مقالات

“صهيونية” سلام وأوامر أفيخاي!

وليد حسين الخطيب/ لبنان

خاص “المدارنت”
في خضمّ الأزمات المتراكمة التي يعيشها لبنان، يطفو على السطح مشهدٌ مألوف: انقسام حادّ في المواقف، وتباين عميق في قراءة المخاطر والخيارات. فبعد الغارات الأخيرة التي شهدها البلد في الثامن من نيسان، عاد النقاش ليحتدم حول دور الدولة، وحدود القرار السياسي، وكيفية حماية ما تبقّى من استقرار هشّ.

في هذا السياق، برزت دعوات إلى التظاهر ضد رئيس الحكومة اللبنانية د. نوّاف سلام، على خلفية قرارات اتُّخذت بشبه إجماع حكومي بهدف تجنّب انزلاق البلاد إلى مواجهة أوسع، باعتبارها صهيونية ولا تمتّ للبنان الذي يُرادُ له أن يكون، وهي غير قابلة للتنفيذ. والجدير بالذكر أن مَن دعا إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل هو رئيس الجمهورية، وهو مَن قال للذين يتّهمون نوّاف سلام بالصهينة والعمالة.. تقولون ماذا ستفعل لنا المفاوضات، وأنا أسألكم ماذا فعلت لنا حربكم غير دمار لبنان؟! هذه الدعوات، على مشروعيتها من حيث المبدأ في أي نظام ديمقراطي يكفل حرية التعبير، تطرح في الوقت ذاته أسئلة جوهرية حول طبيعة الخطاب المستخدم، ومدى اتساقه مع الوقائع التي يعيشها اللبنانيون.

فمن جهة، ثمّة من يتَّهمون المسؤول الذي يسعى إلى تقليل الخسائر وتفادي التصعيد… بالخيانة والصهينة والعمالة… وأنّه غير مرغوب فيه، وهم يرفعون علم إيران في التظاهرة… ومن جهة أخرى، تُظهر تجارب سابقة أن الذين يتّهمونه يلتزمون صاغرين، تحت ضغط الخطر المباشر، بأوامر الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إخلاء مناطق أو سلوك طرق محددة… هذا التناقض لا يُقصد به الإدانة بقدر ما يدعو إلى تأمل طبيعة ردود الفعل البشرية تحت الضغط، وكيف يمكن الخوف أن يعيد ترتيب الأولويات بعيدًا من الشعارات. وهنا، أليس من حق المتابع أن يتساءل عن سبب هذا العداء المبرمَج لرئيس الحكومة، من دون ذكر رئيس الجمهورية؟!

إلى جانب ذلك، يبرز تناقض آخر في الموقف من مسألة التفاوض. ففي حين يرفض هؤلاء أيّ انخراط رسمي لبناني في مسارات تهدئة أو تواصل دولي باعتباره تنازلًا أو ضعفًا، لا يُنظر بالمعيار نفسه إلى أدوار إقليمية تقوم بها أطراف أخرى، حتى عندما تشمل تواصلًا مع قوى دولية فاعلة، فإذا اجتمع الإيرانيون مع الشياطين الكبار – الأميركيين – للتفاوض، فهذا سياسة، أما إذا اتخذت الحكومة اللبنانية قرار التفاوض… فهذا خيانة. هذا التباين في المعايير يعكس، في جانب منه، أزمة ثقة عميقة بالدولة ومؤسساتها، لكنه في جانب آخر يكشف عن ازدواجية في تقويم الأفعال تبعًا لهوية الفاعل لا لطبيعة الفعل ذاته.

إن جوهر المسألة لا يكمن في تأييد هذا الطرف أو ذاك، بل في طرح سؤال أكثر إلحاحًا: ما هو المعيار الذي يجب أن يُحتكم إليه في لحظة الخطر؟ هل هو الانفعال والغضب، أم حساب الكلفة والنتائج؟ وهل يُمكن دولةً تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة – تسبّب فيها كل الفرقاء السياسيين والأحزاب في لبنان من دون استثناء – أن تتحمّل مغامرات إضافية قد تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها؟

الواقعية هنا لا تعني الاستسلام، بل تعني إدراك موازين القوى، وفهم حدود القدرة، والعمل ضمن الممكن لتقليل الخسائر. كما أن النقد حقّ مشروع، بل ضروري، لكنّه يفقد قيمته عندما يتحوّل إلى أداة لتصفية الحسابات أو إلى خطاب لا يعترف بتعقيدات الواقع.

لبنان اليوم أمام وضع دقيق، حيث لا ترفَ للخيارات الشعبوية، ولا مجال لتجاهل تداعيات أي قرار. فبين منطق الدولة، الذي يسعى إلى احتواء الأزمات، وصخب الشارع الذي يعبّر عن غضب وانفعال، تبقى الحاجة ملحّة إلى جَسْر الهوّة بين الطرفين، عبر خطاب أكثر توازنًا، ونقاش أكثر عمقًا، يضع مصلحة البلد فوق كل اعتبار.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى