في المسألة الأخلاقية (2)

خاص “المدارنت”..
هل الأخلاق في الشكل أم في المحتوى؟
لا شك أن اصطلاح فلسفة الأخلاق يُراد به تلك الممارسة الفكرية العقلية التي تتكفّل إبراز المعايير العقلية التي يحدد الإنسان في ضوئها سلوكه الأخلاقي، وإيضاح مقولات الخير والشر والحسن والقبيح، والتي تكون (تلك المعايير) مختفية خلف الأحكام العملية الأخلاقية التي يسير عليها الناس ويمدحون فاعلها، وتشكّل مبررًا لها. ومن ثم، فالبحث في الفلسفة الخلقية بحث فلسفي يعتمد العقل كأداة في البحث والتحليل والاستدلال.
إن فلسفة الأخلاق ليست أخلاقًا، بمعنى أنها لا تمثل مجموعة قواعد سلوك خاصة، وإنما هي إطار نظري واقع خلف الأخلاق (ميتا أخلاق)، فهي نظرية عقلية عن الخير الشر والقيم والسلوك الأخلاقي، تفكك قواعد الأخلاق وتحلل بناها، وتقدم رؤية متكاملة عن الأخلاق. من هنا، واستكمالًا للمقال السابق الذي أجاب عن سؤال: هل الأخلاق في الفرد أم في الفعل الأخلاقي؟ يطرح هذا المقال سؤال فلسفيًا آخر هو: هل الأخلاق في الشكل أم في محتوى الفعل الأخلاقي؟ للإجابة عن هذا السؤال أشارت الكثير من الدراسات إلى اتجاهين رئيسيين هما:
الاتجاه الأول:
يحاول أنصاره (الفلاسفة التحليليون) تعريف الأخلاق في ضوء شكلها. حيث يدعون أنها تبدو في الطريقة التي تُصنع بها الأحكام الخلقية والطريقة التي يتم بها الوصول إلى الاستنتاجات الخلقية مثل الرجوع إلى المبادئ العامة العالمية في تبرير أفعال معينة. وفي هذه الحالة يصبح الشخص فردًا خلقيًا عندما يفكر بهذه الطريقة. ومن هنا يذهب كثير من الفلاسفة المعاصرين إلى تقديم صورة شكلية للأخلاق، فبعضهم ينظر إلى الأخلاق على أنها تنظيم سلوك الإنسان في مجالات الحياة الاجتماعية كافة ومن دون استثناء، بينما ينظر إليها بعضهم الآخر بوصفها لغة، لأن لكل لغة صورتها وبناءها. كما أنها تتألف من كلمات ومفهومات مترابطة ويمكن أن تستخدم بطريقة صحيحة أو خاطئة.
في ضوء هذه الاعتبارات تكون الأخلاق، كما يرى “جون ستيوارت ميل” “لغة الأمر الذي يعني أننا نستطيع أن نكتشف معنى “الخلقي”، وذلك من خلال دراسة شكل الحديث الخلقي، أي لغة الأخلاق”. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الخصائص الأساسية لهذه اللغة؟ وما قواعدها؟
يرى الفيلسوف الإنكليزي “برتراند راسل” أن للغة وظيفة خاصة هي إرشاد السلوك. ويشير إلى أن لغة الأخلاق هي نوع من اللغة الإرشادية، فلكي يكون الحكم خلقيًا مثل (من الواجب أن يحترم الشخص والديه) يجب أن يخبر الشخص بما يفعله مثل (احترام والديك)، ومن ثم فإن الوظيفة المتميزة للغة الخلقية ليست تقديم إجابات وصفية تتصل بالصواب والخطأ –كما تفعل اللغة العلمية- ولكنها بالأحرى تقدم إجابات إرشادية تتصل بما نفعل. ومعنى ذلك أن اللغة الخلقية يجب أن تكون مرتبطة على نحو وثيق بأفعال الناس. مثال ذلك: إذا سألنا شخصاً ما مبادئه الخلقية؟ فإن خير طريقة نتأكد بها من صحة أجابته هي أن ندرس ما فعل. وحجة بعض الفلاسفة هنا طويلة يمكن إيجازها في الآتي: لو أطلقت حُكمًا مثل: “ينبغي لي أن أحترم والدي” فإن هذا الحكم يمكن أن يكون حكمًا خلقيًا إذا قدمت الإرشاد أو الأمر المناسب لنفسي “دعني أحترم والدي” وأذعنت له، وإذعاني له يعني أن التزم “باحترام والدي بالفعل”.
غير أن بعض فلاسفة اللغة لا يوافقون على أي نوع من الإرشاد، بمعنى أنهم لا يوافقون على أن نحكم على الفعل حكمًا خلقيًا إذا كان بشكل محدد. وهنا تدخل الخاصية الثانية التي يؤكدها أنصار هذا الاتجاه، فالحكم الخلقي الذي أصدره، والأمر الذي أذعن له في موقف يجب أن أصدره وأذعن له في أي موقف مماثل، لأن الحكم الخلقي –كما يرون- عام بالإضافة إلى أنه إرشادي وفقاً للفلسفة التحليلية. ومن ثم فإن الجمع بين هاتين الخاصيتين (الإرشاد والعمومية) يؤدي إلى لغة حقيقية تتميز بالبساطة، فإذا أراد الشخص بوصفه فردًا خلقيًا أن يستخدم اللغة على وجهها الصحيح، فإن عليه أولًا أن يقرر الأفعال التي يكون مستعدًا لأن يسلم نفسه لها، ويقبلها في الوقت ذاته، بوصفها مبدأ نموذجيًا للفعل المفروض على كل شخص في الظروف المماثلة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا التفسير للأخلاق يشترك مع تفسير “كانط” الذي قدم في القرن الثامن عشر صيغة خلقية عرفت (بالأمر العام)، والتي عبر عنها بالكلمات التالية: “اعمل دائمًا بحيث يكون في استطاعتك أن تجعل من قاعدة فعلك قانوناً للطبيعة”.
يتضح مما سبق، أن تفسير أنصار الاتجاه الشكلي للأخلاق يؤدي كما هو متوقع إلى تفسير شكلي للتربية الخلقية، فهم يشيرون إلى أن الشكل وليس المحتوى هو الأمر المهم. وفي معرض تأكيده على الطابع الشكلي للأخلاق يقول “روجر ستروجان”: إنني مقتنع بأنه إذا فهم الآباء أولًا، ثم الأطفال ثانيًا الطابع الشكلي للأخلاق والمفهومات الخلقية فهمًا أفضل، فلا حاجة للقلق على محتوى المبادئ الخلقية للأطفال، لأنه إذا فهم الشكل بوضوح فإن المحتوى سوف يعنى بنفسه. ويحاول “ستروجان” آخذاً بعين الاعتبار الخاصيتين المتصلتين بلغة الأخلاق (الإرشادية والعمومية) أن يستنتج على ضوئهما عدداً من المطالب الضرورية للتربية الخلقية أعرضها على النحو الآتي:
1- إذا كانت وظيفة الأحكام الخلقية هي إرشاد الفعل وتوجيهه، فإن على المربي الخلقي أن يبين أنه نفسه يحاول مخلصًا الالتزام بمبادئه، وليس معنيًا بها على مستوى الكلام فقط.
2- إذا كانت الأحكام الخلقية هي إرشادية وليست وصفية، فينبغي أن نبين للأطفال الذين نُعلّمهم الأخلاق أن الأحكام الخلقية ليست قضايا تُعبّر عن حقائق يمكن تعلمها، ولكنها اختيارات للمبادئ تؤدي إلى تبني طريقة خاصة في الحياة.
3- إذا كانت الأحكام الخلقية تتضمن تعميم المرء لإرشاداته، فإن على التربية الخلقية أن تُعلّم الأطفال أن يضعوا أنفسهم موضع الآخرين، وهذا يقتضي بدوره القدرة على تبين مشاعر الآخرين، والتنبؤ بنتائج أفعال المرء عليهم.
4- إذا كانت العمومية تعني أن الفرد الخلقي لا يستطيع أن يُفضل مصالحه على مصالح الآخرين، أو يرى أن لوضعه امتيازًا على أوضاعهم، فإن على التربية الخلقية أن تُعلّم الأطفال أن يحبوا زملاءهم وأن يعدُّوا مصالحهم مساوية لمصالحهم.
وعلى هذا النحو يدعي أنصار الاتجاه الشكلي إمكانية تعليم الأطفال شكل الأخلاق، ويؤكدون أن الأطفال سوف يلتقطون أحيانًا بعضًا من محتوى مبادئ آبائهم ومعلميهم التي قد يقبلونها أو يرفضونها فيما بعد، ولكن الشيء المهم هو أنه ينبغي لهم أن يتعلموا على نحو صحيح كيفية عمل لغة الأخلاق، ومعنى الاعتقاد في مبدأ خلقي بصرف النظر عن محتوى ذلك المبدأ.
الاتجاه الثاني:
يرى أنصار هذا الاتجاه أن الأخلاق تُعرّف في ضوء محتواها، وأن القضايا والمشكلات الخلقية هي تلك التي تعالج موضوعًا معينًا مثل: البحث عن العدالة أو مراعاة اهتمامات الناس ومصالحهم، أو زيادة السعادة أو الرفاهية الإنسانية، أو تنفيذ بعض من “الوصايا العشر” التي صاغتها التوراة. وبناء على ذلك يكون سلوك الشخص خلقيًا عندما يسهم في تلك القضايا أو ينفذ تلك الوصايا عند اتخاذ قراراته وأفعاله.
ويؤكد “روجرز ستروجان” ضرورة مناقشة طرف الثنائية المتمثل بمحتوى الأخلاق بالتركيز على موضوع القواعد والمبادئ الخلقية، وحجته في ذلك أن أية محاولة لتعريف الأخلاق والتربية الخلقية عن طريق المحتوى، سوف تضطر إلى بيان ماهية هذا المحتوى في ضوء القواعد والمبادئ كونها الطريقة التي تُعبّر بها عن محتوى الأخلاق. فعلى سبيل المثال: إذا حاول شخص أن يبين أن الأخلاق معنية أساسًا بالعدالة أو الإحسان أو العفة أو الصدق، فإنه يشير في كل حالة من هذه الحالات إلى قاعدة أو مبدأ وظيفته إرشاد السلوك والمساعدة في حل المشكلات التي تتصل بما ينبغي عمله.

من هنا، فإن أي اتجاه خلقي يعتمد على المحتوى سوف يهدف إلى تعليم طائفة معينة من القواعد والمبادئ للأطفال، بحيث تكتسب شكل ميول وعادات لدى الإنسان، وأن تنفذ من دون إكراه خارجي أو داخلي. وعليه فإن الأخلاق هي جملة القواعد التي ينبغي إتباعها في عملنا، وفي حكمنا على أفعالنا من وجهة نظر الخير والشر، مما يجعل من القواعد نواة للسلوك.
وفي هذا السياق يؤكد “رالف بارتون بيري” على ضرورة الاحتكام إلى السلطة عند تحديد محتوى الأخلاق، لأنهم يعتقدون أن هذا المحتوى يمكن أن يوصف وصفًا كافيًا في ضوء القواعد والمبادئ التي تستمد صدقتها من الاحتكام كلية إلى سلطة خارجية. وفي معرض تأكيده على هذه الفكرة يشير إلى أن المبادئ الخلقية تتساوى في رأي كثير من الناس بالقواعد الخاصة بالسلوك الجنسي، وتعتمد هذه القواعد في تبريرها على التصريحات السلطوية للآباء والمعلمين. ووفقاً لهذا التفسير فإن معنى أن تكون خلقيًا هو أن تعيش وفقًا لقواعد جنسية معينة مثل “لا جنس قبل الزواج أو خارج إطاره” يؤيدها الاحتكام إلى السلطة مثل “هذا ما أخبرني به والدي أو ما يقول به الشرع”.
يتضح مما سبق، أن جزءًا كبيرًا من المحتوى الخلقي يمكن أن يستمد من الاحتكام إلى السلطة، على الرغم من أن إصدار التصريحات السلطوية غالبًا ما تستبعد إمكانية الحكم المستقل، فعبارة “إنني أفكر دائماً في مصالح الآخرين، لأن أمي أمرت بذلك، تختلف عن عبارة ” إنني أقول (لا) دائمًا للرجال المتزوجين، لأن أمي أمرتني بأن أفعل ذلك”.
وبالرغم من أن شيئًا ما لا يمكن اعتباره صحيحًا، لأن شخصًا قال إنه كذلك، فلا شيء يمنعنا، وبخاصة إذا كانت هناك أسباب وجيهة، من أن نراعي الإرشاد الخلقي التي توجهه بعض السُلط. فالمدرسة كسلطة عليها واجب أخلاقي واضح يتبلور في تنمية ذكاء المتعلم من أجل استغلاله لمواجهة ما يعترضه من مشكلات، ومن ثم، إذا كان هذا هو هدف المدرسة بوصفها سلطة فلا مانع من أن يأخذ أولياء الأمور والتلاميذ بإرشاداتها فيما يتصل بالتربية الأخلاقية، على أن تقوم المدرسة بعد ذلك بإجراء الاختبارات المناسبة من أجل أن يبرهن التلاميذ علميًا على ما تعلموه أخلاقيًا، وفي هذه الحالة تتسع مسؤولية المدرسة في تأكيد السلوك الأخلاقي.
من هذا المنطلق، تكتسب اقتراحات أنصار هذا الاتجاه تأييدًا إضافيًا عندما ننظر في ذلك الاتجاه من التربية الخلقية الذي يعتمد على وجهة النظر الأخلاقية التي تستمد محتواها من الاحتكام إلى السلطة. فمن الواضح أن الصور المتطرفة من هذا الاتجاه التي تعتمد كلية على واقعة أن سلطة معينة توجد وتوصي بشيء، تضع قوانين متصلبة للسلوك يتبعها الأطفال دون مناقشة، ويعززها العقاب الذي ينزل بالأطفال لخرق قواعد السلطة.
وبالرغم من ذلك يذهب “ليون برنشفيك” إلى أن أعلى وسام خلقي ربما يجعل لاحترام السلطة ذاتها، لأنه من خلال الالتزام بهذا المبدأ يمكن المحافظة على النظام. ولذا لا بد من التأكيد على ضرورة إطاعة الوالدين (كسلطة) واحترامهما، لأن التربية لا تثمر من دون هذه الطاعة وهذا الاحترام. بالإضافة إلى ذلك، فإن عصيان الوالدين تهور خطر، لأنه يعرض الطفل لأنواع الأخطار الجسدية والأخلاقية جميعها نظرًا لجهله بشؤون الحياة.
وهذا يعني أنه قد يكون الاعتماد على دور الأب أو المعلم بوصفه (سلطة) أكثر فاعلية في تقوية الأمر الخلقي. ومع ذلك فإنه بالرغم من أن هذا الأجراء يمكن تبريره أحيانًا، فإن الحقيقة التي تظل باقية: أن نظام الضبط الذي يحاول نقل قاعدة سلوكية للأطفال اعتمادًا على واقعة أن سلطة معينة تفرضها، لا يمكن أن يدعي أنه يفعل شيئًا يمكن وصفه خلقيًا أو تربويًا، فليس جعل الأطفال مطيعين هو نفسه تعليمهم أن يكونوا فاضلين، وتفيد بعض أعمال “بياجيه” في بيان أن الأطفال يعدّون القواعد السلطوية ذات خاصية مقدسة لا يمكن تحديها. لذا أكد “بياجيه” على نقل الطفل إلى التفاعل المستمر مع البيئة الاجتماعية، وذلك باعتماد مبدأ التعليم الجماعي، ورفض مبدأ السلطة.
مع ملحوظة أنه إذا كان “بياجيه” على حق، فإن الاحتكام إلى السلطة لا يمكن تجنبه في التعامل مع صغار الأطفال، بالإضافة إلى أنه إذا رغبنا في أن يمارس الأطفال حكمهم الخلقي المستقل في مرحلة معينة، فإن تقديم تبريرات بسيطة للقواعد لهم لا يمكن أن يكون مؤذيًا، ويمكن أن يشجع على النمو التدريجي للتفكير الخلقي الأكثر عقلانية.
وعليه، فإن التربية الأخلاقية للأطفال تزيد فكرة السلطة الخلقية وضوحًا، وتفيد في معرفة أن الإرشاد السلطوي هو جزء ضروري من أجل اكتساب السلوك الأخلاقي، فالتعليم نفسه يعني ممارسة صور مختلفة من السلطة، ومن ثم لا يمكن أن يكون تعليم الأخلاق للأطفال أمرًا غير سلطوي كلية على الرغم من أن الأخلاق لا يمكن تعريفها في ضوء طاعة السلطة فقط، فالأخلاق كما قال “أفلاطون”: “مربية الإنسانية بصفة عامة”.



