مقالات

عن تصالح الدولة العراقية مع “إرهاب” الميليشيات الشيعية!

ميليشيات طائفية عراقية مسلحة بقيادة رجال دين “شيعة”

كتب صادق الحسن/ العراق

خاص “المدارنت”..

في عام 2008 خرج اللواء فاضل برواري، قائد جهاز مكافحة الإرهاب، بتصريح لقناة العربية مؤكداً فيه على أن المدعو “أبو درع اللامي”، الذي ينتمي الى ميليشا جيش المهدي، هو المسؤول عن قتل وأغتيال منتسبين من جهاز مكافحة الإرهاب.

كان تصريح برواري بعد صولة الفرسان، التي قادها رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي ضد “جيش المهدي”، وانتهت بهزيمتهم واعتقال القيادات البارزة منهم وهروب آخرین الىى إيران، كان أبو درع أحد الهاربين نحو إيران، وقضى هناك حوالي ثلاث سنوات قبل أن يعود إلى العراق.

اقترن إسم ابو درع بمنطقة “السدة”، وهي منطقة في بغداد كانت تلقى فيها جثث القتلى السنّة خلال الحرب الأهلية العراقية في 2005، وكان أبو درع هو المسؤول عن تنفيذ عمليات خطف وقتل وتغييب المواطنين السنّة، ورمي جثثهم في تلك المنطقة. لكن اللافت أن أبو درع اللامي، لم يحاكم على جرائمه، بل ظهر له فيديو مؤخراً وهو يسير بحماية ضباط من الجيش العراقي! (شارك أبو درع مؤخراً بعملية أقتحام المنطقة الخضراء ليلة 29 آب الماضي).

بعد نهاية الحرب الأهلية في العراق، بعد عام 2008، استمرت الدولة العراقية ومؤسساتها الأمنية والعسكرية والقانونية بملاحقة الميليشيات السنّية المتورطة بالحرب الأهلية، وقادتها المتورطين بقتل المواطنين الشيعة، وأصبحت هذه الميليشيات السنّية مُطارَدة، وتم إخراجها من المدن، وأصبحت تقيم معسكراتها ونشاطاتها في الصحراء.

تم اعتقال ومطاردة رموز بارزة من السياسيين السنّة، المتورطين في الحرب الأهلية أمثال ناصر الجنابي ومحمد الدايني وليث الدليمي وأحمد العلواني، وغيرهم، وتمت مطاردة آخرين مما أضطرهم الى مغادرة العراق، مثل طارق الهاشمي وحارث الضاري، بينما لم تقم الدولة العراقية بمطاردة أيّ من قادة الميليشيات الشيعية المتورطين في الحرب الأهلية، وحتى الذين تم أعتقالهم من قادة ميليشيا “جيش المهدي”، هم قادة من الصف الثاني، أما المنشقين عن “جيش المهدي”، فقد قام رئيس الوزراء نوري المالكي بتقريبهم منه، ليكونوا بعد سنوات قليلة النواة الكبرى التي تشكل جسم الحشد الشعبي.

الى الطلاب اللبنانيين والعرب الراغبين في متابعة دراساتهم الجامعية في تركيا

بعد تأسيس الحشد الشعبي، وجدت الميليشيات الشيعية ضالتها فيه، وأصبحت تتحرك بغطاء قانوني وشرعي، وقد قام الإعلام الرسمي والإعلام الموالي لإيران، بإضفاء طابع القدسية على مؤسسة الحشد الشعبي، والغرض من ذلك، وضع مِصدّة تحمي الحشد الشعبي من حملات النقد التي تواجهه بسبب العمليات العسكرية والأمنية، التي يمارسها لصالح قادة الميليشيات، وليس لصالح الدولة، مستغلين الصفة القانونية التي يتمتعون بها.

ارتكب قادة ميليشيا الحشد الشعبي، جرائم عديدة، خصوصاً تصفية متظاهري أحتجاجات تشرين الأول 2019، لكن لم يعتقل أحد من قادة تلك الميليشيات، وفق المادة أربعة إرهاب، فمثلاً، عندما اتهم القيادي البارز في الحشد الشعبي “قاسم مصلح”، بعملية اغتيال الناشط السياسي الكربلائي “أيهاب الوزني”، ورغم اعتقاله، بناءً على مذكرة إلقاء قبض رسمية، تمّ الإفراج عنه بعد أيام، حيث قامت قوات من الحشد الشعبي، بإقتحام مقر رئيس الوزراء في المنطقة الخضراء، وإجباره على الإفراج عن قاسم مصلح.

وحتى في الإعلام الحكومي الرسمي، لا توصف الميليشيات الشيعية بالارهابية، بل توصف أما بالسلاح المنفلت، أو بالميليشيا الخارجة عن القانون، ولا يعتقل أحد من أفراد تلك الميليشيات، وفق المادة أربعة إرهاب، رغم أنها تقوم بعمليات خطف وترهيب وابتزاز للمواطنين وعمليات سرقة لمؤسسات الدولة، كما حدث مع تفكيك مصفى بيجي النفطي وبيعه من قبل ميليشيا عصائب أهل الحق.

وهنا تلعب ميليشيا الحشد الشعبي، لعبة سخيفة مع الدولة، فعندما يتعلق الأمر بالامتيازات المادية (كالتسليح والتدريب والمرتبات والدعم اللوجستي)، فهي قوات رسمية عراقية، تخضع لأمر القائد العام للقوات المسلحة، وعندما يتعلق الأمر بالمسائلة القانونية عن جرائم (القتل والخطف وتهريب النفط والمخدرات واستهداف البعثات الدولية الديبلوماسية والسفارات)، فهي ميليشيا مقاومة لا تخضع للقانون وتخضع لأمر زعيم الميليشيا!، والعجب أن الدولة هنا تخضع لمنطق هذه اللعبة السخيفة.

من هنا تكمن خطورة الميليشيات الشيعية على المجتمع، ومستقبل العراق، كون الدولة متصالحة مع ما ترتكبه هذه الميليشيات من جرائم، بل وتوفر لها ما تحتاجه من غطاء قانوني ومعدات لوجستية لتسهيل مهمتها، وتحمي أفرادها من المسائلة القانونية.

كان مشهد القوات الأمنية قبل أيام، وهي تأخذ دور المتفرج في عمليات القتال داخل المنطقة الخضراء، بين ميليشيا “سرايا السلام”، وبين ميليشيا “الحشد الشعبي”، خير دليل على موقف الدولة العراقية، وتصالحها مع جرائم هذه الميليشيات.

مما تقدم في الأمثلة أعلاه، نفهم أن الدولة العراقية متصالحة مع الإرهاب، عندما ترتكبه ميليشيا شيعية، وبالنسبة للدولة العراقية، فالجريمة ليست مُدانة بحد ذاتها، بل هوية الجاني، ومذهبه الديني يحدد موقف الدولة من اتخاذ الإجراء القانوني اللازم لمعاقبة الجاني، فإذا كان الجاني ينتمي لميليشا شيعية، يتم التغطية على جريمته، وعدم اعتقاله، ويبقى بلا حساب ولا عقاب، وكأن الدولة العراقية تتبنى تطبيق قانون سكسونيا!.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى