سوريا والمغرب.. من فزّاعة التقسيم إلى حتمية الثورة

خاص “المدارنت”
عندما خرج السوريون يهتفون للحرية عام 2011، ارتفعت أصوات النخب المأزومة لتحذّر من أنّ سقوط نظام الأسد، سيقود إلى الفوضى والتقسيم، وكأنّ الشعب السوري كان مخيَّراً بين عبودية الأسد أو جحيم التشرذم.
واليوم نسمع النغمة نفسها تتكرر بشأن المغرب، حيث يهوّل البعض من أن أي حراك شعبي سيفتح أبواب الخراب، متجاهلين أنّ الشعوب لا تطلب سوى حقها الطبيعي في الكرامة والحرية. والحقيقة أنّ التاريخ علّمنا أنّ الثورة، مهما كان ثمنها، تفتح الأفق للشعوب، كما فعل السوريون الذين كسروا وهم حكم “إلى الأبد”، وكما فعل الليبيون حين أسقطوا نظام القذافي الذي ظنّ نفسه خالداً.
لكن إذا أردنا أن نفهم حاضر المغرب، اليوم، فلا بد أن نعود إلى ستينيات القرن الماضي، إلى اللحظة التي انكشف فيها الوجه الحقيقي لنظام الملك الحسن الثاني، والد ملك اليوم محمد السادس، حيث امتزجت المؤامرة الداخلية بالقومية، والتواطؤ الأمني بالخيانات العلنية.
في سبتمبر/أيلول 1965، التأم القادة العرب في قمة الدار البيضاء. كانت القمة، على الورق، ساحة لتوحيد الصف في مواجهة إسرائيل بعد تصاعد التوترات، لكن خلف الجدران كان شيء آخر يُطبخ. فقد نصبت أجهزة المخابرات المغربية “ميكروفونات” خفية داخل قاعات الاجتماعات، بأوامر مباشرة من الملك الحسن، وسجّلت مناقشات الزعماء العرب، بما فيهم جمال عبد الناصر.
تلك التسجيلات وجدت طريقها لاحقاً إلى جهاز الموساد الإسرائيلي، الذي استغلها ليقف على حقيقة الانقسامات والخلافات، ويستخلص الدروس التي ساعدته في التحضير لعدوان حزيران 1967. هذه ليست شائعة، بل حقيقة أكدها لاحقاً ضباط إسرائيليون مثل شلومو غازيت، ورويت بالتفصيل في كتاب الصحفي الإسرائيلي رونين برغمان عن تاريخ الاغتيالات.
لكن دور الحسن الثاني، لم تتوقف عند هذا الحد. فبعد أسابيع فقط من القمة، وقعت واحدة من أبشع الجرائم السياسية في التاريخ العربي الحديث: اغتيال المعارض المهدي بن بركة. في 29 أكتوبر 1965، اختُطف بن بركة من قلب باريس، أمام مقهى “ليب”، من قِبل عناصر من الشرطة الفرنسية بتنسيق مع جهاز الأمن المغربي بقيادة الجنرال محمد أوفقير (الذي أُعدم لاحقاً). نُقل إلى فيلا في ضاحية فونتاني لو-فيكونت، وهناك تعرّض للتعذيب حتى الموت، ثم اختفت جثته تماماً. بعض الشهادات تحدثت عن إذابتها بالأسيد، وأخرى عن دفنها في إحدى الحدائق. ما هو ثابت أنّ العملية لم تكن ممكنة لولا تواطؤ أجهزة الدولة الفرنسية التي سهّلت الاختطاف وتستّرت على الجريمة.
لقد كان بن بركة رمزاً عالمياً، رئيس لجنة التحضير لمؤتمر القارات الثلاث، وصوتاً تقدمياً حرّاً يتجاوز حدود المغرب. اغتياله كشف أن الحسن الثاني لم يكن يخون فقط القضايا العربية عبر التجسس على القمم، بل كان يغتال أيضاً أبناء شعبه بأدوات استعمارية غربية، ليؤكد أن ملكيته لم تكن سوى امتداد للنفوذ الفرنسي/ الأميركي في المنطقة.
وفي ظل هذا المناخ الموبوء بالمؤامرات، عاش جمال عبد الناصر، سنواته محاطاً بالتهديدات. محمد حسنين هيكل، كتب أنّ عبد الناصر تلقى معلومات عن خطة لاغتياله بالسم، جرى تداولها في محيط السفارة الأميركية قبل التنفيذ بعشرة أشهر. لم يربط هيكل هذه الخطة مباشرة بالدار البيضاء أو بالرباط، لكنه أشار إلى أنّ عبد الناصر كان مستهدفاً من أكثر من جهة، وأنّ حياته كانت مهددة على الدوام، لا سيما من عواصم عربية انزلقت إلى أحضان الغرب.
ثم جاءت هزيمة حزيران 1967 لتفجر الصدمة. انكشفت هشاشة الأنظمة العربية، وظهرت آثار الانقسامات التي غذّاها تواطؤ مثل ذلك الذي حدث في المغرب. ومع ذلك، وبدلاً من أن يلتقط العرب اللحظة لتوحيد الصف، حملت السنوات اللاحقة مزيدًا من التشرذم.
في ديسمبر 1969، عُقدت قمة الرباط عقب إحراق المسجد الأقصى في 21 أغسطس من العام نفسه. كان يُفترض أن تكون هذه القمة فرصة لترميم الصف العربي وتوحيد الكلمة في قضية القدس، لكنها تحولت إلى مسرح لخلافات حادة بين القادة. انقسموا حول الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وحول قيادة الكفاح المسلح، وانعكس ذلك في أجواء مشحونة.
يروي هيكل أنّ عبد الناصر انسحب غاضباً من إحدى الجلسات بعد تقرير قدمه ياسر عرفات، معتبراً أنّ الانقسام بلغ حداً يهدد أي إمكانية لقرار عربي موحّد. صحيح أنّ القمة أقرّت إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي، لكن نتائجها السياسية بقيت محدودة، وظل الانقسام سيد الموقف.
وهكذا، بين سبتمبر 1965 وديسمبر 1969، قدّم المغرب الرسمي صورتين متكاملتين: الأولى في الدار البيضاء حيث خان القادة العرب وسرّب أسرارهم إلى عدوهم، والثانية في باريس حيث تواطأ مع فرنسا لاغتيال أبرز معارضيه، والثالثة في الرباط حيث فشل في إدارة لحظة وحدة تاريخية بعد حريق الأقصى. كلها حلقات في سلسلة واحدة، عنوانها أنّ الحسن الثاني جعل أمن عرشه فوق قضايا الأمة، ووضع جهاز مخابراته في خدمة الأجندات الاستعمارية.
أما عبد الناصر، فقد خرج من تلك السنوات مثقلاً بالخيبات، لكنه لم يستسلم. استمر في حرب الاستنزاف، وأعاد بناء الجيش المصري، واضعاً الأسس لما سيكون بعده انتصار أكتوبر 1973. ومع ذلك، يبقى الدرس الأهم أنّ العروش التي ترتهن للأجنبي لن تحمي أوطاناً، بل تزيدها ضعفاً، وأن الشعوب وحدها هي التي تصنع الحرية.
إنّ ما يعيشه المغرب اليوم من حراك واحتقان شعبي هو امتداد لذلك التاريخ. الشعب الذي رأى كيف خانت مخابرات ملكه العروبة في 1965، وكيف تواطأت مع فرنسا لقتل بن بركة في أكتوبر من العام نفسه، وكيف فشلت القمة في الرباط 1969 في توحيد الكلمة، لا يمكن أن يثق بخطاب الاستقرار الذي يُسوّق له.
وإذا كان السوريون والليبيون، قد كسروا فزّاعة الاستبداد، فإن المغاربة قادرون على فعل الشيء نفسه. لأنّ التاريخ أثبت أنّ الشعوب مهما طال صبرها لا بد أن تنتصر، وأنّ الحرية ليست خياراً بين فوضى أو عبودية، بل هي قدرٌ تصنعه الشعوب بدمائها وإرادتها.



