“سوريالية” المشهد اللبناني على أبواب الاستحقاق الرئاسي

خاص “المدارنت”..
من يتابع المهاترات الحاصلة بين وزراء معنيين في الحكومة المستقيلة ورئيسها، لا يستبشر خيراً في إمكانيات هذه التركيبة من السياسيين والمسؤولين في إدارة البلد خلال الشهور المقبلة، لا سيّما وأن حكومة تصريف الأعمال، في ظل عدم تشكيل حكومة جديدة، هي من ستنوب مجتمعةً، عن مهام رئيس الجمهورية المنتهية ولايته، في الواحد والثلاثين من شهر تشرين الأول القادم.
إنها حقاً لمأساةٍ أخرى تلقي بأحمالها على أكتاف اللبنانيين، وكأنه لا تكفيهم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تعصف بالبلاد، وقد تحولت إلى أزمات مصيرية بكل ما لهذه الكلمة من معنى…
إن الشعب اللبناني اليوم يتساءل: ما هي الإنجازات التي قدمتها حكومة تصريف الأعمال هذه، ليرفع لها القبعة احترامًا، وهي التي لم توفّر شبهةً، إلا وألصقتها برئيسها ونائبه وما تبقى من وزرائه، بدءاً من خطة التعافي التي تشوبها أكثر من علامة استفهام، وخاصةً بما يتعلق بإيداعات المواطنين في المصارف، وتنصل الأخيرة من مسؤولياتها التي ترميها على عاتق الدولة، بينما حاكم مصرف لبنان ينكر عليها ذلك، ويشكك في تذرعها بعدم وجود الغطاء المالي لتسيير أمور المودعين، متناسيةً أن هناك أكثر بكثير من (المودِعَين) عبد الله الساعي، وبسام الشيخ حسين، ينتظرون لاسترجاع أموالهم المودعة، وذلك بقوة السلاح والترهيب، غير عابئٍين بالنتائج طالما أن كل واحد منهم سوف يتحول إلى بطل في نظر اللبنانيين، وينتَظَر أن يحذو حذوه بطل آخر، بين كل يوم وليلة…
هذا في الوقت الذي يجد فيه رئيس الحكومة نفسه عاجزًا، حتى عن لعب دور (المايسترو)، الذي ينظّم حركة وزرائه، ونشاز أغانيهم وألحانهم الممجوجة. فهو بلا شك ليس قادرًا على ذلك، ولا كانت لديه القدرة حتى على لجم تطاولات هذا الوزير وذاك عليه شخصيا…! لنراه في موقف صعب للغاية، مكتوف اليدين أمام وزير الطاقة على سبيل المثال الذي سحب خطة الكهرباء، في آخر جلسة للحكومة، قبل تحولها إلى حكومة تصريف أعمال، ولم يجد رئيسها العتيد سوى أن يشتكيه إلى الرأي العام…! وعاجز أيضا عن التوصل إلى حلولٍ عادلة، مع أصحاب المولدات الكهربائية، بقرارات صارمة تحمي جيوب المواطنين اللبنانيين من جشعهم وتطاولهم وتجاوزاتهم وعبثهم…

وهو الذي بقي مكتوف اليدين أيضًا أمام وزير المهجرين، الذي قال في رئيسه ما لم يقله مالكُ في الخمرة، وأقله تهريب أمواله إلى الخارج وتفضيل مصالحه الخاصة، ومراعاة الخارج على حساب مصالح الوطن والمواطنين…!
أما مأساة الدولار الجمركي، فهذا موضوع يستحق منا جميعا أكثر من وقفة جدية لتوضيح من تبناه، ومن يتنصل منه، ومن ينتظر إقراره… مستفيداً من مخزوناته المخفية داخل البلد، وكلهم نفضوا أياديهم بعد أن رمى كل طرف بمسؤوليته على الآخر من منطلق الشعبوية الحادة والبشعة، التي يحرص عليها الجميع. هذا فيما البلد ينحدر للأسف نحو الانهيار الشامل، فلا الليرة باتت تشتري رغيفاً، ولا حليب الأطفال بات يُرى في الصيدليات، بينما وزير الصحة يؤكد أنه متوفر حتى أواخر تشرين الأول القادم.
اما مأساة المآسي الأفران، فمن العجب العجاب أنها تخبز يوميًا، وبكميات كبيرة، كل أنواع المعجنات، باستثناء الخبز…! وكأنها هي المسرحية إياها التي شاهدناها بالأمس على محطات المحروقات فنجحت وفق السيناريو المعد لها مسبقا، واستحقت أن تتكرر مرة أخرى في موضوع الأفران ورغيف المواطن، تمهيداً لرفع الدعم عن الطحين، وإدخال رغيف الخبز في بورصة السوق السوداء، شأنه شأن السلع الاخرى.
وعلى طريقة «الناس بالناس والقطط بالنفاس»، يتصرف تيار الرئيس الأول ومستشاروه، وكأنه لا يعنيهم في هذه المرحلة الحرجة والحساسة سوى من يكون الوريث، وإلى من ستؤول سكنى القصر الجمهوري، في أول تشرين الثاني، حتى لو أفضى الأمر إلى استعادة مشهدية خريف العام 1989…! وكأن هذا الوطن بمواطنيه وكل خيراته، قد تحول إلى ملكية شخصية طُوِّبَت لمن لم تحسم الانتخابات النيابية الأخيرة أولويته في تمثيل بيئته، فيما هو يصرُ عليها، ولو اقتضى ذلك إلغاء الآخرين، مستنداً في ذلك إلى فائض قوةٍ حليفه، الذي ينظر إلى ما هو أبعد من « كاريش »، معيداً في الأذهان ذكرى «ما بعد، بعد حيفا»، وذلك في ظل السعار المرتفع حول ما ستخلفه الأيام القادمة من مفاجآت، لعل أسوأ ما فيها أن إدارة البلاد معطلة، والقاضي في البلد يجوع، والمعلم يستجدي القرش الحلال، ورجل الأمن يتوسل الإغاثة، والفقراء يبحثون عن قوتهم في قمامة الميسورين، واللبنانيون ألِفوا قوارب الموت، وجفّت دموعهم أمام «غواصة» يدفع أجرها «الأجاويد»، لانتشال جثث أبناءهم وأهاليهم من أعماق المتوسط، ولبنان برمته يتوجه نحو الانهيار الكامل ليكون أسوأ دولة في العالم، متجاوزا في ذلك أفغانستان، وهو المتفوّق بجدارة على زيمبابوي التي حلّت في المرتبة الثالثة…!
فيا أيها اللبنانيون، أبشروا بشدّ الأحزمة، هذا فيما لو بقي في بطونكم ما يتحمل الحزام بعد اليوم…!



