مقالات

عجرفة ترامب وتطرّف خامنئي يغذيان احتمال الحرب

   محمد خليفة

خاص “المدارنت”... مرة أخرى، يدخل الخليج العربي مرحلة الأزمة ومنطقة الخطر، مقترباً من حافة حرب جديدة، لم تعد احتمالا افتراضيا أو مستبعدا، في ظل التهديدات المتبادلة بين إيران، وكل من الولايات المتحدة من ناحية، ودول الخليج العربية من ناحية أخرى .

كان الخليج قد شهد منذ عام 1980 ثلاث حروب مدمرة، أولها الحرب الايرانية – العراقية 1980 – 1988 . وثانيها اجتياح القوات العراقية للكويت 1990، ثم حرب عاصفة الصحراء لإخراج تلك القوات من الكويت عام 1991 . ثم الغزو الاميركي للعراق عام 2003 . ومنذ ذلك الوقت أطلق المحللون في العالم على الخليج، اسم أو وصف خليج الأزمات.

وعادت أشباح الحرب الى الخليج في السنوات الأخيرة، مع تصاعد التدخل الايراني في دول المنطقة العربية، من العراق الى سوريا ولبنان شمالا، واليمن غربا، وتهديد بقية دول الخليج، وخصوصا السعودية والامارات والبحرين .

ويسجل على الحروب الثلاث المدمرة، أنها اقترنت اقترانا مباشرا بالثورة الايرانية، التي أوصلت الملالي الى السلطة، وجاءت على إثرها، نتيجة تبنيهم لمبدأ “تصدير الثورة”، وهو ذات المبدأ الذي برر تدخلهم أيضا في العراق وسوريا واليمن فضلا عن لبنان، ومحاولات تدخلها المتواصلة في بقية دول الخليج .

كما يسجل على تلك الحروب، أن الولايات المتحدة كانت حاضرة فيها دائما، بحكم وجودها ودورها التاريخي في أمن دول المنطقة، ومصالحها الهائلة مع دول الخليج ، وكنتيجة للعداء المستحكم الذي نشب بين ملالي إيران وأميركا بعد ثورة 19879. وخصوصا محاولات ايران 1986 – 1988 لتهديد الملاحة الدولية وحركة الصادرات النفطية عبر الخليج ومضيق هرمز .

كان التحالف الاميركي – الايراني قبل 1979 في أعلى مستوياته، كما لم تكن العلاقات العربية – مع ايران متدهورة، على الرغم من وجود خلافات جوهرية بين الطرفين، بسبب أطماع ايران التاريخية في دول الخليج .

أما بعد الثورة، فتدهورت علاقات ايران الخمينية مع الدول العربية والولايات المتحدة في آن معا، إلا أن هذا لم يحُل دون أن يعقد الطرفان الأميركي والايراني صفقات سرية على حساب العرب في عهد ريغان، والتعاون بينهما في العراق في عهد جورج بوش الابن، وتكرار ذلك في عهد أوباما، وهو التعاون الذي تقدم كثيرا، وساهم في إنجاز الاتفاق النووي عام 2015، وهو الاتفاق الأسوأ في التاريخ حسب وصف الرئيس ترامب له، لأنه منح ايران رخصة دولية لانتاج السلاح النووي، بعد فترة تجميد مؤقتة لخمسة عشر عاما. والأخطر من ذلك، أنه منحها الحق في التوسع العسكري والسياسي في دول المنطقة على حساب العرب، حيث توسعت فعلا في العراق وسوريا واليمن، وعززت نفوذها في لبنان بمباركة أميركية .

انقلاب ترامب وسياسته

مسلسل التطورات السابقة يساعد على فهم الأزمة الجديدة، لأنها بمثابة مقدمات لها (على قاعدة: كل أزمة تلد أخرى). والواقع أن كل عوامل الأزمة الحالية تكونت في رحم ما سبقها، ولا سيما الاتفاق النووي، والتوسع العسكري في الدول العربية .

فالحدث الأول (الاتفاق النووي) الذي نتج عن مفاوضات استمرت سنوات، وشاركت فيها ثلاث دول أوروبية وروسيا (خمسة زائد واحد)، استفز اسرائيل، لأنه يهدد أمنها على المدى البعيد ويكسر احتكارها لسلاح الردع النووي في الشرق الاوسط .

والحدث الثاني (التوسع العسكري) استفز العرب، لأنه يهدد الأمن القومي للمجموعة العربية، وبخاصة الدول الخليجية .

لذلك سعى الطرفان، كل على حدة، الى دفع الرأي العام والطبقة السياسية العليا في الولايات المتحدة، الى الانقلاب على مخرجات سياسة أوباما تجاه ايران والخليج والشرق الاوسط، ونجحت هذه المساعي بإيصال المرشح الجمهوري دونالد ترامب، الذي تبنى منذ حملته الانتخابية توجهات معادية لنظام الملالي، وشن منذ أيام ولايته الأولى حملة مضادة للاتفاق النووي، رافضة لتدخلات إيران في دول المنطقة، تمثلت في زيارته الى السعودية قبل أي عاصمة أوروبية أو مجاورة . وتطورت الى سياسة كاملة ترجمتها الى انسحاب من الاتفاق، ومطالبة بانسحاب ايران من سوريا، ودعم لحرب اسرائيل ضد قواعدها في سوريا، وعقوبات اقتصادية خانقة (لم يعرف التاريخ أقسى منها) على ايران، أحدثت نتائجها أوجاعا وأضرارا فادحة للنظام الايراني، يتوقع أن تتسبب بانتفاضة شعبية داخلية مع تفاقم هذه النتائج قد تؤدي لانهيار النظام . وصنفت ادراة ترامب الحرس الثوري في قائمة المنظمات الارهابية، وفرضت عقوبات على الصناعات البترو ـ كيماوية الايرانية، وعلى مكونات كثيرة، وضغطت على الدول الاوروبية لوقف معاملاتها التجارية مع ايران وإلا واجهت عقوبات اميركية.

والأهم مما سبق، أن الادارة الأميركية عززت سياستها المعادية لايران وعقوباتها الاقتصادية عليها بسياسة الأساطيل، اي حشد قواتها العسكرية البحرية والجوية الضخمة في مياه الخليج والبحار القريبة، وأعلنت أنها لا تريد الحرب مع إيران، ولكنها مستعدة لها إذا احتاج الأمر، وأعلن الرئيس ما يمكن اعتباره (مبدأ ترامب) الذي يتضمن:

ـ كل إعتداء على قوات أو مصالح أميركا وحلفائها من قبل إيران أو الجماعات الموالية لها في المنطقة سيواجه برد حازم .

وتؤكد الشواهد أن إيران أدركت جدية القوات الاميركية وجاهزيتها للردع الفعال، إذ توقفت تماما عن أي تحرش بالقوات الاميركية منذ بداية عهد ترامب، بينما كانت في عهد ادارة اوباما كثيرة التحرش والاستفزاز من دون أن تجد رداً، بل كانت تجد صفحاً وتساهلاً، وصل الى درجة أن أوباما كان يرسل رسائل غزل الى خامنئي وروحاني، طالباً تحسين العلاقات بين البلدين!

الادارة الاميركية حازمة مع ايران، ولكنها حتى الآن لا تريد الدخول في حرب مع ايران، وهذا ما سمعناه من جميع المسؤولين، وخصوصا ترامب وبومبيو والقائم بمهام وزير الدفاع . إنهم يراهنون على العقوبات الخانقة لاسقاط النظام، أو دفعه لمفاوضات جديدة من موقع ضعف، ويراهن ملالي طهران بالمقابل على سقوط الرئيس ترامب في الانتخابات القادمة، وعلى خلافات الاوروبيين مع اميركا، وعلى الالتفاف على العقوبات، والتكيّف معها كما فعلوا طوال سنوات قبل 2015 . غير أن هذه الرهانات قصيرة الأجل، لأن العقوبات بدأت تحدث آثارا قاتلة، فرضت على قادة النظام العسكريين (الجيش والحرس) التفكير بمخارج أخرى للمواجهة غير الحرب، وغير الصمود والانتظار.

ما هي الاحتمالات

قادة النظام، وبخاصة المرشد والعسكر، أظهروا في الفترة الأخيرة تشددا وتصعيدا في المواجهة، واصرارا على عدم الاستسلام أو التراجع، فقد رفضوا وساطة رئيس الحكومة اليابانية، ووساطة وزير الخارجية الالمانية، واتبعوا سياسة هجومية من خلال التكتيكات التالية:

ـ  حركوا جماعاتهم الموالية لهم في العراق، لشن ضربات ضد القوات والاهداف الاميركية .

ـ حركوا حلفاءهم الحوثيين لتصعيد هجماتهم ضد السعودية، وتهديد الملاحة عبر باب المندب والبحر الاحمر .

ـ حركوا جواسيسهم وعملاءهم لشن هجمات تصاعدية على سفن تجارية وناقلات نفط في المياه الاقليمية لدولة الامارات، ولأنابيب النفط داخل السعودية ( 12 أيار)، وآخر هذه العمليات الإرهابية ما وقع يوم الخميس (13 حزيران) ضد ناقلتي النفط النروجيتين، اللتين تحملان شحنة نفط الى اليابان. ون الجلي أن اختيار العملية والأهداف تمّا بعناية شديدة، استهدفتا معاقبة النرويج التي شاركت في التحقيق في هجمات 12 أيار، واستنتجت أن الهجمات تقف وراءها دولة، أي ايران. ومعاقبة اليابان تأكيدا لرفضها وساطتها والتزامها بعقوبات الولايات المتحدة، والعملية تستهدف بالطبع دولة الامارات العربية، لأن شحنة النفط خرجت من مينائها .

القراءة المتعمقة لهذا الأسلوب الإرهابي يظهر أن ايران:

ـ تريد التصعيد المحسوب بدقة، من دون الذهاب الى حرب مفتوحة ومباشرة مع أي طرف، خصوصا إذا كانت ستقع على أراضيها .

ـ  تريد التنصل من مسؤولية ما ترتكبه كعادتها، أي لا تريد المواجهة المباشرة .

ـ  ولا تريد توجيه إعتداءاتها الى أهداف أميركية مباشرة، تفاديا لردود افعال واشنطن الانتقامية .

ـ تركز اعتداءاتها على السعودية والامارات العربية، لأنهما الدولتان العربيتان الوحيدتان اللتان تقاتلانها بالسلاح والمال والنفس، وعلى امتداد رقعة المنطقة، وتلعبان دورا فعالا في عزلها وملاحقتها على الساحة الدولية في المرحلة الراهنة .

ـ ترسل أشارات الى العالم الخارجي، تؤكد تهديداتها السابقة بإغلاق مضيق هرمز، ومنع صادرات نفط الدول الأخرى، طالما أنها ممنوعة من تصدير نفطها .

تعتمد هذه التكتيكات على (تقدير موقف) سياسي وعسكري، مبني على أن ترامب سيتوقف عند حدود التصعيد والتهديد، ولكنه لن يجرؤ على الدخول في حرب حقيقية ومباشرة مع ايران . وهذا أسلوبه في العديد من الازمات المشابهة، وخصوصا مع كوريا الشمالية . وهو يعتبر الحروب مكلفة اقتصاديا.. إلخ، ولذلك اختارت ايران التصعيد بشكل محسوب بدقة لحماية هيبتها أمام شعبها في الداخل، وبين جماعاتها الموالية في الخارج، وتحرص على عدم الظهور بمظهر الجبان  أو الخائف من المجابهة مع الولايات المتحدة، ولذلك تبجح قادتها العسكريون بأن قوات أميركا وقواعدها وسفنها في مياه الخليج تحت رحمة صواريخهم.

والسؤال الأبرز الآن هو: هل ستستمر المواجهة مضبوطة ومحسوبة؟ أم تنزلق الى مواجهة أوسع  وحرب مباشرة بين ايران واميركا؟ أو بين العرب واميركا؟

هل يستمر الرئيس ترامب على موقفه السابق؟ أم يرد على الاعتداءات الايرانية؟

لا شك أن الرئيس ترامب وإدارته وقواته الضخمة، سيفقدون هيبتهم أيضا، إذا اكتفوا بالتصريحات النارية والتهديدات الكلامية، لذلك هو الآن يواجه مأزقا حقيقيا، كان قد استبقه بإرسال رئيس الحكومة اليابانية الى طهران، ليتوسل منهم ملاقاته في منتصف الطريق، والتفاوض معه على حل يشبع غروره وعجرفته، ولا يهين ايران . ولذلك، فأغلب التقديرات تذهب الى أن الادارة الأميركية تفكر بردّ عسكري محدود يحمي هيبة القوة الاميركية، ويردع ايران، ويحفظ حليفتيها العربيتين، ويمنع التصعيد الايراني ضدهما . وتشير مصادر مطلعة، الى أن السعودية والامارات تعدان العدة لحرب مباشرة مع ايران، من دون أن تتحملا مسؤولية البدء بها، ولذلك هما تمهلان ايران وتسهلان لها التورط أكثر .

إن احتمالات الحرب المباشرة والشاملة قائمة، ولا يمكن استبعادها، لأن ايران لن تتخلى بسهولة وطواعية عن مكاسبها الاقليمية التي حققتها بسهولة، ولن تنسحب من سوريا والعراق إلا إذا أرغمت بالقوة، ولذلك، لا بد من توقع حدوث حرب شاملة تدور رحاها على رقعة واسعة وتشمل أراضي عدة دول عربية، بما فيها مواجهة اسرائيلية – ايرانية في سورية ولبنان، وتشمل ضرب محطاتها النووية داخل نيران . وهناك من المحللين الأجانب من يتوقع أن تبدأ المواجهة الساخنة في أواخر أيلول القادم، ويقولون إن ما يجري الآن هو تمرينات هدفها “التسخين” والتعبئة والتهيئة.

                                                           

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى