مقالات

خيارات أردوغان أحلاها مرّ.. هل يحارب حلفاءه أم يرضخ مرّة ثانية؟!

محمد خليفة/ أوروبا

خاص “المدارنت”..

قال لي معارض سوري بارز، عرفته مدافعا دائما عن سياسة الجانب التركي في سوريا: نحن ننتظر نهاية فبراير الجاري , لنرى هل سيفي الرئيس اردوغان بإنذاره لقوات الأسد بضربها واخراجها بالقوة إذا لم تنسحب من المناطق التي سيطرت عليها في الاسابيع الأخيرة , وأضاف : إذا لم ينفذ تهديده هذه المرة سيكون لنا موقف آخر منه , ومن سياسته تجاه قضايانا . إن نهاية فبراير ليس استحقاقا كبقية الاستحقاقات العديدة , بل هو الامتحانL الأخير لمصداقية أردوغان , والجميع في تركيا وسورية وكل عواصم العالم تتساءل الأن عما سيحصل في الأول من آذار , وهل ستنسحب فلول الاسد العسكرية من مواقعها أم لا ؟ وهل سينفذ اردوغان تهديده ويدخل حربا مع الاسد وروسيا وايران دفاعا عن مصالحه ومكاسبه التي جناها في الاعوام الأخيرة في سوريا..؟
عهود “عرقوب” التركي
بداية لا بد أن نشير الى أن للسوريين تجارب مريرة وحصيلة خائبة مع وعود اردوغان وحكومته بحمايتهم من بطش الأسد التي لم يصدق منها شيء منذ بداية الثورة في عام 2011 وحتى اليوم . في نهاية ذلك العام كان سفاح سوريا قد بدأ حملته العسكرية للقضاء على الحراك الشعبي السلمي , فوجه الرئيس التركي إنذاره الأول: لن نسمح بتكرار مذبحة حماة مرة ثانية , ولكن المذابح تكررت مرات ومرات ولم يفعل اردوغان شيئا . وفي ذروة الحملة العسكرية الروسية على حلب عام 2015 صرح أردوغان : حلب خط أحمر لن نسمح بسقوطها , ولكنه بعد شهور تحول هو شخصيا عرابا في صفقة اسقاطها وتسليمها لبوتين مقابل أن يحصل على جرابلس ! وفي بدء المؤامرة السوتشية على ادلب أواخر عام 2018 صرح قائلا إن أمن ادلب من أمن أنقرا واستانبول . ولكن المأساة تكررت , ففي الفترة منذ نيسان 2019 وحتى ديسمبر بدأت حملة واسعة روسية وايرانية وأسدية على ريف حماة الشمالي وامتدت الى جنوب ادلب , سقطت عشرات القرى والمدن الكبيرة , ولم يفعل التركي الذي تحول بموجب اتفاقات وتفاهمات مسار آستانا وسوتشي ضامنا لمخرجاتها أمام الشعب السوري الذي لا يثق بروسيا وايران , وما كان له أن يسير خطوة واحدة عليه لعلمه أنه مسار لتعطيل مسار جنيف للحل السياسي الاممي.

وعود وعهود أخرى عديدة قدمها اردوغان وطاقمه ثم تراجعوا عنها وخلفت شعور بالخيبة والمرارة . في حزيران 2012 قابلنا وزير الخارجية (السابق) أحمد داوود اوغلو في استانبول مع عدد من المعارضة السياسية , فقال لنا ( إن عدد السوريين في تركيا الآن مائة الف سوري , ونحن نرفض أن نسميهم لاجئين ونازحين , بل نسميهم ضيوفا أعزاء حلوا على أهلهم وأقربائهم ) . وتابع داوود أوغلو ( والله لو جاء الشعب السوري كله الى تركيا سنعامله بنفس الطريقة الاخوية) . ولكن السلطة السياسية التركية غيرت في العام الماضي معاملتها للسوريين رأسا على عقب , ومارست الطرد , والترحيل القسري الى سورية , والتعسف, ومنع المقيمين من التنقل بين الولايات التركية بدون ترخيص مسبق من السلطة. واتضح أن هذه السياسات غير الودية لا يقررها رؤساء البلديات , ولا وزير الداخلية , بل يقررها الرئيس اردوغان شخصيا , لأنها تتعلق بمستقبل حزبه في الانتخابات القادمة.

على أي حال لا بد أن نقول إن القيادة التركية هي من أكره المعارضة السورية السياسية والعسكرية على المشاركة في محادثات آستانا وسوتشي ,وكان الهدف منها أن يسلم الثوار أسلحتهم والانخراط في مسيرة الحل الروسي – الايراني مائة بالمائة , بلا ضمانة له من المجتمع الدولي على الاطلاق . ثم تكرر الأمر مع تنظيم مؤتمر سوتشي في أواخر 2017 للحوار السوري – السوري , والذي لم يتمخض سوى عن لجنة دستورية صغيرة احتاجت عاما كاملا من الاتصالات الشاقة على مستوى الدول ارضاء لخاطر الاسد حتى تمكنت من الاجتماع , ثم مر عام آخر بلا اجتماع نتيجة الخلاف بين الطرفين, بحسب السيناريو النمطي للنظام السوري . والخلاصة أنه بين سوتشي وآستانا تم تجميد محادثات جنيف برعاية الأمم المتحدة . هكذا فقد الشعب السوري مسار الحل الاممي , وفقد سلاحه الذي كان وسيلته الوحيدة للجلوس على مائدة المفاوضات الأممية مقابل نظام الاسد.

النتيجة أن القضية السورية فقدت زخمها , وأصبحت مجرد ورقة في يد الضامن والحليف التركي . وبعبارة أدق في يد الرئيس أردوغان الذي ينفرد برسم السياسة الخارجية كلها لبلاده , وعلى رأسها الملف السوري خصوصا بعد أن أصبح هذا الملف عاملا مؤثرا في الداخل التركي لا في السياسة الخارجية فقط . وبناء عليه فالرئيس أردوغان شخصيا وسياسيا هو المسؤول الأول والأخير عن تقلبات وتحولات السياسة التركية في سورية سلبا وايجابا . ومعروف عنه أنه يمارس الحكم كسلطان مطلق الصلاحيات , ويختزل صلاحيات البرلمان والحكومة في شخصه , بل وحتى حزبه , بدليل انسحاب آلاف الأعضاء منه , واحتجاج بعض اكبر قادته المؤسسين , وتراجع نسبة تأييد الناخبين له.
المصلحة التركية على حساب السوريين
ثمة حقيقة جوهرية تغيب كثيرا عن وعي غالبية السوريين بعد تسع سنوات من الثورة , أو الأزمة السورية , لا بد من إجلائها , وهي أن كل ما حدث يؤكد أن الشاغل والهاجس الأول لصانع القرار التركي هو أمن تركيا القومي , نتيجة التهديد الذي سببه غياب سلطة الدولة السورية على الحدود بين البلدين , مما سمح للكرد باستغلال الفرصة لشن عمليات ضد تركيا عبر الحدود وفي العمق . ويستطيع المحلل المتخصص أن يرى بوضوح شديد هذا الشاغل والهاجس في مقدمة محفزات السياسة التركية , بينما لا يشغل التعاطف مع الشعب السوري في صراعه مع النظام إلا درجة مندنية واقل اهمية . بل يتضح أن صانع القرار التركي استغل الثورة السورية وحاجتها لدعمه , خدمة لهدفه الأول , أي المصالح التركية القومية . فوقف مع المعارضة والثورة وقواها في البداية ليرفع من قيمة أسهمها عندما يأتي وقت الحصاد وقبض الثمن.

وهذا ما حصل بالضبط عندما دخلت روسيا الى سورية 2015 ثم فرض بوتين حظرا حادا على تدخل تركيا فيها , بعد اسقاط الاتراك السوخوي وتوترت العلاقات بينهما . انتظر اردوغان تسعة شهور على أمل عودة المياه الى مجاريها , ولكن بوتين أصر على معاقبته عقابا قاسيا , وأخذ يدعم ويستميل الكرد الى جانبه , رضخ اردوغان وذهب موسكو صاغرا في 10 اغسطس 2016 , ووضع دوره السوري في خدمة الاجندة الروسية مقابل التخلي عن دعم الكرد , ويمنحه دورا وحصة من الكعكة السورية تعزز نفوذها.

بناء على هذا الاتفاق المهم جدا قام اردوغان بانقلاب جذري على خطابه , وعلى سياسته في سورية عمليا, فسلم حلب الى الروس, ثم سلمه الغوطة, ثم بقايا حمص وحماة, واخيرا ادلب . وخلال هذه السنوات الأربع أجبر اردوغان المعارضة العسكرية والسياسية على تسليم اسلحتها , والمشاركة في استراتيجية الحلول الروسية التي لا تختلف عن أجندة الاسد, أي بسط سلطته على كامل اراضي الدولة تصفية المعارضة واخراج تركيا.
وقد أجبر اردوغان المعارضة الموالية له على المشاركة في أستانا ثم سوتشي , وانضم الى المحور الثلاثي مع روسيا وايران ومن خلفهما نظام الاسد , وقام هذا المحور وبفضل الدور التركي بتجريد المعارضة السورية من كل أسلحتها وأوراقها حتى لم يعد لها قيمة أو فعالية في الميدان مقابل السماح لها بأن تتدخل في الشمال لقمع الكرد , واعطائه بعض النفوذ في ادلب وحلب وفق اتفاقات وتفاهمات بقيت سرا بين الدول الاربع.

ورغم تحذيرات دول غربية عديدة لاردوغان من الاعيب بوتين , إلا أنه مضى في علاقته معه حتى اكتشف في الشهور مؤخرا أن بوتين قد خدعه , وبدأ الانقلاب عليه , وتجريده من المكاسب المحدودة التي منحها له في ادلب وحلب , ويريد اخراجه منها , واعادتها للأسد , فغضب اردوغان على الخديعة التي تعرض لها من شركائه الثلاثة , وثار انتصارا لكرامته وكرامة جنوده الذين قتلتهم عصابات الأسد . وتعرض لضغوط قوية من ضباط جيشه للرد على الاهانة فقام بإدخال مئات الآليات العسكرية وهدد بشن عمليات شاملة عل قوات الاسد إن لم تنسحب بنهاية فبراير الجاري.
ماذا بعد نهاية فبراير؟
يتفق المراقبون الآن أن اردوغان في أزمة كبيرة وخطيرة تصل الى درجة الهزيمة المهينة والتي يمكن أن تهدد مستقبله السياسي وتهدد أمن بلاده إذا لم ينفذ تهديده , وأن نتائجها قد تنعكس على الداخل التركي , وتصبح ازمة تركية , لا أزمة في سورية , ولذلك يبحث عن مخرج سياسي لا عسكري يوفر عليه الخيار العسكري , لأن حربه مع قوات الاسد ستفضي الى حرب مع روسيا التي لا تقبل أن تنسحب قوات الاسد من المواقع التي سيطرت عليها . بل سيطلب فتح الطريق أمامها حتى تصل الى الحدود الدولية مع تركيا ولو تدريجيا , ما يعني خسارة تركيا لكل ما حققته في سورية خلال الاعوام السابقة , وتخرج خاسرة من مغامراتها وتحالفاتها المتقلبة , وستكون علاقته مع المعارضة السورية إحدى أهم هذه الخسائر.

يتفق المراقبون أيضا على أن تقلبات اردوغان بين روسيا واميركا بدأت ترتد عليه سلبا بخسائر استراتيجية , لأنه مضطر الان للعودة الى حضن اميركا وحلفائه في الناتو ليحموه , من الروس , بعد أن راهن على حلف طويل المدى مع هؤلاء بدلا من اميركا , لأنها تدعم الكرد.

الأهم من هذا وذاك أن المراقبين يجمعون أن أكبر خسائر اردوغان ستكون في الداخل , إذ سينقلب الشارع عليه ويتغير تقييمه له كزعيم قوي يمكنهم الاعتماد عليه في قيادة تركيا وحماية أمنهم وأمنها . ويشير هؤلاء الى ارتفاع حدة الاستياء والسخط عليه منذ الآن في اوساط الرأي العام والطبقات المتوسطة والفقيرة , وكذلك في المؤسسة العسكرية التي تشعر بالاهانة والهزيمة في سورية , فضلا عن المعارضة السياسية التي أصبحت تعد العدة لإلحاق الهزيمة به في الانتخابات القادمة البرلمانية والرئاسية . ويتحدث كثيرون منذ الآن على أفول نجومية اردوغان قبل أن يحتفل بذكرى مرور قرن كامل على قيام الجمهورية التركية بقيادة مصطفى كمال , وتدشينه الجمهورية الثانية لمائة عام جديدة!

———————————————

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى