مقالات

لبنان.. لن يُذبَح مرتين!

د. حسّان محيي الدين*/ لبنان

خاص “المدارنت”..
مسكينٌ، شعب لبنان، لم يفرح كثيراً بالنموذج الخاص المميز، الذي اختصّ به وطنه الصغير بمساحته، الكبير بحضوره، الشامخ بأرزه.

لقد تسلّط على سدة الحكم، طبقة سياسية، امتد تاريخها منذ عهد الإستقلال الاول (1943)، مروراً بالإستقلال الثاني (2005)، وحتى أيامنا هذه، فلقد تغيرت الوجوه، وتبدّلت الصور، ولكن نفوس النهب والسلب والمحاصصة بقيت هي هي، إلا من رحم ربي.

فرنسا، الدولة الطامعة والطامحة لفرنسة الأرض، أنذاك، عندما وضعت يدها على أرضنا بإحتلال محكمٍ سمته (إنتداب)، واستعملت مصطلحات مموهة لتبعد شبح التسلط والتحكم بكل مقومات الدولة، بعد أن عملت مع حلفائها المتصهينين على تفكيك الأمة العربية والإسلامية دولةً دولة، مع إنشاء الحدود وترسيمها، وإقامة الحواجز وبنائها وعزل كل دولة عن دولة، وسلخها عن الدولة الأم (الخلافة العثمانية)، واعدةً عملاءها وأذنابها من الشعوب العربية بمسميات وهمية، لا تزال تحلم بها حتى اليوم (الحرية، السيادة، الإستقلال).

شعارات وهمية رفعا المحتلون الجدد، فوضعوا لنا (مسوّدة) دستور، لا تزال سارية حتى اليوم، مع أنها هي نفسها قامت بتعديل دستورها أكثر من عشرين مرة.

من هنا، علينا أن نعرف جيداً، ان سياسة لبنان وساسته محكومون من الدول الكبرى، ذات النفوذ والسلطة والقوة، ولا قرار حرّ وجريء يُتخذ من الداخل اللبناني، الموالي معظمه لرموز خارجية، لا تريد سوى الدمار للبنان واللبنانيين.

وحسبنا ان نعلم، انه في عام 1926، سمح المفوض السامي الفرنسي المحتل بإجراء إنتخابات لرئاسة الجمهورية، وكان معظم النواب يميلون لإنتخاب شخصية دينية فذّة لها حضور وواقع، من أصول طرابلسية (الشيخ محمد الجسر)، إلا ان المفوض السامي حلّ المجلس النيابي وألغى الإنتخابات، ضارباً عرض الحائط، دستور دولته الهش، وقامعاً لحرية اللبنانيين في اختيارهم، وعين شارل دبّاس رئيساً للجمهورية. من هنا، كانت بداية الصراع الطائفي في لبنان، الممتد منذ العقود الماضية، ولم ولا ولن ينتهي، إذا لم تُلغَ الطائفية السياسية أصلاً، من العقول والقلوب عند المواطنين اللبنانيين، وتُتَرجَم في إلغائها في توزيع المناصب والمراكز والوظائف في الدولة اللبنانية.

ولم يكن إتفاق الطائف ليكون، لولا الحرب الأهلية، التي بدأت (يمين ويسار)، وامتدت (مسيحية وإسلامية)، لتنتهي (مسيحية، مسيحية/ إسلامية، إسلامية)، وما ذلك إلا بسبب تعنت أحزاب السلطة وفراعنتها، الذين والوا زعماءهم في الخارج وأعلنوا طاعتهم العمياء، فكانت مكافأتهم، السلاح والعتاد والذخيرة، ليتدفق الدم اللبناني رخيص الثمن، وليسيطروا على منافذ الدولة ومقوماتها ومداخيلها ويستولوا على خزينتها، فمنذ تسعينيات القرن الماضي، تفاعل العالم، كله، الغربي والعربي مع القضية اللبنانية، ووهب المساعدات والقروض الميسرة، والهبات، ليقف لبنان مجدداً أميراً لدول الشرق الأوسط، ولكن أبى أمراء الحرب إلا ان ينهبوا ما قُدّم للشعب اللبناني المسكين، وصارت الأموال تتبخر إلى جيوب رجالات الوصاية السورية انذاك، وأذنابها في الدولة المُنهكة، فمن حينها تفشى الفساد وعشعش في الدولة عبر المنظومة الحاكمة، وأينع وأثمر وها هو حصاده (هباءً منثورا) (لا يسمن ولا يُغني من جوع).

مسكين يا شعب لبنان، ذُبِحتَ على الهوية والإنتماء والمذهبية، ولم يُراعَ في ذلك عهداً ولا ذمة، وها هي السلطة الحاكمة بأمرها اليوم، تذبح الشعب الثائر بعد نعي الديموقراطية المدفونة منذ زمن بعيد، وما بقي منها الا الإسم فقط، فصور التنكيل والقمع الذي نشاهده دون ان نعهده، ما هو إلا دليل إفلاس الطبقة السياسية الحاكمة، فبدلاً من أن تقوم بردم الهوة ما بينها وبين شعبها، والتقرب إليه ومد جسور السلام والأمان، إذ بها تُمعِن في القمع والإرهاب، دون مبالاة ورحمة.

ولكن هيهات، إن لبنان لن يُذبَح مرتين، طالما شريان الحراك الثوري والشعبي ينبض دماً يتدفق كل يوم على مذبح الوطن، عاشت الثورة.. عاش لبنان الثائر.. اللهم احمِ لبنان المجروح وأهله.. اللهم آمين.

* أكاديمي وداعية إسلامي.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى