مقالات

فنزويلا بين الدلف الأميركي والمزراب الروسي..!

عبد الناصر طه/ فنزويلا

خاص “المدارنت”..

(‏من تحت الدلف لتحت المزراب)، ‏مثل شعبي قديم من ايام الأجداد، يطلق على من يخرج من ضيق إلى ما هو أضيق منه.
‏ذلك المثل يعود إلى أيام زمان، يوم كانت سقوف المنازل من الطين الذي لا يصمد كثيرا أمام تساقط الأمطار الغزيرة إبان فصل الشتاء، ‏حين يبدأ المطر بالتسلل داخل طين السطوح فيبدأ تساقط القطرات داخل البيوت، وذلك يسمى (الدلف)، ‏فتتصدى له العائلة بأكملها، وتضع الاواني المختلفة من طناجر وسطول في أماكن سقوط الماء؛ ولا ينتهي ذلك إلا بانتظار ايام الصحو، ‏فيخرج الرجال لتسوية السطوح الترابية بالمحدلة، بعد رشها بطبقة من الطين الأبيض الناشف ممزوجة بالقش والتبن لرصّها ومنع تسرب المياه مجددا إلى الداخل.
‏أما المزراب، فهو عبارة عن أنبوب من بلاستيك او معدن يركب على سطوح المنازل الطينية لصرف مياه الأمطار وتسهيل جريانها باتجاه الحيطان، ولما كانت الشوارع والأزقة ضيقة فكان المشي فيها أثناء المطر عبارة عن مغامرة كبيرة حيث تتساقط المياه من مزاريب السطوح الترابية ‏ كالشلالات، فيتحسر القرويون على نقاط الدلف أمام غزارة المزاريب.
مادورو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين
‏هذا المثل العربي القديم ينطبق وصفه على أزمة الودائع المالية الفنزويلية في روسيا، بعد أزمة اقتصادية خانقة سببها قطع العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية عام 2019، وتجميد ودائع خاصة بالدولة الفنزويلية، وأخرى لرجال أعمال و سياسيين فنزويليين، ‏في بنوك أمريكا وبنوك حلفائها الذين شاركوا في حصار فنزويلا.
‏في هذا ‏الصدد، نحن أمام تقرير نشرته الصحيفة الاسبانية ABC منذ عدة أيام، تناولت فيه الذعر الذي أصاب ‏الطبقة الحاكمة ‏في فنزويلا من فقدان الضمانات الروسية بشأن ودائعهم واستثماراتهم في البنوك الروسية، بعد الغزو الروسي لأوكرانيا بتاريخ 24 شباط 2022 م.
‏الجدير ذكره، أن الحكومة الفنزويلية نقلت مكاتب شركة النفط الحكومية PDVSA من لشبونة إلى موسكو في آذار 2019 م، للتعامل مع جميع حسابات النفط والذهب والمعادن، وهذا التدبير ‏أنقذها من الانهيار على مدى السنوات الثلاث الماضية، لكنها اليوم مهددة بفرض عقوبات على حليفها الروسي، كما أشار المحلل بيدرو بوريلي، العضو السابق فيPDVSA.
وكشف بوريلي، عن مكالمة أجراها الرئيس مادورو بتاريخ 2 آذار 2022 أعرب عن قلقه البالغ على مصير مليارات الدولارات التي يمتلكها النظام ورجال أعمال وسياسيين ‏من فنزويلا في البنوك الروسية. ‏تلك المكالمة التي نشرتها وكالة تاس الروسية، أفادت بدعم الرئيس الفنزويلي لنظيره الروسي في عملية غزو أوكرانيا.
كما أوضح لبوتين أن فنزويلا لم تستطع التصويت في الامم المتحدة ضد إدانة روسيا، لانها متأخرة عن دفع ما يتوجب عليها من ديون للمنظمة الدولية، وهي عبارة عن ‏مبلغ يتجاوز 40 مليون دولار، وألمح انه إذا أقرضته روسيا المال فيمكنه الاعتماد على التصويت لصالحها لاحقا في أي قرار، ومع ذلك فإن بوتين أفاده أنه ليس في وضع يسمح له بتقديم منح أو قروض أو ضمان الودائع في البنوك الروسية، وحذر بالتالي من أنه “يجب تكبد خسائر كثيرة”؛ ‏لذلك فكر مودعون كبار بإرسال بعثة إلى موسكو لمعرفة كيفية استرداد الاموال عن طريق تحويلها إلى الصين أو تحويلها إلى عملات رقمية.
‏ويتضمن تقرير الABC، أسماء سياسيين وعسكريين لديهم ودائع بالمليارات في السوق الروسي، دون أي دلائل عن أسماء البنوك أو أرقام المبالغ المودعة، يضاف إلى ذلك إتهام بعض أولئك بإجراء صفقات مع رجال أعمال روس في قطاعات النفط والذهب، ‏ناهيك عن استثمار مزدوج في مناجم الذهب في منطقة الArco Minero الواقعة في ولاية بوليفار، وتبلغ مساحتها ١١٢ ألف كم٢، ‏وهي غنية باحتياطات الذهب والماس والحديد والكولتان والبوكسيت وغيرها من المعادن.
وبينما يشير التقرير إلى أنه لا توجد أرقام رسمية لحجم الاستثمارات، يورد أن قيمة الاستثمار الروسي في (حوض الأورينوكو) تتعدى المليار دولار.
فنزويلا عالقة ‏ما بين شكاوى الجمعيات البيئة العالمية من آثار التدمير البيئي ‏ ‏بحثًا عن الذهب في ولاية بوليفار، والحصار الأمريكي على كل ما تعلق بالاقتصاد الفنزويلي، لم تكن تتوقع الغزو الروسي لأوكرانيا لياخذ ‏قسما آخر من مدخراتها إلى مصير مجهول، وهكذا تترحم على ( الدلفة الأمريكية أمام المزراب الروسي )؛ وربما شكل غزو أوكرانيا فرصة ذهبية لفنزويلا كي تعيد ترتيب أوراقها وتعيد علاقاتها مع الغرب، علها تفرج عن أرصدتها المجمدة؛ وما ظهر في خطاب الرئيس مادورو البارحة ينبىء عن ذلك، حيث أعلن عن نية فنزويلا رفع سقف انتاجها من النفط إلى مليوني برميل يوميا نهاية هذا العام، ووعد الشعب الفنزويلي برفع الحد الأدنى للأجور إلى أكثر من 300 دولار شهريا.
مادورو مع بايدن عندما كان نائبا للرئيس أوباما
=======================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى