عربي ودولي

صحيفة عبرية: هكذا تحاول “إسرائيل” الدفاع عن حدودها مع غزة و”حزب الله” و”القط المتربّص” في سوريا!

“المدارنت”..
إن إخفاق المذبحة أدّى إلى استراتيجية جديدة تجاه الدول التي تعقد “إسرائيل” اتفاق سلام معها. تتضمن الخطة ثلاث منظومات دفاع في حدود غزة ولبنان وسوريا: استحكامات وعوائق في أراضي إسرائيل، و”منظومة دفاع متقدمة” في أرض العدو، وطلب تجريد مناطق مهددة. تقيم إسرائيل المنظومات ترقباً لدعم إدارة ترامب لها، لكن ليس واضحاً كيف سترد أوروبا. وعلى أي حال، سيتطلب الأمر آلاف المقاتلين وميزانيات طائلة.
في الاحتفال الختامي لدورة الضباط أول أمس (الأحد) حين طالب نتنياهو “بتجريد كامل لجنوب سوريا من قوات النظام الجديد”، فهو يكشف عملياً عن استراتيجية دفاع الحدود الجديدة لإسرائيل. عملياً، تبلورت هذه الاستراتيجية في نهاية السنة الماضية، بعد اتفاق وقف النار في لبنان. وأضاف نتنياهو أول أمس القسم الناقص في اللوحة بإعلانه أن يكون جنوب غرب سوريا، من دمشق جنوباً، منطقة مجردة من السلاح.
هذه الاستراتيجية تبلورت أساساً نتيجة لدروس إخفاقات مذبحة 7 أكتوبر، وهي معدة أولاً وقبل كل شيء لإعطاء الأمن لسكان البلدات المجاورة للحدود في الجنوب والشمال وعلى حدود سوريا. تفرق الاستراتيجية بين الحدود مع الدول التي لها معها سلام، أي مصر والأردن، وبين الحدود التي يحدق منها خطر مباشر وتهديد نشط على مواطني إسرائيل، في البلدات المجاورة للحدود والبعيدة عنها عدة كيلومترات.

الاستراتيجية في الحدود التي تشكل خطراً
منظومة دفاع برية ثلاثية الطبقات
 لا بد من وجود منظومة دفاع برية ثلاثية الطبقات في حدود ذات حرب نشطة أو شبه نشطة، أي في حدود قطاع غزة وحدود لبنان وفي هضبة الجولان. ستكون منظومة الدفاع الأولى داخل أراضي إسرائيل، وستتضمن استحكامات دائمة، وعائقاً برياً يتضمن جداراً و/أو سوراً وجساسات مختلفة لضبط الحدود، وكذا منظومة محاور سير سريعة، وقوات كثيرة وعناصر دفاع جوي ومدفعية. العائق ومنظومة الاستحكامات هذه يفترض أن تفصل مادياً بين بلدات الحدود والقرى الشيعية ومراكز التنظيم المحتملة لحزب الله جنوبي لبنان. أما في قطاع غزة فستكون منظومة ذات مزايا مشابهة تفصل بين أراضي القطاع وبلدات غلاف غزة، إلا أنه بدلاً من معسكرات للقوات على الحدود، ستقوم استحكامات عسكرية حقيقية جاهزة لإعطاء دفاع لمحيطها والقتال ضد كل من يحاول الاقتحام – حتى بدون أن يكون إخطار استخباري. أما في حدود سوريا مع هضبة الجولان السورية، فيجب وجود عائق، واستحكامات دفاع مأهولة؛ أي، كل هذا في أراضينا.
منظومة الدفاع الثانية في كل الجبهات الثلاثة هذه، ستكون داخل أرض العدو، وستشكل مدماك “دفاع متقدم”، كان قائماً في حينه في الحزام الأمني في لبنان، من 1984 وحتى انسحاب الجيش الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي من الحزام الأمني في أيار 2000. يفترض أن يكون في قطاع غزة وجود للجيش الإسرائيلي بهذا الشكل أو ذاك في الفاصل الأمني داخل القطاع. عمق هذا الفاصل وطريقة وجود الجيش الإسرائيلي فيه بهدف منع اقتراب فلسطينيين من الجدار، ليسا واضحين بعد، وهذا موضوع للمفاوضات في المرحلة الثانية من صفقة المخطوفين الحالية، وستكون هذه أساساً للمفاوضات على ترتيبات الأمن في الفاصل الأمني: حزام الدفاع المتقدم. لكن إسرائيل أوضحت بأنها ستطالب بحق العمل في هذا الفاصل الأمني، سواء كان بحضور دائم أم من خلال دوريات برية وجوية وما شابه.
أما في حدود لبنان، فيتم الدفاع المتقدم في هذه اللحظة من خلال خمسة استحكامات على طول الحدود الموجودة في مناطق مسيطرة وفيها قوة سرية، وتقول إسرائيل إنها ستخرج منها عندما لا يشكل جنوب لبنان مصدر تهديد على أراضي إسرائيل.
وقوات الجيش الإسرائيلي التي دخلت إلى المنطقة الفاصلة في هضبة الجولان وانتشرت فيها لوجود مؤقت لكنه طويل، تعطي طبقة دفاع متقدمة لبلدات الهضبة ولسيادة إسرائيل فيها. وتقررت المنطقة الفاصلة كأرض فارغة من أي حضور عسكري إسرائيلي أو سوري، شرق الحدود مع إسرائيل، وهي معدة لتكون فاصلاً جغرافياً برياً يلزم السوريين ويلزمنا باجتيازها إذا كانت لأي من الطرفين نيات هجومية.
 منطقة الفصل هذه تقررت في اتفاق وقف النار مع سوريا في 1974. والآن، مع إسقاط نظام بشار الأسد من قبل المنظمة الجهادية هيئة تحرير الشام، سارعت إسرائيل بالدخول إلى منطقة الفصل والاستيلاء عليها لخلق منظومة دفاع متقدمة عن بلدات هضبة الجولان، لم تكن من قبل. هذه المنظومة، مثلما في لبنان، تتشكل أساساً من استحكامات رصد، وتقام على أراض مسيطرة ودوريات. لكن بخلاف جنوب لبنان، للجيش الإسرائيلي علاقات مع السكان، وإن لوجوده في قمة جبل الشيخ السوري قيمة استخبارية وعملياتية مهمة.

الجديد الحقيقي تجريد المناطق المهددة لـ”إسرائيل”
منظومة الدفاع المتقدمة الثالثة، التي هي الجديد الحقيقي، هي تجريد المناطق التي يحدق فيها تهديد على إسرائيل. قطاع غزة: أعلن رئيس الوزراء بأن أي تسوية تقود لإنهاء الحرب يجب أن تتضمن إعادة المخطوفين وتقويض الحكم المدني والعسكري لحماس وتجريد القطاع. والتجريد هنا اصطلاح عام، قد يعني عدم وجود سلاح على الإطلاق أو غياب أنواع معينة منه، مثل سلاح شخصي، وكلاشينكوفات ومسدسات؛ فهذا مسموح به، وربما حتى بنادق تستخدمها السلطة لإنفاذ القانون، لكن يحظر وجود أسلحة هجومية مثل صواريخ ومقذوفات أرض أرض، وقذائف هاون، وصواريخ مضادة للدروع، وصواريخ آر.بي.جي وبالطبع مركبات قتالية مدرعة كالدبابات أو المجنزرات، أو القوارب والسفن الحربية والمُسيرات، وكذا دواليك؛ أي كل ما يطلق ويصل إلى أراضي إسرائيل ويلحق بنا الخسائر.
في إطار اتفاقات السلام مع مصر، وكذا في إطار ترتيبات وقف النار مع سوريا، هناك مناطق تقرر فيها قيود على القوات، أي مسموح حيازة دبابات حتى عدد معين، ومحظور التحليق بطائرات قتالية، ومحظور حيازة مدافع وراجمات فوق أطر معينة، وكذا دواليك. لذا، فإن موضوع التجريد قابل للتفاوض وهو مركب، وعند الحديث عن التجريد فإن الرب والشيطان يندمجان في التفاصيل الصغيرة.
الحكم ذاته ينطبق أيضاً على جنوب لبنان. عملياً، تطالب إسرائيل أن تكون منطقة جنوب لبنان، من الليطاني جنوباً وشرقاً، مجردة من الصواريخ والمقذوفات الصاروخية من كل الأنواع: صواريخ مضادة للدروع ومُسيرات، وراجمات وحوامات كبيرة. وتطالب إسرائيل بالطبع ألا يسمح لرجال حزب الله أيضاً التجول مسلحين في المنطقة جنوبي الليطاني، ولا حتى بسلاح خفيف. يفترض بالجيش اللبناني أن يفرض هذا، وإذا لم ينجح فستفعله إسرائيل. لكن إسرائيل تعمل في لبنان أيضاً بمديات بعيدة، حتى أكثر من 100 كيلومتر؛ كي يكون لبنان مجرداً من الصواريخ الثقيلة، والدقيقة أساساً، الكفيلة بإلحاق ضرر كبير في الجبهة الإسرائيلية الداخلية.
في سوريا، قضى رئيس الوزراء بشكل صريح أنه يطالب بتجريد منطقة الجولان السوري حتى الحدود مع الأردن في الجنوب، ومن الشرق حتى المعبر إلى منطقة السويداء المعروفة كجبل الدروز. في هذه المنطقة، يطالب نتنياهو بعدم وجود قدم للمنظمة الجهادية التي تسيطر الآن في سوريا، بل وعدم السماح بوجود الجيش السوري الجديد الذي يعدّ تحالف منظمات إسلامية مسلحة انضمت إلى هيئة تحرير الشام بزعامة أحمد الشرع “أبو محمد الجولاني”.
تحاول هذه المنظمة الآن إقناع العالم بأنها وإن كانت منظمة إسلامية، فإنها محبة للسلام وعلاقات الجيرة الطيبة مع المحيطين بها والعالم بعامة. الشرع، الذي خلع بدلته العسكرية واستبدل بها أخرى مدنية وربطة عنق، يحاول الآن الإقناع بأن همه كله منصب على إعمار سوريا من دمار الحرب الأهلية وإنهاء إرث الأسد والأقلية العلوية. ويشدد صراحة على أنه يريد علاقات جيرة بلا عنف مع إسرائيل، لكنه لا يتحدث عن السلام.
في الخلفية، يوجد في سوريا أيضاً الأتراك الداعمون الأساسيون للجولاني ورجاله، لكنهم لا يسيطرون عليهم. تخشى إسرائيل من متلازمة “القط المتربص” في سوريا، أي لن يبعد اليوم الذي سيغير فيه الجهاديون الذين يتحدثون الآن بتعبير الدولة المحبة للسلام، جلدتهم ليعودوا إسلاميين جهاديين تحت صورة “جيش سوريا الجديد” على حدودنا.
فضلاً عن ذلك، فإنهم يهددون أبناء الطائفة الدرزية في السويداء، وها هم إخوانهم في إسرائيل قلقون مما سيحصل لاحقاً. حالياً يحاول الشرع تهدئة روع الدروز وضمهم في نظامه، لكن كونهم أقلية تختلف عن السلفيين فإن الدروز مهددون، ولإسرائيل مصلحة في الدفاع عنهم. ولهذا أكد نتنياهو في خطابه بأن إسرائيل تطالب ألا يدخل رجال هيئة تحرير الشام أو جيش سوريا الجديد الذي هو جهادي بلباس جديد، إلى مناطق جنوب دمشق والقنيطرة ودرعا والسويداء.
عندما سألت عن معنى منع دخول جيش سوريا الحر ورجال هيئة تحرير الشام إلى المنطقة جنوب دمشق، شرح لي رجل أمن كبير بأن إسرائيل تريد تجريد هذه المنطقة ليس فقط من السلاح الثقيل، بل أساساً من تواجد الإسلاميين الذين قد ينفذون هجوماً على نمط 7 أكتوبر الإجرامي من الحدود السورية. عملياً، مفهوم الدفاع ثلاثي الطبقات هذا يستهدف الدفاع عن إسرائيل من الإسلام المتطرف في قطاع غزة وجنوب لبنان وفي سوريا. وجميعها، أي الجهات التي تعرض إسرائيل للخطر، تضم الجهاديين الشيعة والسُنة الذين سيشكلون تهديداً حتى في “اليوم التالي” بسوريا ولبنان وقطاع غزة. إيران الشيعية ستبقى داعمة للميليشيات التي قد تندفع نحونا من أراضي العراق، وتركيا ستدعم الميليشيات الجهادية التي ستأتي إلينا من وسط سوريا وشمالها. ولا حاجة للحديث عن حماس في غزة.
 طبقات الدفاع الثلاث هذه يفترض أن تعطي لسكان شمال وجنوب وشرق إسرائيل دفاعاً من شكلين للهجوم: انقضاض بري وتسلل إلى داخل إسرائيل، ونار مباشرة مثلما كان في الشمال وبقدر معين في غلاف غزة. إن مفهوم دفاع الحدود هذا يقوم على أساس طبقة رابعة، وهي القدرات الاستخبارية والجوية لدولة إسرائيل. أحد دروس 7 أكتوبر 2023 هو أن سلاح الجو يجب أن يكون في الميدان، إلى جانب عنصر مدفعي في دفاع الحدود الجديد.
لهذا المفهوم فضائل أمنية وعسكرية واضحة، والسؤال هو إذا كان قابلاً للتطبيق وعلى مدى كم من الوقت؟ في سوريا مثلاً، أوضحت إسرائيل للأتراك وكذا للحكام الجدد في دمشق، من خلال الوسطاء، بأنها لا تنوي البقاء في المنطقة الفاصلة وتقيم هناك دفاعاً متقدماً إذا كانت ترتيبات أمنية دائمة وربما تضمنها تركيا أيضاً. أما في لبنان، فالطريقة الحالية لا يفترض أن تكون، وتقول إسرائيل إنها ستطوي منظومة الدفاع المتقدمة، أي استحكامات السيطرة والرصد، إذا تبين أن الجيش اللبناني بالفعل سيطر على المنطقة جنوبي الليطاني بشكل فاعل ومتواصل وجدي.
كان بود إسرائيل أن ينزع سلاح حزب الله تماماً على الأقل من جنوب الليطاني. مفهوم دفاع الحدود هذه هو ما كانت إسرائيل تريد تحقيقه، ولهذا احتمال، والسبب هو إدارة واشنطن برئاسة ترامب. في إدارة بايدن أو أوباما ما كان هناك احتمال لإسرائيل حتى أن تنظر الإدارة الأمريكية في عناصر هذا المفهوم الذي يجري قسم كبير منه في أرض ليست بسيادة إسرائيل. أما لدى ترامب فبات لهذا المفهوم احتمال.

مفهوم الدفاع في الحدود مع مصر والأردن
 صورة مفهوم دفاع الحدود لن تكون كاملة دون رسم ما سيحصل في الحدود مع مصر والأردن. في حدود السلام نية لتكثيف منظومات الدفاع المادية التي تتضمن استحكامات وعائقاً (سياج حديدي أو سور) ووسائل رصد وجمع معلومات من كل الأنواع. سيتم الدفاع في هذه الحدود في أراضينا، وفي الحدود الشرقية؛ أي ستقام مع الأردن فرقة جلعاد، عملها منع التهريب من حدود الأردن الذي يشكل وجع رأس في الضفة، ولكن ستكون جاهزة أيضاً لإمكانية تهديدات برية من الشرق.
وسيكون في الحدود مع مصر أيضاً دفاع مختلف للأهداف ذاتها، رغم أن سيناء تعطي للحدود عمقاً إنذارياً واستراتيجياً أفضل مما للحدود مع الأردن.
وهذا لن يتطلب أكثر من 10 آلاف مقاتل ومقاتلة، بل ومقدرات مالية كبيرة.
وأخيراً، ستكون منظومة الدفاع المتقدمة مكشوفة وستصبح بعد فترة معينة هدفاً لهجمات حزب الله أو مسلحين من القطاع، سواء من حماس أم جماعات مسلحة أخرى. وهكذا أيضاً في هضبة الجولان. إن استحكامات الرصد والتحكم في لبنان، منطقة الفصل الأمني في قطاع غزة وربما أيضاً في الجولان السوري، قد تنتج لنا معارك عصابات وإرهاباً مثلما كان في الحزام الأمني في جنوب لبنان. وعليه، يتعين على إسرائيل استكمال منظومات الدفاع البرية بمنظومة إنفاذ من الجو أساساً، للاتفاقات والتسويات بعد أن تصمم نهائياً.

المصدر: رون بن يشاي/ “يديعوت أحرونوت” العبرية
المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى