مقالات

عن ناجي العلي وآخرين في ذكراه الثلاثين..  

محمد خليفة/ السويد

خاص “المدارنت”..

في الذكرى الثالثة والثلاثين لإغتيال ورحيل الفنان الشهيد ناجي العلي (1937 – 1987) رحمه الله، استرجعت الذكريات التي جمعتني به، أثناء عملنا معاً في مجلة (الشراع) اللبنانية عام 1982 في باكورة انطلاقتها.

كان أحياناً يشاركنا اجتماع التحرير الاسبوعي، وكان في أحيان أخرى يحضر بلا موعد محدد، وكان يأسرني ببساطته وعدم تكلفه ولا تصنّعه على عادة الفنانين والمثقفين من اليسار واليمين . كان بسيطاً في كل شيء بساطة الأشخاص الذين يرسمهم، في كلامه، وملابسه، وتصرفاته، حتى أنك إذا كنت لا تعرفه مسبقا ورأيته فلن يوحي لك مظهره أنه ناجي العلي الذي يعرفه ملايين الناس، أو أنه ذلك الفنان والمثقف المرموق، الذي أصبحت رسومه وتعليقاته الساخرة جزءاً من الطقوس الصباحية لكل المثقفين والمواطنين العاديين في لبنان، وبخاصة قراء صحيفة (السفير) ومجلة (الشراع)، اللتين كانتا تنشران رسومه في تلك الفترة من الحرب الأهلية اللبنانية والتي تميزت بالسخونة والعنف والحيوية.

كنا، وكان كل لبناني وفلسطيني وعربي يقيمون في بيروت، يشربون قهوة الصباح على موسيقى مارسيل خليفة، أو فيروز، ونحن نبدأ بمطالعة (السفير) من صفحتها الأخيرة، لنتأمل ونتذوق رسوم ناجي اليومية، ونستعيد تعليقاتها الساخرة خلال مناقشاتنا طوال اليوم للاحداث السياسية، لأنها لم تكن رسوماً فقط ، بل تعليقات معبرة عن أحداث وقضايا سياسية، تواكب التطورات العامة بحس قومي يساري تقدمي انساني مرهف، وناضج. وكانت تنافس افتتاحيات ومقالات كبار الصحافيين في ذلك الوقت.

 كان الصدق من أهم مزايا ريشته التي تعكس شخصيته، التي لا تعرف المجاملة والمداهنة والمواربة في التعبير، ولا ترحم المنافقين والمتلونين. وهذا بالضبط ما أوقعه في خصومات دائمة، وسبب له عداوات وخصومات مع كثير من أصحاب السلطة، بما فيهم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات رحمه الله، الذي أرسل له الكثير من التعنيفات والتحذيرات، ردًا على ما يصله من تعليقاته وانتقاداته الحادة، ورسمه في أعماله بطريقة بشعة!.

كان يلفت انتباهي كثيراً بصمته وقِلّة كلامه، حتى أنه يتجنب الخوض في مجادلات نظرية، ومناقشات طويلة، ولا يحاول استثمار شهرته ليقمع محدثه أو يفرض وجهة نظره، كان يحترم كل رأي، ويكتفي بتقديم رأيه بصوت خافت وهدوء، من دون انفعال وتكلف، ومن دون نبرات أستذة واستعلاء، وبأقل عدد من الكلمات، من دون إهتمام بوقعها على المستمع، وغالبا ما يطرق بعينيه نحو الأسفل وهو يتحدث، وبلغة عامية بسيطة جداً، وكأنه كان يأنف من كل ما  له صلة بسلوكيات ومظاهر المثقفين البورجوازيين!

 وكانت علامات الحزن والأسى محفورة في وجهه، وتميز صوته وتعابير سلوكه كلها، حزن مقيم وأبدي، ولكنه ليس يأساً، لأنه كان قوياً ومقاوماً وعنيداً وحاداً في مواقفه بلا مراوغة ولا مساومة.

حتى ملابسه ملابس شخص بسيط كادح، عامل أو موظف صغير، كأي لاجىء فقير من سكان المخيمات، ملا بس لا رونق لها ولا نضارة. يحمل على ظهره حقيبة صغيرة يملؤها برسومه الطازجة ملفوفة، ولوازمه الشخصية من أقلام واحبار. أما علبة سجائره فيضعها في جيب قميصه، لتكون في متناول يده في أي لحظة، فهو مدخن بشراهة وكثرة.

وكان يلفت انتباهي أيضاً بغزارة انتاجه, فهو يقدم يومياً رسماً واحداً على الاقلّ لجريدة (السفير), ويعرض علينا في (الشراع) العديد من الرسوم الجديدة، لننتقي منها ما نشاء، وهو ما يدلّ على وفرة وغزارة إنتاجه، وعبقريته الدفاقة!

لم يكن حزبياً، على الرغم من ازدهار الأحزاب والمنظمات الفلسطينية واللبنانية والعربية، اليسارية والثورية والقومية في ذلك الوقت، لعله كان يدرك استحالة حصره في قالب حزبي وسياسي ضيق، ولعله كان حركة سياسية قائمة بنفسها، ولكنه من ناحية ثانية كان واضح الهوية، فهو الناطق الرسمي باسم وجدان الانسان العربي المسحوق (المعتّر!)، الذي لا يُعيره أحد إهتماماً ولا وزناً، ولكنه حجر رحى الحياة ووقودها.

كان ناجي يساريا بالفطرة، ثورياً بالغريزة، قومياً عربياً بالسليقة والطبيعة، ومعادياً للبورجوازيات كافة، وللنزعة الفلسطينية الانعزالية، أو التصالحية والمساومة، ويهاجم الحكام العرب، باستثناء جمال عبد الناصر، الذي كان يحبه بلا حدود ووفيا لذكراه، ويخص أنور السادات بالازدراء والمقت, وقد رايته بالغ السعادة يوم اغتياله! ولم يكن بقية الزعماء ينطلون عليه، لا القذافي ولا الاسد ولا صدام ولا.. عرفات!

خلال اجتياح اسرائيل لبيروت في أيلول/ سبتمبر 1982، أصبح وضعنا نحن السوريون والفلسطينيون في بيروت حساساً وحرجاً، لأن مجموعات من عملاء اسرائيل و(القوات اللبنانية) الحليفة لها تبحث عنا في بيروت، للخطف والقتل، أو لنقلنا الى اسرائيل للتحقيق معنا كأسرى. ورغم أنني كنت مختبئاً في مكان آمن نسبيا, فقد ساورني القلق على ناجي العلي، فاتصلت بالزملاء في (السفير) لأطمئن عليه، فقيل لي: إننا نواجه مشكلة كيف نحميه، لأننا علمنا أن الاسرائيليين يبحثون عنه، ولكنهم استطاعوا تأمينه في منزل شخصية لبنانية مارونية وطنية, لها منصب رفيع في الدولة، فقلقت لنبأ أن العدو يبحث عنه، وأسعدني أنه في مكان آمن.

وقد علمت لاحقا أن الشاعر الراحل محمود درويش واجه نفس الخطر ،قبل أن يتم نقله الى خارج بيروت الغربية، بسيارة ديبلوماسية للولايات المتحدة, بناء على توصية وصلت للسفارة من واشنطن!

أحزنني كثيراً نبأ استشهاد ناجي، ولكنه  لم يفاجئني، لأن التجارب علمتني أن هذه النماذج من المثقفين والمبدعين المنتمين والملتزمين والمشتغلين بالقضايا العامة، معرضون دائما لهذه النهاية المأساوية. فاستخدام القلم والريشة بصدق وجرأة  يستفز أهل السلطة والنفوذ، ويحرضهم عليك، لا سيما في العالم العربي، حيث الحرية في جميع الاقطار لا تكفي مبدعا واحدا!. وكم من هؤلاء الكتاب والمبدعين انتهوا الى هذا المصير التراجيدي الذي انتهى له ناجي، فقضى بعضهم فوراً، وبعضهم نجا، وما يزال ينتظر، وما بدّلوا تبديلا!

القائمة طويلة, وما زالت تطول وتتضخم باستمرار، منذ عبد الرحمن الكواكبي شهيد القلم الذي طاردته مخابرات السلطان عبد الحميد الى منفاه الاختياري في مصر, ثم طاردت جمال الدين الافغاني وقتلته بنفس الطريقة التي قتلت بها الكواكبي, أي بالسمّ.. وهكذا دواليكم، وصولا الى سليم اللوزي، الذي أحرق زبانية حافظ الاسد بالأسيد يده التي كان يكتب بها مقالاته اللاذعة ضد طاغية دمشق، قبل أن يطلقوا رصاصة الرحمة على رأسه ويلقوا جثته في الاحراش.

ومع أن كثيرين حاولوا توجيه أصابع الاتهام الى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات بقتل ناجي، بناء على شهادات تفيد بنقمته عليه، بسبب استهداف الفنان للزعيم برسومه اللاذعة، فإنني شخصيا أستبعد ذلك تماماً، وأرى في هذا الاتهام الجزافي قرينة قوية على تورط الموساد الاسرائيلي، لأنه أكثر أصحاب المصلحة بقتله، والأكفأ في ترويج التهمة لعرفات، بطريقة احترافية عابرة للقارات.

والجدير بالذكر، أن اثنين من زملائنا الذين شاركونا مسيرة العمل في مجلة الشراع, وصحيفة السفير، تعرضوا للاغتيال إضافة لناجي العلي، هما المرحوم عاصم الجندي (السوري)، الذي قتلته المخابرات السورية، والزميل حسن صبرا، الذي أنجاه الله من محاولة اغتياله عام 1986، انتقاما منه لكشفه فضيحة (إيران غيت) 1986، وكذلك الزميل الكبير طلال سلمان، الذي تعرض لمحاولة اغتيال عام 1984، وأنجاه الله منها، والزميل المرحوم ميشيل النمري مؤسس مجلة (النشرة)، التي تخصصت  بشؤون المعارضات العربية، والذي اغتالته المخابرات السورية في أثينا عام 1985، والزميل خليل الزبن، الذي خلف ميشيل النمري في الاشراف على مجلة النشرة, واغتيل في غزة عام 2004  في ظروف غامضة جدا, وكثيرون غيرهم، وصولا الى الزميلين سمير قصير 2005 وجبران تويني 2007 في بيروت.

رحمهم الله جميعاً أمواتاً وأحياء.. السابقين واللاحقين!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى