على المقلب الآخر (4) تشكل الجاليات وتوزيعها

عبـد النـاصــر طـه
خاص “المدارنت”… وكما سبق، فقد ابتدأت الهجرة الحقيقية، وتشكّل الجاليات العربية في أمريكا اللاتينية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، حيث سجل قدوم كثيف من المجتمعات العربية الخاضعة للسلطان العثماني، هاربة من حكمه وبطشه، وحيث توزع ابناء البلدان الشامية على دول أميركا الجنوبية ودول البحر الكاريبي، فاستقبلت الأرجنتين سوريين ولبنانيين وفلسطينيين، وكذلك كان الحال في البرازيل، ثم في فنزويلا وكولومبيا والباراغواي، التي وصلها عدد أكبر من الفلسطينيين، واستقبلت جزر البحر الكاريبي ودول أميركا الوسطى أعدادا قليلة من المهاجرين قياسا الى الدول الكبيرة.
واستقر مئات من المهاجرين الفلسطينيين في دول اميركا الوسطى، في السلفادور وهندوراس، منهم من قصدها بحثا عن عيش رغيد، وآخرون نزلوا من السفن التي كانت تقلهم الى الولايات المتحدة الأمريكية او الى تشيلي، حيث ظنوا أنهم وصلوا إلى وجهتهم المقصودة فعلا، ولم يكن أمامهم قد من العمل الدؤوب لجمع ما يكفي من المال لإستكمال رحلتهم الموعودة؛ ولكنهم تأقلموا مع الواقع الجديد، واعجبوا بتلك البلاد، في طبيعتها الخلابة، وشعوبها البسيطة، والحياة العملية المنتجة، ما سمح لهم ان يبدأوا حياة جديدة، في أماكن متقاربة سكنيا، يذهبون إلى العمل صباحا، ويلتقون عند المساء، يبثون همومهم الكامنة، ويتبادلون أحاديث المعاناة المزدوجة: البعد عن الوطن والأهل، ومعاناة تعلم اللغة والاندماج مع واقع غريب عنهم.
ومن الجدير بالذكر، أن غالبية العرب المهاجرين الى أميركا الوسطى، كانوا من طائفة الروم الأرثوذكس، بينما شكل المسلمون أقلية لا تتجاوز ال 20 بالمائة؛ أشار إلى ذلك أستاذ اللغة العربية وتاريخ الشرق الأوسط في جامعة كوستاريكا: Roberto Marino Guzmán.
وعلى الرغم من قلة عدد سكان دول أميركا الوسطى، وقلة مواردها الطبيعية، قياسا الى معظم دول أميركا اللاتينية، فلقد حضنت تلك البلاد الأقلية العربية المهاجرة اليها، وصارت جزءا منها فيما بعد، إلى أن وصل أبناء المهاجرين العرب إلى سدة الرئاسة في اكثر من دولة. ( سنفرد بعض الحلقات للحديث عن شخصيات مهمة ومؤثرة في مجتمعات اميركا اللاتينية عامة، وعلى كافة الأصعدة والمستويات ).
وبشكل عام، فإن أوائل المهاجرين كانوا رجالا فقط، فتيانا وفقراء، وضعوا جل اهتمامهم في بناء وضع اقتصادي جيد، من أجل مساعدة أهلهم في ربوع وطنهم الأم؛ في وقت كان المامهم باللغة الاسبانية ضعيفا ويكاد يكون معدوما.
في ذلك الوقت، كان البيع عموما يحصل في المتاجر والحوانيت، وكان المهاجرون يرون استحالة منافسة التجار المحليين في محلاتهم، فابتدعوا مذهبا جديدا في التجارة، ألا وهو البيع في الشارع، اي البيع المتجول، من حيّ إلى حيّ، ومن بيت الى بيت، وبأسلوب جديد على المستوى العالمي، وهو البيع بالتقسيط، وعلى دفعات محددة؛ ما جعلهم يتفوقون على نظرائهم من التجار المحليين او الأجانب، وغدوا بعد حين، في الدرجة الأولى في تجارة الجملة، وسيطروا بشكل لافت على معظم تجارة اميركا اللاتينية، في مجالات الأقمشة والالبسة والأحذية والعطورات، وغيرها من لوازم الحياة اليومية؛ ومع تحسن الأوضاع الاقتصادية وتوسع الأعمال التجارية، بدأ أولئك المهاجرون بإحضار عائلاتهم وأقاربهم للمساعدة، وهكذا بدأت تكبر دوائر الهجرة من جيل إلى آخر.
وكانت دفعات المهاجرين تتم على وتيرة واحدة تقريبا، إلا أثناء الأزمات الاقتصادية الشديدة، والحروب المتعاقبة في منطقة بلاد الشام، في حين سجلت كثافة الهجرة من فلسطين، بعد الحرب العالمية الثانية وبداية الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، ثم هزيمة الجيوش العربية، وإعلان قيام دولة إسرائيل العام ١٩٤٨؛ وكانت “تشيلي” حاضنة الهجرة الفلسطينية منذ ذلك التاريخ، لوصول عشرات الآلاف من ابناء فلسطين إلى أراضيها.
وكذلك، فقد حصلت موجة عارمة من الهجرة اللبنانية بعد العام ١٩٧٥، حين اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، وتوزعت ما بين البرازيل وفنزويلا وكولومبيا، وفي المثلث الحدودي بين البرازيل والأرجنتين والباراغواي، حيث يقدر عدد المهاجرين العرب هناك بـ٣٠ الف شخص يتوزعون بين مسلمين ومسيحيين.
وإجمالا، فإن الجالية العربية في المثلث الحدوددي مهمة جدا، بالنظر إلى عددها، وتركيزها في بقعة جغرافية صغيرة نسبيا، وقد اخذت شهرة واسعة بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث اتهم الكثيرون من المغتربين هناك بالتعاون مع منظمات إسلامية أصولية، تصنفها الإدارة الأميركية إرهابية، ومنذ ذلك الحين تمركزت في تلك المنطقة مخابرات اميركية وإسرائيلية ولاتينية من مجموعة دول، لمراقبة تحركات الجالية العربية.
الحلقة المقبلة (5) مبدعون في المهاجر



