مقالات

لبنان بين فكّيْ التفاوض وصراع المحاور!

معتز فخر الدين/ لبنان

خاص “المدارنت”
لم يعد الحديث عن المفاوضات بين لبنان و”إسرائيل”، مجرد نقاشٍ حول ترسيم أو ترتيبات أمنية أو احتمالات سلام، بل تحوّل إلى ورقة ضغط إقليمية تُستخدم في صراع أكبر يتجاوز لبنان نفسه. فالمشهد اليوم يُظهر بوضوح أن ملف التفاوض اللبناني؛ بات مرتبطاً عضوياً بمسار المفاوضات المتعثّرة بين الولايات المتحدة وإيران، بحيث أصبح لبنان؛ ساحةً غير معلَنة لليّ الذراع بين الطرفين.

من هذه الزاوية تحديداً؛ يمكن قراءة البيان الأميركي الأخير، الذي شكّل سابقة لافتة في تاريخ العلاقة بين واشنطن وبيروت. فالبيان لم يكتفِ بتشجيع التفاوض أو الدعوة إليه، بل أعلن بوضوح عن محادثات مكثفة تُعقد في 14 و15 أيار/ “مايو”، هدفها الوصول إلى “سلام دائم وشامل” بين لبنان و”إسرائيل”. بهذا الإعلان، انتقل الملف من دائرة التوقعات والضغوط السياسية إلى مرحلة المسار التفاوضي المحدد زمنياً، ما يعني أن هامش المناورة أمام القوى اللبنانية بات أضيق من أي وقت مضى.

الأهم في البيان، أنه كشف السقف الحقيقي للمفاوضات. فواشنطن لم تعد تتحدث عن ضبط الحدود أو منع التصعيد فحسب، بل عن مشروع سياسي متكامل؛ يربط السلام باستعادة سيادة الدولة اللبنانية الكاملة، وترسيم الحدود، وفتح مسارات الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار، وصولاً إلى نزع سلاح “حزب الله”. بهذا المعنى، لم تعد المفاوضات محاولة لإدارة النزاع، بل تحوّلت إلى رؤية أميركية شاملة لإعادة صياغة الواقع الأمني والسياسي في لبنان، وإغلاق صفحة ما وصفته واشنطن بـ“نهج العقدين الماضيين”.

هذا التطور يفسّر حجم الضغط المتصاعد على القرار اللبناني. فالمطلوب لم يعد مجرد موقف تفاوضي تقني، بل حسم خيار استراتيجي يتصل بمستقبل التوازن الداخلي اللبناني نفسه. وهنا تحديداً تتقاطع الضغوط الخارجية مع الانقسامات الداخلية، فتتعقّد الصورة أكثر فأكثر.

فالسلطة اللبنانية؛ كانت قد أبدت موافقة مبدئية على السير في مسار التفاوض؛ ضمن مقاربة رسمية تقودها الدولة، إدراكاً لحساسية المرحلة وضرورة منع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. إلا أن الانتقال من المبدأ إلى التنفيذ بقي محاصَراً بالتوازنات الداخلية والانقسامات السياسية، ما جعل المسار شديد التعقيد.

وقد دخل هذا المسار فعلياً مرحلة التنفيذ مع انطلاق الجولة الأولى في واشنطن؛ برعاية مباشرة من الرئيس الأميركي (دونالد ترامب)، وتحديد مواعيد جولات لاحقة، ما يعني أن الملف انتقل من مرحلة الضغط السياسي إلى مرحلة الاختبار العملي.

في المقابل، تتحرك إيران في الاتجاه المعاكس تماماً. فطهران تضغط بقوة على حلفائها في لبنان؛ لرفض أي تفاوض مباشر مع “إسرائيل”، أو أي مسار تفاوضي لا يمر عبرها أو يتقاطع مع حساباتها الإقليمية. وهكذا يجد الموقف اللبناني الرسمي نفسه محاصَراً بين ضغطين متعاكسين: ضغط أميركي يدفع نحو التفاوض المباشر، وضغط إيراني يصرّ على تعطيله أو تأجيله وربطه بمسار تفاوضي أوسع.

لكن اختزال الأزمة في لعبة المحاور الخارجية وحدها يُغفل جزءاً أساسياً من التعقيد. فالانقسام اللبناني حيال التفاوض؛ ليس مجرد صدى لصراع واشنطن وطهران، بل هو نتاج تراكمات داخلية عميقة. فـ“الثنائي الشيعي” يمتلك حسابات وجودية في الداخل، أبرزها تبرير سلاحه بخيار “المقاومة”، ورفض أي شرعنة للتعامل مع “إسرائيل”. في المقابل، ترى قوى معارضة عدة في التفاوض المباشر مدخلاً لاستعادة قرار الدولة وحصرية السلاح بيدها. وبين هذين الموقفين؛ يقف فريق ثالث منهك، يخشى أن يؤدي أي تفاوض بلا توافق داخلي إلى شلل المؤسسات أو انفجار فتنة.

يضاف إلى ذلك، البعد الاقتصادي، الذي أصبح حاضراً بقوة في الخطاب الأميركي نفسه. فالمفاوضات تُقدَّم للبنانيين ضمنياً كصفقة أمن مقابل إعادة إعمار، ومسار محتمل للخروج من الانهيار الاقتصادي عبر فتح أبواب الدعم الدولي والإغاثة. وهذا البعد يزيد من حساسية الملف، لأن أي قرار تفاوضي لم يعد سياسياً وأمنياً فقط، بل أصبح مرتبطاً مباشرة بمصير اللبنانيين المعيشي.

وهكذا يتحول لبنان تدريجياً إلى ورقة تفاوض بيد الآخرين، لا لاعباً مستقلاً في تقرير مصيره. فالولايات المتحدة؛ ترى في هذا المسار فرصة لإحداث اختراق في جدار النفوذ الإيراني في لبنان، بينما تعتبر إيران أن أي خطوة تفاوضية خارج إطارها تمثّل خسارة استراتيجية في واحدة من أهم ساحات نفوذها الإقليمي.

الأخطر أن لبنان؛ لم يعد مجرد ورقة تفاوض، بل بات ساحة ليكون “تعويضاً ميدانياً” عن أي فشل تفاوضي أميركي/ إيراني. فعندما تُغلق أبواب التسويات الكبرى، تبحث القوى المتصارعة عن ساحات ضغط بديلة، ولا توجد ساحة أكثر هشاشة وقابلية للاستخدام من لبنان.

لبنان، اليوم، ليس أمام خيار تفاوضي؛ فحسب، بل أمام خيار وجودي. فإما أن يستعيد قراره الوطني ويضع إنهاء حالة الحرب مع “إسرائيل”، ضمن إطار قرار الدولة وحدها، وإما أن يتحول مجدداً إلى ساحة تصفية حسابات بالوكالة. إن استعادة القرار الوطني لا تمرّ بالشعارات، بل عبر ترسيخ حصرية قرار الحرب والسلم بيد مؤسسات الدولة، وصوغ توافق وطني يحصّن الداخل قبل الانخراط في أي مسار تفاوضي.

في منطقة تتغير موازينها بسرعة، لا أخطر على بلد هشّ من أن يبقى متفرجاً على مصيره؛ وهو يُصاغ خارج حدوده. الزمن لم يعد يعمل لمصلحة لبنان، وأي تأخير في إنتاج موقف وطني جامع قد يعني أن الآخرين سيقررون عنه.. وعلى أرضه.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى