمواقف هذا النظام أو ذاك، أو هذا التنظيم أو ذاك، أو بما يقبله هذا الطرف أو ذاك.
كذلك فإن مقاومة الكيان الصهيوني ليست شأنا فلسطينيا وعربيا فحسب، وإنما هي شأن اسلامي، ففي فلسطين أمانة وضعها الله في رقبة كل مسلم لابد أن يعمل على استعادتها، ولا بد أن يحاسب أمام ربه عنها، القدس ، وبيت المقدس، والأرض المقدسة، وفلسطين كلها ارض مقدسة.
وترقى مقاومة الكيان الصهيوني لتكون شأنا انسانيا، لأن هذا الكيان كيان عنصري، لا شبيه له، ولم يبق في العالم نظير له، وسيكون استمرار وجوده مؤشرا على أن الكيانات العنصرية ما زالت موجودة، وهي بطبيعتها داعم ومحرض لكل الحركات العنصرية التي نشهد نموها الكبير الآن في المجتمعات الغربية، وجرائمها ضد الغير وخصوصا ضد المسلمين والعرب.
ليست هذه الدعوة دعوة لحرب أو قتال ـ ولا باس أن تكون كذلك في حينه ـ وإنما هي دعوة للحصانة والوعي، وحفظا للنفس والمستقبل، لنا ولأمتنا وللانسانية كلها.
فلسطين أولا وفلسطين دائما، هذا هو الشعار الذي يجب أن يحكم سياساتنا وعلاقاتنا ومواقفنا.
6ـ إيران : التصدي الاجتماعي والفكري والديني للنظام الطائفي الإيرانية باعتباره يمثل خطرا حاضرا ليس على النظم العربية وإنما على الوحدة الوطنية في كل بلد عربي.
إن ملالي ايران الذين يرفعون راية المذهب الشيعي الاثني عشري بنسخته الفارسية تحت شعار “ولاية الفقيه” يعتقدون أن رسالتهم الإلهية تتطلب منهم إعادة المسلمين من غير الشيعة إلى حظيرة هذا المذهب، ويستترون بهذا الفهم ـ الطارئ على المذهب الشيعي ـ على رسوخ اعتقادهم بضرورة إعادة مجد الإمبراطورية الفارسية، وهو هدف عبرعنه عدد من قادتهم، ولأجل ذلك باتوا يتدخلون في كل بلد عربي مستغلين مختلف أنواع التناقضات بين الشعوب العربية وأنظمة الحكم القائمة لتثبيت قدم لهم فيها.
ومثل هذا الاستهداف الطائفي العنصري يؤدي بشكل مباشر إلى تفكيك البنية الوطنية في كل قطر، وخلق تناقضات داخل كل مجتمع لم يكن لها وجود، وبالتالي إضعاف اي حركة شعبية حقيقية معارضة.
وكما يستغل النظام الإيراني استبداد النظم القائمة في بلداننا، وفسادها، يستغل أيضا مكانة القضية الفلسطينية في الدخول إلى قلب هذه المجتمعات والتأثير فيها، وهو يعلم أن للقضية الفلسطينية في ضمير هذه الأمة مكانة علية، وأن تفريط النظم بهذه القضية بات مكشوفا ومخزيا.
إن دور النظام الايراني في تدمير العراق وتخريبه، وفي بث الطائفية فيه، وإقامة نظامه السياسي على أسس طائفية خالصة، وما فعله ويفعله النظام الإيراني في سوريا، في دعمه لنظام طائفي قاتل، ومساهمته غير المحدودة في إراقة الدم السوري، وما يفعله في اليمن من تغذية مدمرة للطائفية، ومحاولة الاستيلاء على المذهب الزيدي دعما لمشروعه، وما يفعله في غير هذه الدول ، مشهود ويكشف عن مدى خطر هذا النظام.
والشواهد تدل على أن النجاح في مواجهة هذا النظام لن يكون إلا من خلال وعي ومعرفة الجمهور المستهدف لطبيعة هذا النظام، ولا شك أن ما تخلفه ممارساته في مجتمعاتنا يساعد على تنبه الناس ويقظتهم ، لكن هذا يجب أن يصبح مهمة من المهمات التي يجب أن لا تغيب عن حركة وبرامج وخطط كل من يحمل هم هذه الأمة ومستقبلها.
7ـ رغم بؤس ما نحن فيه، فإنه يجب أن يكون لكل منا دور في بناء مجتمع دولي عادل ومستقر، وأن يكون هذا من استهدافاتنا.
لقد ختمت الخمسين عاما على غياب عبد الناصر بهذا الوباء الذي ضرب العالم، وصار القول على كل لسان أن ما بعده لن يكون كما قبله، وأننا سنكون أمام عالم جديد.
لكن قبل هذا الوباء، كانت هناك أوبئة عابرة للحدود والقارات، وكانت هناك ملفات الهجرة غير الشرعية، وملفات التغير المناخي، وملفات التغول في السيطرة على العالم من خلال التقدم العلمي المذهل في اختصار الزمان وتقريب المكان، ورفع حواجز التواصل بين الناس والمجتمعات، والتغول أيضا في محاولات فرض قيم المجتمع الغربي على المجتمعات الأخرى بدعوى العولمة، حتى وصف العالم بأنه قرية صغيرة.
كذلك ختمت هذه السنوات الخمسين بظهور فشل لا يخفى لمحاولة سيطرة دولة واحدة على العالم، وهي هنا الولايات المتحدة، واختراق الفكر العنصري الإدارة الأمريكية ذاتها، وظهور دعوات في عدد من الولايات للانفصال، كما بدأت تظهر بوادر تشكل عالم أقطاب جديد، وأطلت دول بعينها لتنافس على قيادة العالم، وليكون لها موقعا حقيقيا في منصة القيادة العالمية، ولو دققنا النظر في حركة المجتمعات على هذه البسيطة لا كتشفنا الكثير من مظاهر ودلائل التغير.
ونحن إذا أردنا أن يكون لنا مكانة في هذا العالم، فيجب أن تكون لنا رؤية صحيحة له، ودور في صناعته، وفي التأثير في تكوينه الجديد. وفي تشكيل قيمه ومفاهيمه، وكل الدلائل تشير إلى أن هذا ممكن، بل وضروري، وتنتظره وتفتقده الكثير من الشعوب والدول التي عرفتنا في وقت النهضة، وتتطلع إلى دورنا في قابل الأيام.
الخاتمة
إعادة صياغة وبناء الوحدة الوطنية في كل قطر، التمسك بالوحدة الجغرافية والسياسية لهذه الأقطار، صوغ مفهوم شامل وواضح للعدالة بكل أوجهها، محاربة الفساد والنظم الفاسدة، استعادة مكانة فلسطين، التصدي لعدوان النظام الايراني على وحدة المجتمع العربي، وأخيرا فهم المتغيرات الدولية والمساهمة في صوغ النظام الدولي الجديد علاقات وقيما.
هذه هي مهامنا الراهنة، وبهذه المهام نستطيع أن نزيل آثار عدوان خمسين سنة مضت على أمتنا، وأن نستعيد البيئة الشعبية اللازمة للعبور، ونستطيع ان نستعيد على ضوئها القدرة على اسئناف مسيرة جمال عبد الناصر ومشروعه الحضاري.



