“غمزة أفلاطونية” في كهف الجمهورية!

خاص “المدارنت”..
“ولذلك لن أنام بعد الآن
في مكان واحد مرتين
وكالطغاة أو الأنبياء المستهدفين
سأضع شبيهاً لي
في أماكن متعددة، في وقت واحد
لا لتضليل الوشاة والمخبرين، فلقد صاروا آخر اهتماماتنا…
ولكن لتضليل القدر…
وإني بهذه المناسبة
أنصح هذا الوطن الخرف العجوز
أن يقوم بنفس الشيء
ولا ينام في “خارطته” مرتين متواليتين!
وماذا يتبقى من الأوطان بعد أن بيع كل شيء تحت مسمى الخصخصة، والشراكة مع الأجانب، وفلول الإقطاع، والفساد وأمجاد التاريخ الغابر:
كل ماحولنا يتصدع ويتداعى
أين الأنقاض؟
هل باعوها سلفا…؟!
محمد الماغوط
.. لا أدري لماذا لم يركز أفلاطون، في قصة الكهف الرمزية، التي أخبرها من خلال شخصية سقراط، في “كتاب الجمهورية”، على حكام الكهف الذين يملكون كل شيء.. ويحركونها كما يشاؤون، ويشعلون النار، ويقيدون السجناء، ويحتجزونهم منذ الولادة، ويحافظون على تفوقهم من خلال الإيحاء للسجناء بأن الخدعة في رؤية الاطياف هي الحقيقة الوحيدة.. الحقيقة الوحيدة في تقيد أرجلهم وأعناقهم، وإجبارهم على النظر في اتجاه واحد.. أو بمعنى أصحّ، في تعويدهم على النظر في اتجاه واحدٍ فقط. اتجاه الحائط، الحائط الوحيد أمامهم في عمق الكهف، أو في عمق جمهورية الكهف..؟! اعتقد أفلاطون أن الفلاسفة وحدهم يفهمون كيف يبدو العالم حقًّا. فهم يكتشفون طبيعة الواقع بالتفكير، وليس بالاستناد إلى حواسهم.
وصف أفلاطون، كي يعضد هذه النقطة، كهفًا. في هذا الكهف أشخاص مقيدون بالسلاسل ويقابلهم جدار. يمكنهم أن يروا قبالتهم ظلالًا مترجحة يعتقدون أنها أشياءُ حقيقية. لكنها ليست كذلك. فما يرونه مجرد ظلال مصدرها موضوعات كائنة بإزاء نار هي خلفهم. يقضي هؤلاء الأشخاص حيواتهم كاملة ظانين أن الظلال الساقطة على الجدار هي العالم الحقيقي. ويتحرر واحد منهم بعد ذلك من سلاسله، ويلتفت إلى النار. يكون بصره في بادئ الأمر مُغشًّى، لكنه يبدأ بعد ذلك برؤية المكان الذي يحيط به. يتعثر طريقه خارجًا من الكهف، ثم يتأتى له أخيرًا أن يبصر الشمس. عندما يعود إلى الكهف، لا يصدقه أحد في ما عليه أن يخبرهم عنه بشأن العالم الخارجي. مَثَل هذا الإنسان الذي يتحرر من السلاسل كمثل الفيلسوف. فهو يبصر في ما وراء التمظهرات. أما الأناس العاديون ففكرتهم عن الواقع ضئيلة لأنهم يكتفون بالنظر إلى ما يقع قبالتهم عوضًا عن التفكير فيه عميقًا. مع أن التمظهرات مضللة. الظلال هي ما يرونه، وليس الواقع!
أستنادا إلى دراسات الباحثين حول تطور المجتمعات القديمة وتطور النظام المشاعي البدائي وأشكاله من المشاعية، مرورًا بمفهوم وماهية العائلة والملكية الخاصة لاحقًا، والدولة الأداة، وعلاقة ذلك بالتقدم الاقتصادي للمجتمع. ومحاولة تبيان وإظهار العلاقة بين نمو إنتاجية العمل وتقسيم العمل ونمو الطبقات ونشوء الدولة كأداة لدفاع الطبقة الحاكمة عن امتيازاتها. وقد استهدف المفكرون بذلك التدليل على أن (المشاعية) هي الأصل وأن الدولة مجرد تنظيم مستحدث بحكم انقسام المجتمع إلى طبقات حاكمة وطبقات محكومة، وبانتفاء الاستغلال الاقتصادي تنتفي دوافع نشوء الدولة، وما يرافقه من قمع وقهر وويلات أصابت المجتمعات والأمم والشعوب تاريخياً.. من قصص كوابيس ما قبل النوم في أوطاننا.. إلى قصص الكوابيس الليلية خلال النوم.. إلى قصص أحلام اليقظة.. إلى قصص ما بعد النوم.. وصولًا إلى قصص كوابيسنا اليومية المستمرة في عقولنا المستعمرة والجاثمة على صدورنا المحتلة كل يوم، وكل يوم، تبرز دائمًا في عقل الطفل البرئ الخائف فينا.. العقل الخائف من الغد…؟!
قصة علي بابا و”لأربعين” حرامي، قصة الأطفال الكلاسيكية والتقليدية التي أكل عليها أباطرة الفساد السياسي والاقتصادي والمالي حتى التخمة المالية والاقتصادية والسياسية والعقارية والمصرفية والاستثمارية، إلى آخر معزوفة رأس المال، والقيمة الزائدة والناقصة والمتحوّرة والمتحوّلة.. أكلوا عليها حتى التخمة.. وشربوا منها حتى الثمالة، كؤوس وانخاب الضحايا من الشعوب وطبقاتها العاملة، وطبقاتها العاطلة عن العمل.. طبقاتها الفقيرة المسحوقة والمعدومة والغائبة والمغيّبة عن وعي حقوقها وقدراتها حتى الثمالة… الأربعين حرامي، مجرد رقم افتراضي، لم يعد له قيمة حقيقية في عالم اللصوص”الكبار”، وفي عالم الرقمية الافتراضية والفساد المستشري بالمفهوم الاقتصادي – السياسي الافتراضي الكمّي والنوعي.. وعمل الطبقات العائلية الافتراضية.. والملكية الافتراضية الخاصة، ودولتهم الافتراضية… في الدول والأنظمة والحكومات والأحزاب والشركات الحاكمة افتراضيًا وواقعيًا.. في “اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، والمراحل المادية التاريخية التي مرت بها تاريخيًا.. والتي تعتبر الشيفرة السرّية التي تفتح مغاليق وأسرار العائلة والملكية الخاصة والدولة.. ودورها المتقدم في صيانة وحماية وشراكة “العائلات المقدسة” والطبقات المالكة المقدسة.. وديانات “الملكية الخاصة” المقدسة في ملكوت إله رأس المال المقدس..!
الاقتصاد السياسي، أو إدارة الدولة في أصل التسمية اليونانية – الاغريقية القديمة، كشيء متميّز عن إدارة البيت – بيت العائلة خصوصاً.. وبيوت المواطنين عموماً.. بيت المواطن، أيّ “الوطن”، بيت القصيد.. وفي القرن السابع عشر، أصبح المصطلح يقتصر على مناقشة المسائل ذات العلاقة بثروة الدولة ( مؤلف آدم سميث -ثروة الأمم )، من دون استبعاد الاعتبارات السياسية والمعنوية والاجتماعية والإدارية من هذا النقاش، الذي كانت تقوده الرأسمالية الصاعدة في ذلك الوقت من المادية التاريخية، تاريخياً… إلا أن تلك الاعتبارات أفرزت واستبعدت في القرن التاسع عشر، مع محاولة تحديد العلاقة بين الاقتصاد والسياسة والاجتماع، كعلم النظريات، وجرت محاولات للتفريق بين الاقتصاد السياسي، كفنّ تطبيق هذه النظريات على “الواقع” والواقعية المُعاشة على أرض الواقع.. إلا أن نهاية القرن التاسع عشر، شهدت التخلي التدريجي عن كلمة السياسي في التعبير، ولا سيما في اللغة “الانكليزية”، للتفريق بين علماء الاقتصاد وبين السياسيين الذين يستفيدون من موقعهم، ويسخرونه لخدمة أهدافهم.. وأهداف أترابهم وأقاربهم وأنسابهم ومشتقاتهم في “لجنة علي بابا الوطنية”، في ما يسمى الإنقاذ الوطني.. إلا أن ذلك، وعلى الرغم من كل المحاولات، لم يحسم النقاش حول تداخل العلوم الاجتماعية، ومجالات علم الاقتصاد ومنهجه. الإنقاذ الوطني، التعبير الذي يدل على تعبئة كل موارد وطاقات الامة من أجل إنقاذ المصلحة المشتركة إبان أيّ أزمة وطنية. ولقد استعمل هذا التعبير أول ما استعمل زمن الثورة الفرنسية، عندما هوجمت فرنسا من كل الجهات (لجنة الإنقاذ الوطني).. وهو، منذ ذلك الوقت، يعني كل حكومة قوية تتشكل بهدف إيجاد حلول للأزمات الخطيرة الوجودية، وإنقاذ البلاد والأوطان والشعوب من كل الأخطار المحدقة. والتي تصبح لجنة الإنقاذ الوطني ضرورة وطنية في وعي الضرورة الوطنية.. والدفاع والهجوم حتى نقطة الماء الأخيرة.. ونقطة الدماء الأخيرة.. ونقطة الكرامة الوطنية الأخيرة.. ونقطة النفط والغاز الأخيرة على ما اعتقد واؤمن.. اليست تلك، جزء لا يتجزأ من الثروات الوطنية والثروات السيادية، وحق من حقوق شعوبنا؟!
حسب المفهوم المادي للتاريخ، يشكل إنتاج وتجديد إنتاج الحياة المباشرة، العامل الحاسم في التاريخ – تاريخ المادية التاريخية. ولكنه مع ذلك ذوو طبيعة مزدوجة.. ثنائية “الحياة” و “الإنسان”.. ثنائية إنتاج وسائل وأدوات الحياة.. وإنتاج “الإنسان” نفسه.. ومواصلة إعادة إنتاج وسائل وأدوات الحياة والانسان من دون توقف..!
لم تعد قصص وحكايات وروايات الأطفال تنفع.. قصص ما قبل النوم، والاقتباسات الركيكة في عالم الذكاء الاصطناعي الذي أصبح أو أمسَى على أعتاب الثورة الصناعية الرابعة.. “الثورة الصناعية الرابعة”، هي التسمية التي أطلقها المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، سويسرا، في عام 2016م، على الحلقة الأخيرة من سلسلة الثورات الصناعية، التي هي قيد الانطلاق حالياً. وكما أحدثت الثورات الثلاث السابقة التي بدأت في أواخر القرن الثامن عشر، تغييراتٍ كبيرةً على حياتنا، تمثَّلت بتطوّر الحياة الزراعية البدائية التي استمرت نحو عشرة آلاف سنة، إلى حياة تعتمد “التكنولوجيا” على المستويين الفردي والمجتمعي. ها نحن على شفا ثورةٍ “تكنولوجيةٍ” جديدة، ستغيِّر بشكل أساسٍ الطريقة التي نعيش ونعمل، ونرتبط بعضنا بالبعض الآخر بها. “إن حجم التحوُّل ونطاقه وتعقيداته، سيكون مختلفاً عمّا شهدته البشرية من قبل”.
يقول كلاوس شواب، المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى، في مستهل جدول أعمال المؤتمر لسنة 2016م. تنطلق الثورة الصناعية الرابعة من الإنجازات الكبيرة التي حققتها الثورة الثالثة، خاصة شبكة “الإنترنت”، وطاقة المعالجة (Processing) الهائلة، والقدرة على تخزين المعلومات، والإمكانات غير المحدودة للوصول إلى المعرفة. فهذه الإنجازات تفتح اليوم، الأبواب أمام احتمالات لا محدودة، من خلال الاختراقات الكبيرة “لتكنولوجيات” ناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، و”الروبوتات”، و”إنترنت” الأشياء، والمركبات ذاتية القيادة، والطباعة ثلاثية الأبعاد، و”تكنولوجيا النانو”، و”التكنولوجيا” الحيوية، وعلم المواد، والحوسبة الكمومية، وسلسلة الكتل (Blockchain)، وغيرها. بعبارةٍ سهلة: الثورة الصناعية الثالثة تمثِّل الرقمنة البسيطة، أما الرابعة، فتمثِّل الرقمنة الإبداعية القائمة على مزيجٍ من الاختراقات التقنية المتفاعلة تكافلية عن طريق خوارزميات مبتكرة…؟!
العالم يتطور بشكل متسارع جدا، وبالذات في ظل الثورة الصناعية الرابعة، وعصر الذكاء الاصطناعي، و”إنترنت” الأشياء والعوالم الافتراضية، ومن يعد بالذاكرة إلى ما قبل 10 سنوات من الآن؛ فإن شكل العالم يبدو مختلفا جدا عما كان عليه عام 2011، ولكن ماذا عن العقد القادم، ترى كيف سيكون العالم بعد 10 سنوات من الآن؟ هل ستتولى “الروبوتات”، معظم المهام، وتستولي على وظائف البشر خلال العقد القادم؟ وهل سنجد مصادر طاقة جديدة ومبتكرة لمساعدتنا في مكافحة التغيّر المناخي؟ وهل سنعيش جميعا في عوالم افتراضية؟ ولكن، وكما يعد الذكاء الاصطناعي بإدخال تحسينات كبيرة في حياتنا اليومية، فإن لديه أيضا القدرة على إحداث أضرار كبيرة، وعلى سبيل المثال، قد تؤدي التحيّزات في بناء الخوارزميات ضد الأقليات أو جنسيات معينة أو أتباع ديانات معينة في الخوارزميات إلى حرمان هؤلاء من الوظائف أو التأمين الصحي، وهناك بالفعل تحذيرات من أن وضع التعرف على الوجه في الطائرات العسكرية من دون طيار، يمكن أن يخلق آلات قتل مستقلة ضدّ بعض بني البشر. ان تطور النظم الاجتماعية من عهد تاريخي إلى عهد تاريخي معين يشترطها مظهرا الإنتاج: درجة “تطور” الإنتاج من جهة، ودرجة “تطوّر” النظم الاجتماعية من جهة ثانية.. في ثنائية آخرى.. فبقدر ما يكون الإنتاج أقل تطورًا كميًا ونوعيًا بقدر ما تتجلّى تبعية النظام الاجتماعي للعلاقات “القديمة” بمزيد من “القوة”..
لم تعد قصص لصّ أو لصوص بغداد، وحصان طروادة، وعلي بابا والأربعين حرامي… وقصص كليلة ودمنة، وبساط الريح، وفانوس علاء الدين السحري، والشاطر حسن، وألف ليلة وليلة وشهريار “الفحولة” وتفاحة شهرزاد وفصاحة الديك في الصياح عند الصباح، والسكوت عن الكلام المباح تنفع، ولا تسمّن ولا تغني من جوع.. في زمن الجوع المعرفي والمعلوماتية في عصر المعلوماتية بامتياز معرفي وصل إلى مرحلة الرعب المعرفي في تطور المعارف الرقمية المعلوماتية… لم تعد تنفع احداث قصة علي بابا والأربعين حرامي وجرار النفط في بغداد والقدس وبيروت ودمشق وصنعاء… في العصر “الأموي” والعصر “العباسي” القديم الجديد.. أو القديم الجديد والمتجدد والمسترجع لغاية في نفس “يعقوب”.. أو لغاية في نفس “ياكوف” مصارع الربّ.. لم تعد تنفع قصص اللصوص التقليدية وباب المغارة المغلق بفعل سحر ساحر..
كما لم تعد تنفع معرفة كلمة السرّ السحرية “أفتح يا سمسم” في الدخول إلى الكهف.. وإفتح يا سمسم للخروج من كهف المغارة.. في عصر “الإنترنت”.. عصر “غوغل وفيسبوك وتويتر وإنستغرام، وتك توك”… عصر من يمتلك وسائل وأدوات الإنتاج الذكية.. في أضخم وأذكى عملية إعادة إنتاج وسائل وأدوات الإنتاج في التاريخ القديم والحديث معاً، إلى آخر سلسلة الإنتاج والنتنتة وإعادة الإنتاج والنتنتة المتواصل والمستمر…!
لم يتعلم شاعرنا الماغوط تعليما منتظما عاليا، يبرر به ذلك الإبداع العظيم الذي خلفه، فقد ترك المدرسة صغيرًا، بسبب فقر والده، مثله مثل الكثير من الشعراء والادباء “الصعاليك”، الذين تمردوا على “القافية” المخملية، وخرجوا من سطوة شعراء وادباء “الكلاسيكية” والتقليدية العربية والعباءة “الرسمية” وسطوتها لدى السجادة الحمراء الحاكمة بأمر “المال” والمحكومة بأمر المال.. سبحان ما فعل بنا المال وأمر المال… ولكنه بموهبته الشعرية وحسّه الجمالي الكبير استمع الماغوط إلى صوته الداخلي، صوت الفطرة الذي فتح بصيرته على الحق والعدل والخير والجمال، فعزف أروع النوتات بين جنبات السجون وعلى أرصفة المقاهي، كان “تروبادور” حزين متجوّل، يحمل كنانته ويرمي بسهام من قارص اللفظ فتصيب المقتل منا، كان لاجئ، أو بمعنى أخر جاء إلى هذه الدنيا لاجئ يبحث عن الحرية والخبز والنار والنور والإنسان في بلادنا. هو ديوجين العربي الذي سكن برميلا وحمل شمعته في وضح النهار ورائعة الشمس، يجول عبر الطرقات ويجول في الديار سائلًا:
أين الإنسان؟ أين العربي؟ هل كان المقهى والرصيف في مجتمعاتنا بديل الجامعة ومراكز البحث والتطوير؟ هل فشلت النخبة؟ وتحول المثقف إلى لاهث وراء المال واللقب الوظيفي والمناصب ونهاية مجتمع المعرفة؟ وطلبة الموقف والإبداع إلى طلبة الشهادة والخبز والاجترار والأمية الثقافية؟ وفي تقديرنا إن ذلك يصح كثيرا، فقد إنتهى دور المثقف “الفاعل” وحلّ محله المثقف “المفعول به”، إنتهى دور المثقف عموماً، وتم طرده بقوة الطرد المركزي إلى الهامش، وحلّ محله السياسي البهلوان ورجل الأعمال ولاعب كرة القدم ونجمة الإغراء ومغنية الملاهي والواعظ خمس نجوم، مثل القصّاصين والبصّاصين في مؤسسات السلطة زمن عبد الملك/ الأمويين.. وأبو جعفر/ العباسيين! هل أصبحنا أمة تعود القهقري إلى الأزمنة “الغابرة”، نحو المأساة الإنسانية الكبرى والمهزلة في عالم وجودي بإمتياز يعيش على طبول الحروب والثورات والمحاصصة، وإعادة رسم خرائط العالم والصناعات الذكية المرعبة في سرعة وصرعة تطوّرها الكمية والنوعية في “معبد” إنتاج الثورة الصناعية الرابعة.. وعلى أعتاب الثورة الصناعية الذكية “الخامسة” في “رعب” إنتاج وإعادة إنتاج المعلوماتية والمعرفة.. المعرفة الذكية…! من تنازل في قضايانا الرئيسة إلى تنازلات في أصغر قضايانا.. ومن تراجع في المواقف الكبرى إلى تراجعات حتى في مواقفنا الصغرى.. ومن نكبة بحجم احتلال فلسطين إلى نكبات بحجم العراق وسوريا واليمن وليبيا ولبنان والسودان.. ومن نكسة خسارة حرب 67، وخسارة سيناء والجولان والضفة الغربية والقدس الشرقية.. إلى نكسات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو النكسات.. ومن هزيمة هنا إلى هزائم من هناك.. ومن ربيع عربي مع وقف التنفيذ والاعتقال الاحترازي.. إلى خريف الغضب بين هياكل السلطات العربية المتحورة، وشعوب على سرير التجارب.. ومن خريف مختبرات الأمراض المزمنة والمستعصية إلى شتاء حروب الموت وتشيد المقابر…؟!
نحن من بلاد تُقرأ فيها الموالد وتعقد فيها الدبكات الشعبية والوطنية، وتعلو الزغاريد حين تولد حكومة حتى ولو مشوهة، بعد انتظار المواطن الطويل على سلالم السرايات من اجل مصالحه اليومية العالقة بين حكومة لا ترى، وحكومة لا تسمع وحكومة لا تتكلم.. حكومات من دون صلاحيات تُذكر.. حكومات ظل، أو حكومات طوارئ في أفضل أيامنا وأحسنها..
نحن في لبنان نعيش هاجس وجودي بإمتياز من رئيس بلاد نائم.. ورئيس عباد معجل مكرر.. ورئيس مكلف مع وقف التكليف، أطربنا مؤخراً بأغنية “العصفورية”.. أو، “بيمارستان” عهد “السيكوعونية” عهد السيكوباتية…! إقرأ سخرية الشعر العربي الملتزم بقضايا الناس وأوجاعهم وآلامهم..إقرأ يا مَن تقرأ عن سخرية الوجع والغضب من الاداء الرسمي في بلداننا، وخصوصاً لبنان هذه الأيام.. لبنان حكومة تصريف أو ظل أو محاصصة “تكنوقراطية”، أو مجرد أصنام أو مهرّجين على شكل معاناتنا اليومية في عقل الشاعر الباطني تاريخيًا، مثل: “شكلت حكومة ظل وطوارئ وتصريف و”تكنوقراط” ومهرجين، ورشحت لها كل أنواع الورود في العالم لوزارة الشباب.. والقمر لوزارة الكهرباء.. والمطر لوزارة الري.. والسنونو لوزارة المواصلات.. ونسرًا لوزارة الخارجية.. وببغاء لوزارة الإعلام.. والرياح لوزارة التخطيط.. وسكيرًا لوزارة التربية والتعليم.. وغجريًا لوزارة الإسكان.. وأبو النوّاس لوزارة الأديان وأبو السيّاف للسياحة.. والحجّاج لوزارة العدل.. وطفلا لوزارة الأعياد والأراجيح والحلوى، وأبو هريرة أمينًا عامًا للحزب الحاكم ولمجلس الوزراء ولاتحاد الكتاب والمعلمين والمهندسين والعمال والفلاحين، ولأي اتحاد أو نقابة أو مؤسسة فيها سرّ من الأسرار…؟! “حكومات الشرف الرفيع”.. وما أدراك ما الشرف الرفيع أو أدرانا..؟
يصف البردوني أشرف أشرافها سارقٌ.. وأفضلهم قاتلٌ.. مجرمُ عبيد الهوى يحكمون البلاد.. ويحكمهم كلهم دولار.. وتقتادهم شهوةٌ لا تنام.. وهم في جهالتهم نوّمُ.. ففي كل ناحيةٍ ظالمٌ غبيٌّ.. يسلطه أظلمُ.. أيا من شبعتم على جوعنا.. وجوعُ بنينا.. ألم تتخموا؟ ألم تفهموا غضبة الكادحين على الظلم؟ لا بدّ أن تفهموا.. لا بدّ أن تفهموا.. قبل فوات الأوان..؟!



