“فيلم” الى وردة… “ما بتمرقوا” إلّا على أجسادنا…!
خاص “المدرانت”..
كم هو مخطئ من ظن أن دماء الشهداء تمحوها الأيام وتصبح ذكرى، وتكنسها من الذاكرة حبات المطر… الشهداء سيبقون أحياء في القلوب والضمائر أبد الدهر، ينيرون لنا الطريق نحو المستقبل والغد الأفضل… ومن ذكراهم وسيرتهم ننهل القوة والعزيمة والتصميم والإرادة، لمتابعة طريق النضال ومواجهة التحديات…
وها هي شهيدة الوطن وردة بطرس إبراهيم، وبعد ثلاثة أرباع قرن تقريبا، تعود إلى الحياة مرة أخرى على أيدي مجموعة من الشباب، وتُبْعَثُ قضيتها التي كانت وما زالت قضية كل المواطنين الشرفاء في هذا الوطن، وذلك من خلال الفيلم التوثيقي «وردة للعمال»، الذي يروي صفحات من الماضي لأجل غد أكثر عدالة وإنسانية، ويعيد ترتيب أبجديات الأحداث وتفاصيلها، ويستفذ ذاكرة كل الذين قرروا النسيان، ويقرع أبواب ضمائر أولائك النقابيين الذين أخذوا النقابات العمالية إلى مستنقع النتن الطائفي والمذهبي، فأصبحت النقابات وبكل أسف، دكاكين تمثل الطبقة الحاكمة وفسادها وعهرها، ولم تعد تمت للعمال وقضاياهم ومطالبهم ولقمة عيشهم والمواطنين بصلة…!
تعود وردة الورود، وحلوة الحلوين الشهيدة وردة بطرس إبراهيم إلينا جميعا، وصرخاتها «ما بتمرقوا إلا على أجسادنا…!»… ما زالت حية في الضمائر، التي لم يتسلل العفن إليها، وعلى ترانيمها المتحدية عبر الزمن، وصرخات كل الشهداء الآخرين سوف تبنى قواعد الوطن الجديد، الذي نريده على مقاس جميع أبنائه ومواطنيه، وليس على مقاس رغبات خارجية، ولا الساسة الذين يبيعونه بالمفرق على أبواب السفارات ودول النفوذ لقاء مصالح ومنافع ضيقة… عادت الوردة بصوتها الملعلع عاليا كأذان في النائمين علهم يستيقظون ويتخلون عن أكل الجُبْن، ويبصقون في وجوه من سرقوا مُدَّخَراتهم وأموالهم وخيرات الوطن وحولوه إلى مزرعة وملكا خاصا لهم ولأبنائهم، وحرموا الشعب من الماء والكهرباء والدواء والطبابة والطحين والهواء النظيف…

اليوم ومن خلال هذا الفيلم تعود إلينا جميعا الشهيدة وردة بطرس إبراهيم ومعها أسمى ملكون.. وجوزفين أشقر.. وماري بلطجي.. ونجلا دكاش.. وبهجة نهرا… وكل تلك الورود الرائعة اليانعة، والرموز العظيمة المغروسة في حدائق المجد والبطولات… ولكن في القلب حرقة على ما حل في الوطن وأبنائه وعماله ونقاباته… حرقة على الانحدار الذي يسير فيه الوطن وساسته…! وأسئلة كثيرة حول مواضع أقدامنا، وأين نحن اليوم من زمن مجيد كانت الحركة العمالية تقدم فيه الشهداء والدماء الزكية على مذابح الوطن، ومن أجل الوطن وحقوق المواطنين، كل المواطنين بلا تفرقة بين مذهب ودين، ولا شمال أو جنوب، ولا من أجل فلان من الزعماء أو الساسة، أو من أجل هذه الدولة أو تلك…
يحكي فيلم «وردة للعمال»، قصة عمال مصنع إدارة التبغ والتنباك اللبنانية (الريجي)، يوم خاضوا نضالا عماليا حقوقيا من الدرجة الأولى، بعيدا عن أي مكتسبات شخصية… ويذكر معدوه في الإعلان الترويجي لفيلمهم ومبرراته «هي قصة بلد توحش نظامه الاقتصادي النيولبرالي حتى أتى على ما تبقى من الأمان الوظيفي والمكتسبات الحقوقية وكرامة العيش»… لقد كانت حادثة استشهاد المناضلة وردة بطرس إبراهيم على أبواب مصنع الريجي درسا في التاريخ والنضال. وقصة يوم أضربت فيه العاملات والعاملين عن العمل، مطالبين إدارة المصنع المذكور بحقوقهم، وبلقمة عيش كريمة. فأرسلت الدولة شاحنات النقل برفقة قوة كبيرة من الدرك لتحميل علب السجائر، وفض الإضراب بالقوة، كعادتها مع كل التحركات المطلبية المحقة… فتمددت النقابيات المضربات على الأرض أمام الشاحنات متحديات وهتفن بأعالى أصواتهن «ما بتمرقوا إلا على أجسادنا»…!
فما كان من الإقطاع السياسي الممثل بصائب سلام حينها، والذي يرفض دائما مطالبة العمال بحقوقهم أصلا، بل يرفض حتى مجرد رفع الصوت… إلا أن أمر الشرطة بإطلاق الرصاص الحيّ على المُعْتصمين والمعتصمات وكل المضربين، وذلك لفض إضرابهم وقمعهم بالقوة…! وكل ذنبهم أنهم رفعوا أصواتهم مطالبين بحقوقهم… فقط حقوقهم…! فاستمر إطلاق النار على العمال العزل وبشكل مباشر، كما في أفلام الوسترن الأمريكية، أو أفلام الصيد في أدغال أفريقيا، طوال 40 دقيقة…!
إن فيلم «وردة للعمال» هو نتيجة لعمل جماعي، تضافرت فيه جهود مخلصة لمجموعة من الشباب، وطاقات خلاقة ومخلصة لهذا الوطن، وللإنسان بكل أبعاده. فكانت الفكرة والإعداد لكل من كريم نمّور، ونزار صاغية. وأنتجته سينيتا شقير. وأخرجته ديمة أبو رجيلي. بينما كانت نور جروس المنتجة المنفذة. وقام بالمونتاج سرحان سرحان. وبعملية التصميم والتحريك وتركيب الصوت هادي الراعي. وبذلت الآنسة غادة صالح مجهودا كبيرا في البحث والإعداد والكتابة…
إن هذا الفيلم التوثيقي الحقوقي محطة مهمة في استعادة التاريخ المكتوب بالدماء النقية، ويجب أن لا يمر مرور الكرام، وخصوصا في مثل هذه الأيام العصيبة… بل يجب أن يكون فاصلا لما مضى، ولما سيأتي من بعده… أي منطلقا لوطن آخر، ونقابات عمالية حقيقية تمثل العمال وأبناء الوطن وحقوقهم، وليس السياسيين بعفنهم وفسادهم وطائفيتهم… ولو كنا في وطن يحترم دماء أبنائه وشهدائه ومواطنيه حقا، لتم تدريس قصة وردة ورفاقها للطلاب في مناهج تدريس التاريخ والمطالعة… وذلك لكي ينغرس ذلك اليوم العظيم يوم 29 حزيران من عام 1946 في ذاكرة وتفاصيل جينات كل طالب ومواطن في هذا الوطن…
وختاما شكرا لفريق العمل الذي قدم لنا هذا الفيلم، وذكرنا بوردة الورود، وكذلك الشكر لكل من ساهم في هذا العمل الرائع من قريب أو بعيد، فلقد أعدتم من خلال فيلمكم هذا الأمل إلى قلوبنا بأن الطوفان الذي سوف يكنس العفن المتراكم قد آن أوانه، واقترب ميعاده… شكرا لكم جميعا، ورحم الله الشهيدة وردة الورود، ورفاقها وكل المناضلين الشرفاء الذين سقطوا على مذابح الوطن… وسوف تبقى أصداء هتافاتكم لعنات في وجوه الدجالين مدعي الوطنية وسماسرة الوطن، وتجار ولقمة عيش المواطن إلى أن… وإلى أن…
هذا ويعرض الفيلم في 14 / 07 / 2022 عند الساعة 21، ورابط الموقع موجود أدناه…

الرابط: https://almadarnet.com/%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%aa/?task=edit&postid=50586




