مقالات

لبنان.. الدولة المؤجّلة من صيغة 1943 إلى الطائف!

معتز فخر الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”
يقف لبنان اليوم على حافة انهيار شامل، دولة بلا سيادة، وسلاح خارج مؤسساتها، واقتصاد ينهار تباعًا، ونظام سياسي محكوم بالمحاصصة. هذا الانهيار لم يهبط من السماء، بل هو نتيجة بنية تأسيسية هشّة لم تُنْشأ في أي مرحلة مشروعًا وطنيًا قادرًا على احتضان تعددية المجتمع وحماية الدولة.
لفهم اللحظة اللبنانية الراهنة، لا بد من العودة إلى لحظة التأسيس الأولى، حيث قام الكيان على سلسلة تسويات طائفية ثبّتت صيغة 1943، ووزّعت الرئاسات والمواقع الأساسية وفق توازنات هجينة جعلت الدولة رهينة المحاصصة لا الدستور. جاءت أزمة 1958 لتؤكّد أن لبنان أقرب إلى ساحة نفوذ خارجي منه إلى دولة مستقلة تخضع لمعادلات داخلية مستقرة.
ثم جاء اتفاق القاهرة 1969، فشرعن السلاح خارج الدولة وفتح الباب لانهيار تدريجي في سيادة المؤسسات. الحرب الأهلية 1975–1990 أكّدت أن الدولة عاجزة عن ضبط الداخل أو احتكار العنف أو إنهاء النزاع. أما اتفاق الطائف، فأنهى القتال لكنه لم يبنِ دولة حديثة؛ أعاد توزيع السلطة بين الطوائف وترك جوهر الأزمة بلا معالجة جذرية. واتفاق الدوحة 2008 أعاد تثبيت القاعدة نفسها: حلول خارج المؤسسات وعلى أساس صفقات مؤقتة.
هكذا، ومنذ 1943، عاش لبنان على هدنة لا على دولة، وعلى تسويات لا على استقرار.

حروب الداخل.. بنية سياسية تنتج الصراع
مع تراكم الإخفاقات البنيوية، دخل لبنان في سلسلة مواجهات وحروب كشفت هشاشة بنيته الداخلية. ثورة 1958 كانت انعكاسًا لصراع المحاور. الحرب الأهلية دمّرت البلاد وشردت مئات الآلاف، مؤكدة عجز الدولة عن احتكار العنف.
أحداث 7 أيار 2008 أعادت التذكير بأن الشارع والسلاح لا المؤسسات، هما أدوات الحسم. حرب تموز 2006 كشفت أن قرار الحرب والسلم خارج سلطة الدولة. ومع تدخل حزب الله في سورية، ثم انخراطه في الحرب من أجل غزة، بات واضحًا أن لبنان جزء من صراع إقليمي يحدده لاعب مسلح يمتلك قدرات تتجاوز قدرات الدولة نفسها.
كل حرب كانت تنهي السابقة، لكنها كانت تبني شروط الحرب التالية، لأن الدولة بقيت موجودة بالاسم فقط.

الدولة الموازية.. سلطة مسلّحة واقتصاد خارج القانون
لم يعد دور حزب الله محصورًا في الداخل. فقد انتقل تدريجيًا من لاعب لبناني إلى طرف إقليمي يمتلك بنية أمنية وعسكرية واقتصادية موازية للدولة. باتت الوقائع تشير إلى سيطرته على المعابر والمرفأ والمطار وممرات التهريب، ما استنزف المالية العامة وحرَم الدولة من مواردها الطبيعية.
هذا الواقع يطرح سؤالًا وجوديًا، كيف تقوم دولة لا تحتكر أمنها وحدودها وسلاحها وقرارها؟

الانهيار الاقتصادي.. جريمة وطنية
تزامن تفكك سلطة الدولة مع نموذج اقتصادي ريعي قائم على الاستدانة، والفوائد العالية، والقطاعات غير الإنتاجية. ومع غياب الرقابة وتراكم الهدر، أصبح الانهيار مسارًا حتميًا.
منذ 2019، انهارت الليرة نتيجة انهيار الثقة بالقطاع المصرفي والدولة، ما أدى إلى تراجع غير مسبوق في القدرة الشرائية. وتشير تقارير دولية لعام 2024 إلى أن الدين العام بلغ نحو 164٪ من الناتج المحلي. أما خسائر النظام المالي بين ودائع وديون وعجز بنيوي، فتُقدَّر بنحو 80 مليار دولار، ما يمثّل فعلًا “جريمة وطنية” ارتُكبت نتيجة غياب الرقابة وتواطؤ المنظومة المالية – السياسية.

المنظومة التي تمنع الإصلاح
لم يكن الاقتصاد يومًا منفصلًا عن بنيته السياسية. إذ وُلدت منظومة مصالح تجمع زعماء الطوائف بشبكات مالية وكيانات مسلحة. تتحكم هذه المنظومة بالقضاء، وتُعطّل الشفافية، وتعيد إنتاج الاقتصاد الريعي. أي إصلاح يُهدّد امتيازاتها، لذلك تتحصّن خلف السلاح، والتحاصص، وتعطيل المؤسسات.

المجتمع اللبناني.. ضحية أم شريك؟
أزمة الدولة ليست فقط أزمة نظام، بل أزمة مجتمع أيضًا. فقد أدت الحروب المتتابعة والانهيار الاقتصادي وتراجع الطبقة الوسطى إلى تفكك الروابط المدنية وعودة الهويات الأولية. تحوّل المواطن إلى تابع لشبكات النفوذ الطائفية لأن الدولة غابت، وتراجعت قيمة العمل والإنتاج أمام الزبائنية ومصادر الريع.
هكذا نشأت حلقة مفرغة، دولة ضعيفة تنتج مجتمعًا هشًا، ومجتمع هشّ يعيد إنتاج دولة مشلولة.

تعطيل المؤسسات.. مسرح سياسي مغلق
تتحكم المنظومة بإيقاع المؤسسات: الرئاسة تُترك شاغرة، الحكومات تُشكَّل بعد شهور طويلة، البرلمان شبه مشلول، وقانون الانتخاب يعيد إنتاج الطبقة نفسها. يتحول المواطن إلى متفرّج على مسرح سياسي مغلق لا يسمح بولادة قوى وطنية جديدة.
لا إصلاح ممكن داخل بنية سياسية تعمل بمنطق الغلبة لا بمنطق الدولة.

خطوات نحو دولة مدنية حقيقية
أمام هذا الواقع، يصبح الحديث عن الإصلاح تجميلًا للكارثة إذا لم يُرفق بمشروع تأسيسي يعالج الجذور. بناء الدولة يتطلب:
1. احتكار السلاح بيد الدولة
• نزع السلاح خارج المؤسسات وتسليمه للجيش.
• الالتزام بالدستور والقرارات الدولية 1559 و1701.
• تنفيذ خطة الجيش على كامل الأراضي.
لا دولة بلا احتكار شرعي للقوة.
2. قضاء مستقل كامل الصلاحيات
يحاكم الجميع دون استثناء ويُحرَّر من ضغوط الطوائف.
3. قانون انتخاب جديد
يسمح بولادة قوى سياسية وطنية لا وكلاء طوائف.
4. إعادة هيكلة الاقتصاد وضبط الحدود
تفكيك اقتصاد الظل وشبكات المافيا والسيطرة على المعابر البرية والبحرية والجوية.
5. إصلاح جذري للمؤسسات
بناء جهاز دولة قادر قائم على الشفافية والمحاسبة.
6. تعزيز المواطنة
من خلال التعليم، والعدالة الاجتماعية، وثقافة الانتماء الوطني.
7. أحزاب وطنية عابرة للطوائف
تقوم على برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي، لا على الهوية الطائفية.
على امتداد ثلاثة عقود بعد الطائف، لم يكن غياب الدولة مجرد خطأ تقني أو أزمة حوكمة، بل كان نتيجة مسارٍ تراكميّ أنتج تداخلاً خطيرًا بين شبكة السلطة والسلاح والاقتصاد. إن تفكك الدولة لم يكن حدثًا فجائيًا، بل حصيلة مسار طويل من تفريغ السيادة، وتحويل الاقتصاد إلى شبكة مصالح طائفية، وتحويل المجال العام إلى ساحة نفوذ وانقسام، وصولًا إلى لحظة لم يعد فيها النظام السياسي قادرًا على إنتاج استقرارٍ أو حتى إدارة الانهيار نفسه.

الدولة المدنية: خيار لا بديل عنه
ليست الدولة المدنية ترفًا فكريًا ولا مشروعًا إصلاحيًا مرحليًا، بل هي الحدّ الأدنى الذي يسمح للبنان أن يبقى وطنًا لا جغرافيا متنازعًا عليها. فكل الخيارات التي جُرِّبت من المحاصصة إلى التسويات المؤقتة، ومن السلاح الموازي إلى الاقتصاد الريعي قادت إلى النتيجة نفسها، تفكك الدولة وانكشاف المجتمع أمام الفساد والهيمنة والانهيار.
الدولة المدنية ليست مقولة نظرية، بل بنية حكم واضحة: دولة تحتكر السلاح، تُخضع الجميع لسلطة القانون، تبني اقتصادًا منتجًا، وتعيد الاعتبار للمواطنة باعتبارها الرابط الوحيد بين الفرد والدولة. هي التحوّل من منطق الغلبة إلى منطق التعاقد الوطني، ومن حكم المجموعات إلى حكم المؤسسات.
الوقت لا يعمل لصالح لبنان. وكل تأخير في بناء دولة مدنية قوية يعني مزيدًا من تفكك السيادة، وتفكك المجتمع، وتآكل ما تبقى من مؤسسات. الخيار اليوم ليس بين الدولة المدنية وأي نموذج آخر، بل بين الدولة المدنية وانهيار لا عودة عنه.
وفي جوهر التجربة اللبنانية المثقلة بالتاريخ والجغرافيا، يبقى سؤال الدولة سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا: هل يمكن لمجتمعٍ أن يستمر بلا عقدٍ ناظم يعلو على الطوائف ويصون الإنسان؟ إن الدولة المدنية هي وحدها الإطار الذي يحوّل العيش المشترك من صدفة جغرافية إلى إرادة سياسية.
ولبنان، في محيطه العربي، كجزءٍ لا ينفصل عن الأمة العربية، لن يجد استقراره خارج مشروع دولةٍ تستعيد دورها الطبيعي، دولة تمنع تحويله ساحةً لصراعات الآخرين، وتعيد وصل ما انقطع بين انتمائه الوطني وامتداده العربي.
الدولة المدنية ليست مشروعًا انتخابيًا، بل شرط بقاء لبنان، ومعها وحدها يستعيد اللبنانيون حقهم البديهي في وطن يحكمه القانون، لا السلاح والمحاصصة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى