سيكولوجية الكوارث.. وخصوصاً الوبائية..

خاص “المدارنت”..
منذ أن وجدت هذه البسيطة, وقبل أن يوجد فيها الإنسان، وبعد ذلك, شهدت العديد والعديد مما لا يمكن حصرها أو إحصائها من الكوارث بمختلف أنواعها ومصادرها وأشكالها.. إلخ.
تلك الكوارث وعبر التاريخ المدون وغير المدون, المعروفة منها والغير معروفة, خلفت دمارا هائلا ونتائج كارثية, شملت الحجر والشجر والطبيعة الجغرافية والعمرانية والسكانية, بما خلفته من ضحايا لا يمكن حصرهم أو إحصائهم, والذين يعدوا بمئات الملايين إن لم يكن الأصح من ذلك بالمليارات, طبعا إذا احصينا العدد التقريبي لذلك خلال الفترة التاريخية منذ علمنا بها وحتى اليوم, أزالت ومحت حضارات كاملة كانت قائمة، وأضعفت حضارات ومهدت لأخرى, أزالت وأنهت أنظمة، وحلت محلها أنظمة أخرى, غيرت وأضعفت التركيبة السكانية, محت مناطق جغرافية كانت قائمة وأصبحت أثرا بعد عين.
ولنا نحن المسلمين عظة وعبرة عبر قصص القرآن، الذي أشار إلى بعض من تلك الكوارث, وهي عديدة ومتنوعة وفي حقب تاريخية مختلفة، من تلك الكوارث, الكوارث الوبائية التي شهدتها البشرية عبر تاريخها, لعل أبرزها, الطاعون, الكوليرا, الحمى الصفراء, الأنفلونزا الأسبانية, أيبولا, الإيدز, وأخيرا كورونا… تلك الكوارث الوبائية التي خلفت آثارا وخيمة ونتائج كارثية, وفي المقام الأول, على الإنسان الفرد والإنسان المجتمع… إلخ.
إذ أنه ليست المشكلة الحقيقية والإشكالية الحقيقية في تلك النتائج الكارثية المترتبة والتي تخلفها تلك الكوارث، عموما, في تلك النتائج الاقتصادية والعمرانية, المادية عموما, بل إن المشكلة والإشكالية الحقيقية تتمثل بتلك النتائج التي تصيب الإنسان الفرد والإنسان المجتمع الذي عايشها, سواء من أصيب بها أم من لم يصب بها, والتي تتمثل بتلك النتائج النفسية عليهم وإعادة هيكلة العلاجات الإجتماعية داخل المجتمع, أفرادا وأسرا ومكونات مختلفة,… إلخ.
ويمكن القول، بأن الكوارث المادية، والكوارث النفسية، تتساوى وتسير جنبا إلى جنب وبشكل متواز في جسد ونفس المصابين بها وغير المصابين, سواء وقت حدوثها أو بعد ذلك، كل ذلك وأكثر جعل من علماء الإجتماع وعلماء النفس الإجتماعي على وجه الخصوص، بأن يدرسوا تلك الآثار الناجمة عن تلك الكوارث، وهذا ما يسمى في علم النفس الإجتماعي خصوصا, وعلم الإجتماع عموما بـ”سيكولوجية الاوبيئة”، حيث لاحظوا ووجدوا بأن من يتعرض لتلك الكوارث, أفرادا وجماعات ومجتمعات وشعوب وأمم, ينتابهم حالة من الذعر والخوف والهلع الشديد واللايقين والقلق وسوادية المجهول, ويصبحوا أكثر أنانية وانطوائية وأكثر عزلة, وحتى همجية عدوانية.
ويقول عالم الاجتماع الشهير “هوبز” في النظرية التي وضعها “فخ هوبز”: إن الخوف بين البشر يتراكم جرّاء الخوف، فيسعى الخائف إلى الدفاع عن نفسه بالتسلّح مثلاً، فيدفع الآخر الخائف من التسلح إلى مزيد من التسلح، وهكذا دواليك، حتى يصبح الجميع عدو الجميع.
ويقول عالم النفس “سيغموند فرويد”: “القلق هو المادة الخام لكل الأمراض النفسية”.
وعلّق جميل صليبا في معجمه الفلسفي على مفهوم الهلع، قائلا: الهلع عند المتأخرين من فلاسفة الأخلاق وعلماء النفس، هو استعداد تلقائيّ للنفس يجعلها غير راضية بالواقع، فإذا تطلّع المرء إلى الأحسن والأفضل، ونظر إلى حياته الواقعية، فوجدها محفوفة بالمخاطر بعيدة عن تحقيق ما يصبو إليه من الكمال والسعادة، فإحساسنا بالهلع مثله كمثل من يركب سفينةٍ يلجُ بها بحرًا تعصف به الرياح من كلّ جانب، فلا يجد أمامه شاطئًا أمينًا يلجأ إليه ولا مُعينًا ينقذه من الشقاء. وما الهلع الذي يشعر به المرء في هذه الحالة إلا حنين نفسٍ مستغيثة تنشدُ الاستقرار فلا تحصل عليه، وتطلب الاطمئنان فلا تجده إلّا في الإيمان بالإله. وقد يشتدّ الهلع حتى يصبح مرضًا، كما في نفوس أصحاب الوساوس الذي تغلب عليهم السوداوية، وتستحوذ على عقولهم التصوّرات المؤلمة التي لا سبيل إلى دفعها، فلا يخطر ببالهم عند القصد إلى العمل إلّا ما قد يسبّبه لهم من شرّ، فالنفس الهلعة مضادّة إذا للنفس المطمئنة التي تتفاءل بالخير وتتوكل على الرب.
وقد ينتج الهلع عن صراعٍ نفسي، كما هو الحال حين يكبح الواحد منا عدوانيته، أو تلك الحالات التي توقظ غالبًا مشاعر ترتبط بخبرات مؤلمة مرَّ بها الانسان في حياته. والجدير بالذكر أنّ الهلع في بعض الحالات المرضيَّة قد لا يتوالد من وضعيات واقعية وحقيقية، بل يكون نتاجًا لتمثّلات خيالية مرتبطة بمآزم لا واعية.
وفي زمن الأوبئة، تنتشر الأساطير والخرافات والشعوذة في صفوف العامة والخاصة, ويلجائون إلى تفسير حدوث تلك الكوارث، والبحث فيها عن علاج سحري لها, ويقومون بإستخدام الطب التقليدي في سبيل ذلك، حيث يرى غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجية الجماهير”، “إن الأفراد يقعون تحت التأثير السريع والمفاجئ لتصديق ما يمهد السبيل للأساطير والإشاعات فتنتشر بسهولة فائقة”روحاً واحدة للجماهير”.
وفي إطار انتشار “كورونا” حالياً، أشارت تقارير إعلامية صينية، إلى أن 80 في المئة من المرضى في الصين تلقوا علاجاً تقليدياً، وبغض النظر عن فاعلية العلاج التقليدي من عدمه على مواجهة الوباء، إلا أنه يؤثر في حالة الفرد، وقد يعطيه بعض التوازن الداخلي المرتبط باعتقاده في فاعلية الوصفة الشعبية. وظهرت ممارسات أخرى مرتبطة بالمعتقدات الشعبية، مثل شرب “بول البقر” في الهند، باعتبارها وصفة شعبية ترتبط بمعتقدات دينية. إضافة إلى أنهم يصبحون أكثر تدينا منذ قبل, حيث يلجأون إلى دور العبادة، بحثا وأملا في سبيل الخروج من ذلك، وتلك، وتنتشر الشائعات حول ذلك وتلاقي رواجا منقطع النظير, وتتكون وتتشكل الصورة النمطية السلبية، بخاصة تجاه من كان مصدرا ومنبعا لتلك الكارثة..أو تلك, حيث أنه قد تلتصق بهم ويوصفون بها في الأزمنة اللاحقة لها, ويصبحوا مثلا مضروبا.
ومن سمات الفرد وصفاته، أنه وفي زمن الأوبئة يصاب بالخطر الشديد ويتملكه ويقوم بتظخيم ذلك والتركيز فقط على من أصيبوا بها متناسيا تلك الحالات الكثيرة مقارنة بتلك المصابة بها، وهذا ما أشارت إليه الأبحاث حول ذلك وأكدته، كل ذلك وأكثر من ذلك يحدث الآن، وعلى مستوى العالم، جراء تفشي وباء كيرونا وبصورة أفظع وأفدح وأكثر رعبا وخوفا وقلقا وهلعا… إلخ.
ذلك لأن الأوبئة القديمة التي حدثت كانت محدودة ومحصورة جغرافيا كون العالم وقتئذ لم يكن على إتصال مع بعضه البعض, أما الآن فإن العالم أصبح وصار قرية واحدة ومن السهولة بمكان وبزمان إنتقال الوباء من منطقة إلى أخرى، ومن دولة وقارة إلى أخرى وبأسرع فترة زمنية ممكنة، قد لا تتعدى السويعات مهما كانت المسافة الفاصلة بين تلك الدولة وتلك, إضافة إلى عجز الحكومات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية على مجابهته والتصدي له وإيجاد الحلول له، مقارنة بتلك السرعة الفائقة لإنتشاره.
أخيراً, أقول: مثلما كانت الكوارث وعبر التاريخ, بمختلف أنواعها ومصادرها, تمثل نهاية لحقبة أو فترة تاريخية, سواء في إطار محدد أو على مستوى الإطار العالمي, وبداية لحقبة وفترة تاريخية جديدة, قد تكون أسوأ أو أفضل من سابقاتها, فإن ذلك ينطبق أيضا على كارثة كورونا، إن عالم ما بعد كورونا ليس كما قبله.
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



