سعد الحريري.. غياب قسري وعودة مشروطة*

خاص “المدارنت”..
قد يكون من المبكر الحديث عن عودة الرئيس (زعيم تيار المستقبل) سعد (الدين) الحريري، إلى ممارسة العمل السياسي في لبنان، استنادا إلى الظروف المحيطة به، بعد ابتعاده الطوعي أو الاجباري – كما يقول البعض- ومدى استيعاب المملكة العربية السعودية للأمثولة التي نتجت عن الانتخابات النيابية اللبنانية، وأبرز عناصرها:
الفشل الذريع للبديل السنّي الذي اعتمده سفيرها في لبنان، وانكشاف المبالغة في تقدير نتائج حلفائها المسيحيين من قوات لبنانية، وغيرها، ناهيك عن احتمالية تبديل سياستها في لبنان، لجهة تليين المواقف تجاه حزب الله، بعد نجاحات متوقعة للحوار السعودي/ الإيراني، الجاري على أرض العراق، وبعد إشارات إيجابية لحلول سلمية للصراع العسكري الدائر في اليمن، ثم عودة الحرارة إلى العلاقات السورية/ السعودية.
ولا يجادلنّ أي إنسان عاقل في مواقف وسياسات شارك فيها سعد الحريري، أنها كانت من تلقاء نفسه، أو وفقا لمصالحه فقط، وإنما كانت بتوجيه من الراعي السعودي، في عناوينها وفي تفاصيلها، ولعل أهم تلك المواقف، كانت زيارة سوريا بصفته رئيس وزراء لبنان، ولقاء الرئيس بشار الأسد بتاريخ 19 كانون الأول 2009، ولعلّ التسوية الرئاسية مع “التيار الوطني الحر” والجنرال (ميشال) عون، هي الوحيدة التي اعتبرتها السعودية، خيانة عظمى من الحريري، علماً أن تلك التسوية المشؤومة، جرت بعد إبرام (إتفاق معراب)، بين “التيار الوطني الحر” (التيار العوني) وحزب “القوات اللبنانية”، الحليف الأول للسعودية في لبنان.
لا عودة إلاّ ضمن توجيهات جديدة وسياسات مخالفة لما سبق، فالانسحاب المؤقت من الحياة السياسية اللبنانية، كشف عورات النظام ومنظومته الفاسدة، وأزال عنها الغطاء السنّي، ما أنتج بعد ذلك تعزيز مواقف القوى التغييرية، وتهشيم الصورة النمطية للمنظومة التي تمثل في سقوط كثير من رموزها التاريخيين، وذلك يعتبر تمهيدًا لسقوط الباقين في استحقاقات انتخابية مماثلة.
كذلك ظهرت للعلن زمرة الذين باركوا سرّاً وعلناً، اعتقال الحريري، وإجباره على تقديم استقالته من السعودية، بعد محاولتهم وراثة تياره في الانتخابات النيابية، عبر حركة قادها الرئيس (السيد فؤاد) السنيورة، وكان من أركانها البارزين: السادة الجراح/ مصطفى علوش/ سامي فتفت، والخارجين عن قرار المقاطعة وحلف ما يسمى (سمير) جعجع/ السنيورة، برعاية مفتي الجمهورية اللبنانية (الشيخ عبد اللطيف دريان)، الذي انضم إلى لائحة المتمردين المدعومين من السفارة السعودية؛ وكانت الصدمة الكبيرة بخسارتهم المدوية على الصعد كافة، وظهورهم كمجموعة انتهازيين ولصوص يتاجرون بالطائفة في أصعب محناتها.
في حين، اختارت مجموعة من العقلاء مقاطعة الانتخابات، متجنبة الصدام مع الرئيس الحريري، او طرح نفسها كبديل سنّي عنه، وعلى رأسهم (السيد) نهاد المشنوق و(السيد تمام سلام والرئيس (نجيب) ميقاتي و(السيد) عاصم عراجي وغيرهم.
هنا، انتهت ظاهرة ما يُسمّى بالصقور في تيار “المستقبل”، سياسيًا، وفكريًا، وسقطت شعاراتها الكاذبة، حول التمدد الفارسي، وفساد العونيّين وما شاكل.
وفي هذا السياق، يرى بعض المتابعين، ان تيار “المستقبل”، انقسم إلى ثلاث فئات رئيسية هي:
1 – “السنيوريّون”: ويقال عنهم النفعيّون التجار، وصيّادو الفرص، وأثرياء السياسة، وتجار الدم السنّي.
2 – “الحريريّون”: وهم الجمهور السنّي الذي تعاطف مع الرئيس سعد الحريري، بعد استشهاد والده، ورأى فيه استمراراً للمشروع.
3 – “المستقبليّون”: وهم تيار “المستقبل” الذي التزم بقرارات وتوجهات سعد الحريري، بالإنكفاء والمقاطعة، واستمر على تواصل مع قياداته بالحدود الدنيا؛ وهؤلاء ثلاثة أقسام:
الأول: باع واشترى فوق وتحت الطاولة، ودخل مساومات وتسويات مشبوهة، وتاجر بجزء من التيار الأزرق.
والثاني: التزم قرار المقاطعة والإنكفاء، في ردة فعل لم ترَ أملًا في أي تغيير قد يطرأ على تشكيلة المنظومة الفاسدة.
والثالث: شارك في عملية الاقتراع، دعمًا لخصوم المتمرّدين على قرار مقاطعة الانتخابات، وذلك أدى إلى فوز مرشحين من المجتمع المدني، وقوى التغيير من ثورة 17 تشرين.
أمام هذا الواقع، لا يزال الرئيس سعد الحريري، هو الأقوى على الساحة السنية، وذلك ما يجب أن تدركه دول المحيط العربي، وعلى رأسها السعودية والإمارات العربية المتحدة، قبل فوات الأوان، وأن البدائل لم تكن ناجحة (في سوريا والعراق واليمن ولبنان)، بل كانت كارثية، باعتماد الدول العربية على بدائل مصطنعة ورهانات لا طائل تحتها، ولن تكون، لأن الطائفة تأبى التشرذم من جهة، أو أن يكون نوابها ملحقين بكتل ومجموعات، تنتمي إلى طوائف أخرى؛ إضافة إلى أن الطوائف الأخرى، حافظت على زعاماتها التقليدية وأحزابها الطائفية المتعددة؛ وأنه لا سبيل للتوازن إلا بوجود قيادة سنية وازنة كالرئيس الحريري، ولكن بمفاهيم ورؤى جديدة، وبأساليب مخالفة للتقليد السابق وأبرز نقاطها:
أولًا: عودة الدول العربية، المعنية بالوضع اللبناني تاريخياً وجغرافياً إلى احتضان ودعم الطائفة السنية، كركيزة وطنية لا غنى عنها في استعادة دور الدولة الوطنية الحضارية.
ثانيا: ضرورة مراجعة رئيس الحريري، لطبيعة الدور السنّي، واختيار الأدوات الصحيحة لذلك، بما في ذلك إعادة النظر في تيار “المستقبل”، لناحيتيّ الشكل والمضمون، وإجراء عملية تغيير حقيقية، تتناول الجانبين الفكري والتنظيمي، واختيار الخط السياسي الذي يناسب نتائج وخلاصات الإنكفاء المؤقت، وما تبعه – بالضرورة – من دراسات وتحليلات ومواقف.
ثالثا: اختيار العناصر المؤهلة للقيام بعملية المراجعة، ودراسة كيفية التطوير ووضع خطة نهوض سنية وطنية شاملة.
* نُشر بالتعاون مع “موقع الشراع”



