مقالات

خير من ألف شهر

وليد حسين الخطيب/ لبنان

خاص “المدارنت”..
ليلة القدر، هي ليلة الشرف والمقام الرفيع، فهي ليلة فاقت في عظيم مكانتها كل الليالي، حيث قال الله تعالى عنها: ﴿ليلة القدر خيرٌ من ألف شهر﴾. إنها ليلة عظيمة، يُقدّر فيها كل أمر من أوامر الله سبحانه وتعالى، حيث تُحَدَّد مصائر الناس وأحداث العام بأكمله.
كلمة “القدر” في هذا السياق تحمل معنيَين عميقين؛ الأول: هو الشرف والمقام الرفيع؛ والثاني: هو تقدير الأمور. من هنا، يمكن فهم أن الله، اختار هذه الليلة ليتقدّر فيها كل أمر حكيم، وكل ما يدبّره الله في هذا الكون هو ذو حكمة بالغة.
أمّا من ناحية ترتيب السور في القرآن الكريم، فيبرز التناسق الواضح في موقع سورة القدر، حيث إنها تأتي مباشرة بعد سورة العلق، التي تبدأ بالآية: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وتنتهي بالآية: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾. وكأنّ هذا يعني أن ليلة القدر هي ليلة قراءة ما أُنزِلَ فيها ومن ثَمَّ السجود والتقرّب لله سبحانه وتعالى، الأمر الذي يجعل السورة السابقة تمهيدًا أو توطئة لهذه الليلة العظيمة.
تبدأ سورة القدر بالآية: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، وفي هذه الآية، لم يُذكر “المنزَل” تحديدًا ولم يُصَرّح به بل أُشير إليه بضمير الغائب – لأنّه ببساطة متناهية عند التحدّث على أمر ما من دون ذكره، وهو معلوم لدى المُخاطَب، معناه أنّه من الوضوح بمكان أنّه لا يحتاج إلى السؤال عنه، وقد دأب القرآن الكريم على أنّه إذا ذكر ضمير التعظيم، لا بدّ أن يسبقه أو يأتي بعده ما يدلّ عليه – لتأتي بعدها سورة البينة، وتحدّد في الآية الثانية منها هذا المنزَل على لسان الرسول، وهو الصحف في قوله تعالى: ﴿رسول من الله يتلو صحفًا مطهّرة﴾.
ما ذكرته سابقًا ليس مجرد تأمّلات عابرة، بل هو دعوة للتفكير والتدبر في القرآن الكريم. في هذا السياق، من المفيد أن نتوقف ونعمل عقولنا في ما نقرأ، وأن نربط بين الأفكار القرآنية والمعطيات المختلفة التي قد تسهم في تشكيل فهم أعمق للحقائق. وعند هذه النقطة، يجدر بالقراء أن يتفكّروا طويلًا قبل إصدار أي حكم على أي أمرٍ – أيًّا كان – ليكون لهم شرف التفكير الصحيح وإن أخطأوا.
أمّا في ما يتعلق بالأرقام في سورة القدر، فإنّنا نجد تطابقًا مثيرًا للاهتمام. وقد ورد في الأثر الإسلامي، أن عدد كلمات السورة ثلاثون كلمة، وهو العدد نفسه لأيام شهر رمضان – في الأغلب طبعًا – ولعدد أجزاء القرآن الكريم. أما عدد أحرف السورة فيبلغ 114 حرفًا، وهو عدد سور القرآن الكريم. وعدد أحرف عبارة «ليلة القدر» تسعة أحرف، وقد تكرّرت ثلاث مرّات في هذه السورة، أي ما مجموعه سبعة وعشرون منطوقًا.
أمّا كلمة «القدر» منفردة، فقد وردت على التوالي في الشكل الآتي: الكلمة الخامسة ثمّ العاشرة ثمّ الثانية عشرة؛ فإذا جمعنا 5 + 10 + 12 كان المجموع 27. إضافة إلى ذلك، نجد أن ترتيب الضمير “هي” في الآية: ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾ هو السابع والعشرون، الأمر الذي يعزز الفكرة الشائعة أن ليلة القدر قد تكون في السابع والعشرين من رمضان.
إن هذه الأرقام، وهذا التكرار في ترتيب الكلمات والآيات يدعوان إلى التأمل والتفكر، لكنهما ليسا بالضرورة دليلًا قاطعًا على فتوى يُعتَدُّ بها أو حجّةً تُقام علينا. فالأمر لا يتعدّى كونه دعوة للتفكير والتدبر، خصوصًا أنّنا نجد أرقامًا وترتيبًا كهذين وردا في غير موضع في القرآن الكريم، كسورة الكهف، على سبيل المثل، لا الحصر، وسورة الكوثر، وهذا ما يثير التساؤلات حول وجود علاقة دقيقة بين هذه الأرقام والأحداث والعبادات في الدين الإسلامي.
فهل هذه التكرارات والتناسقات تستحق التأمل؟ وهل يمكن اعتبارها محض مصادفات كما يدّعي بعض المثقّفين التنويريين، أم إنّ ثمّة رسالة عميقة يجب أن نتوقّف عندها؟

المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى