مقالات
فــلــســـــطــيــــن بــعـــــــد تـــرامـــــــــب..!

“المدارنت”..
لم تكن هزيمة ترامب مفاجأة كاملة، فقبل جائحة كورونا وعواقبها الاقتصادية المدمرة ، التى افترست أمريكا بأكثر من غيرها ، كان فوز الرجل البرتقالى برئاسة ثانية مرجحا وشبه مؤكد ، كانت مؤشرات الاقتصاد والتوظيف لصالحه تماما، وبعد اجتياحات كورونا ، انقلبت حركة البندول ، وصارت هزيمته واردة ، خصوصا بعد انتفاضة الشوارع الكبرى ضد عنصريته الفجة، وعلى نحو ما عبر عنه كاتب السطور مبكرا نسبيا، وما بدا فى مقالى المنشور تحت عنوان (أبعد من ترامب) بتاريخ 12 يونيو 2020 ، ثم قى مقال التوقع الأخير المنشور قبل شهر كامل من موعد الانتخابات الأمريكية ، الذى حمل عنوان (حروب ترامب الأخيرة) ، وظهر فى الثالث من أكتوبر 2020 ، وإن لم نغفل طبعا ، قوة القاعدة المؤيدة المتعصبة لترامب ، التى حصل بها على أكثر من سبعين مليون صوت انتخابى ، يستند إليهم فى معانداته ومعاركه القضائية قليلة الحظوظ، وفى رغبة عبر عنها فى إعادة الترشح بانتخابات الرئاسة المقبلة عام 2024.
وبعيدا عن تفاصيل ما جرى ويجرى ، فقد قضى الأمر ، وهزم ترامب نفسه بنفسه ، ووقعت الرئاسة فى حجر جو بايدن ، وقد حصل على أكبر رقم من الأصوات لصالح مرشح رئاسى فى مطلق التاريخ الأمريكى ، وفاز بالتصويت الشعبى والمجمع الانتخابى معا ، برغم الفتور البادى فى تكوينه الشخصى ، وتقدمه فى العمر بأكثر من ترامب ، وتاريخه الطويل من الفشل المتكرر فى اعتلاء كرسى الرئاسة ، وقد تطلع إليه مرات ، وسعى لترشيح نفسه منذ عام 1987 ، وخرج مبكرا من المنافسه مع باراك أوباما فى نيل ترشيح حزبهما الديممقراطى ، وكافأه أوباما بتعيينه نائبا للرئيس طوال ثمانى سنوات ، ثم عاود بايدن رغبته بالترشح فى انتخابات 2016 ، ومنعه أوباما بدعوى ضعف فرصه قياسا لفرص هيلارى كلينتون ، التى فاز عليها ترامب بأصوات المجمع الانتخابى ، ثم استهان بمنافسه (جو النعسان) فى الانتخابات الأخيرة ، الذى آل إليه مقعد الرئيس المنتخب بعد انتظار طال لنحو أربعين سنة .
وقد لا يهمنا كثيرا اسم سيد البيت الأبيض ، فهذه قصة تخص الأمريكيين بالأساس، وبلدهم الكبير المتراجع فى المنافسة العالمية العظمى مع الصين الزاحفة اقتصاديا وتكنولوجيا، يعانى انقساما مجتمعيا متفاقما ، ربما لم تشهده الولايات المتحدة منذ حربها الأهلية قبل أكثر من 150 سنة ، وهذه هى القضية الكبرى التى تشغل بال جوبايدن ، ومنحها الأولوية فى خطاب نصره الأول ، وإن كان يتطلع بالتوازى إلى ما يسميه “استعادة احترام” العالم لأمريكا ، بدءا بالعودة لالتزاماتها السابقة ، التى أطاح بها ترامب بجرة قلم ، من نوع عزم بايدن العودة لاتفاقية المناخ ، وإلغاء أوامر ترامب العنصرية بحظر دخول القادمين من دول ذات غالبية مسلمة ، وإلى غيرها من تعهدات “اليوم الأول” فى الرئاسة ، عقب حفل التنصيب المقرر فى 20 يناير 2021 ، وقد يضيف بايدن فى شهوره التالية أولوية لاهتمامات أخرى، من نوع ترميم التصدعات عبر الأطلنطى فى العلاقة مع دول الاتحاد الأوروبى، وربما استعداده لفتح حوار مع إيران بحسب رغبة الشركاء الأوروبيين ، وإجراء تنقيح إضافى للاتفاق النووى كشرط لعودة واشنطن إليه ، مع سياسة خشنة نسبيا تجاه تركيا إردوغان، ودعم اليونان وقبرص فى خلافات التنقيب شرق المتوسط ، فيما لا تبدو أحوال المنطقة العربية موضع اهتمام مركزى عند إدارة بايدن ، برغم تصريحاته المستفزة لعدد من الأنظمة القائمة ، وقد سارعت كلها لتهنئته ، فى حين تبقى إسرائيل (درة التاج) فى سياسة بايدن ، تماما كحال رؤساء أمريكا عموما ، وربما بطريقة مختلفة قليلا عن مقاولات ترامب (السلامية).
وقد لا يبدو ولاء بايدن لإسرائيل موضعا لاختلاف جدى ، صحيح أنه اقترب من الجناح اليسارى لحزبه الديمقراطى بحكم الحاجة الانتخابية ، وعين كامالا هاريس (الملونة) نائبة له ، وهى قريبة على نحو ما من الديمقراطيين التقدميين ، وأبرزهم السيناتور بيرنى ساندرز (اليهودى) ، وهو القيادى الديمقراطى الذى يتعاطف مع حقوق الفلسطينيين، وأعرب علنا عن معارضته لفاشية رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو ، لكن السيناتور هاريس ذات الأصول الهندية والجامايكية ، لا تبدو مهتمة كثيرا بقضية مراجعة الموقف من إسرائيل والفلسطينيين ، بل قد تبدو مغرمة أكثر بكسب دعم اللوبى الصهيونى فى الولايات المتحدة ، ربما من نافذة زوجها المحامى اليهودى “دوج إيمهوف”، الذى يدخل معها إلى البيت الأبيض، وبلقب “الزوج الثانى” بعد الرئسس، على طريقة اليهودى جاريد كوشنير زوج ايفانكا ترامب ، وليس خافيا سعى كامالا هاريس إلى طموح أعلى ، فهى أول امرأة نائبة للرئيس فى التاريخ الأمريكى ، وبالطبع أول ملونة فى المنصب الرفيع، وتفضل أن تبدو كنسخة نسائية من سيرة الملون باراك أوباما، وقد كان أول رئيس من نوعه فى البيت الأبيض ، وتدرك هاريس أن بايدن غالبا هو رئيس لفترة واحدة ، لاعتبارات تقدم العمر وأشياء أخرى ، وتسعى إلى كسب فرصتها المقبلة فى الترشح على مقعد الرئاسة، وإلى الاستفادة من موقعها الجديد لتقديم نفسها للعالم ، وكسب رضا إسرائيل بالذات، وهو ما يبدو متسقا تماما مع عقيدة رئيسها جو بايدن ، الذى قضى نحو خمسين سنة فى مناصب تشريعية وتنفيذية ، ويعد مثالا معجونا بماء وتقاليد وأسرار مؤسسة الحكم الأمريكية، ويعتبر نفسه “صهيونيا متشددا” برغم مسيحيته الكاثوليكية ، وسخر مرات من الذين يطالبون واشنطن بالاعتذار عن موقفها المؤيد بالمطلق لعدوانية وعنصرية إسرائيل ، وقال بالنص “لو لم توجد إسرائيل لاخترعناها”، فهو لا يتخيل دورا لأمريكا فى العالم وفى منطقتنا بدون إسرائيل وقوتها المفرطة ، التى تغنى أمريكا عن دفع تريليونات الدولارات لحشد جيوش وتسيير سفن حربية وطائرات، وهو ما يعنى ـ بمقتضى رأيه ـ أن إسرائيل أهم قاعدة أمريكية فى الدنيا كلها.
والمعنى ببساطة، أن بايدن أخطر من ترامب فيما يخص الولاء لإسرائيل ، فولاء بايدن أيدلوجى ، وعن اقتناع كامل ، وبسيرة ممتدة من “الصداقة” عبر أربعين سنة كما قال عنه نتنياهو ، أما ولاء ترامب ، فقد كان أقرب إلى منطق المقاولات والصفقات ، وحقق لنتنياهو كل ما أراده ، من تأييد ضم القدس والجولان ، إلى دفع دول عربية لتعجيل عقد “اتفاقات إبراهام” للتطبيع والتحالف مع تل أبيب ، وعلى ظن من ترامب أنه يكسب بذلك قوة اللوبى اليهودى الأمريكى إلى جواره فى الانتخابات الرئاسية ، وهو ما حدث جزئيا، فقد ذهبت ثلاثة أرباع أصوات اليهود كالعادة التاريخية إلى بايدن مرشح الحزب الديمقراطى ، الذى لن يتراجع عن شئ مما فعله ترامب لخدمة كيان الاحتلال الإسرائيلى ، وإن جاز ان يتصرف بطريقة تبدو أكثر رصانة وأقل ضجيجا ، ربما بمعين الخبرة المعتقة الذى يملكه، فقد يعيد إلى الفلسطينيين بعض معونات مالية أوقفها ترامب ، وقد يعود إلى دبلوماسية كلاسيكية تمتص الوقت ، ويعود لاجترار كلام متقادم عن “حل الدولتين” ، ولكن من دون ضغط على “حبيبته” إسرائيل ، فالأخيرة هى القاسم المشترك الأعظم فى سياسة وأولويات كل رؤساء أمريكا، وهى “المقدس” الذى لا يعلوه اعتبار آخر فى تيارات السياسة الأمريكية الرئيسية ، وحتى أوباما الملون بأصوله الأفريقية ، وقد كان أكثر حيوية بما لا يقاس إلى وهن بايدن ، وكان يبدى تعاطفا ظاهرا مع حقوق الفلسطينيين فى الحدود الدنيا ، ولم يكن نتنياهو يستريح إليه ، ولا تجمعه معه كيمياء توافق شخصى بأى درجة ، ويكتم غضبه من مواقفه المعلنة ضد توحش الاستيطان اليهودى فى القدس والضفة الغربية المحتلتين ، لكن آخر قرارات أوباما قبل مغادرته البيت الأبيض مباشرة ، كانت هدية ثمينة لإسرائيل ، وبقيمة 38 مليار دولار منح أسلحة متطورة لجيش الاحتلال الإسرائيلى ، فعلها أوباما ، ربما تكفيرا عن ذنبه فى إثارة حفيظة نتنياهو (!) .
وباختصار، لا تبدو طبيعة إسرائيل ككيان استعمارى استيطانى إحلالى مدانة فى التفكير الأمريكى السائد ، فقد نشأت أمريكا نفسها كذلك ، وعلى جثث مئات الملايين من الهنود الحمر، وهو ما يعنى بوضوح ، أن فرصة انصاف الحق الفلسطينى ليست فى أمريكا ، ولا فى البيت الأبيض ، وأن الترحيب الفلسطينى الرسمى بفوز جوبايدن من رام الله أو من غزة، قد لا تكون له قيمة عملية كبيرة ، فأمريكا ـ كإسرائيل ـ لا تفهم سوى لغة القوة وموازينها ، وهو ما قد يصح أن يتنبه له الفلسطينيون مجددا، ويتوقفوا عن الركض وراء الأوهام ، التى استغرقت من عمر قضيتهم أكثر من ثلاثين سنة، فالحل ليس فى واشنطن ، ولا فى مؤتمر دولى جديد على طريقة مؤتمر مدريد، ولا فى تفاوض ميت على طريقة أوسلو وأخواتها، بل فى رصاصة الفدائى وصرخة المقهورين.
المصدر: “القدس العربي”
========================



