مقالات
لبنان.. وساعة الحقيقة

خاص “المدرانت”..
لبنان الوطن الجميل والناس الطيِّبون والذكريات الحلوة و النجوم المتلألئة يختلف، تماما، عن لبنان السلطة وحيتان المال والفساد وكلّ انواع الأوبئة الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة وأخيراً، البيئية.
هذا البلد الذي كان مَضرَبًا للمثل، في غابر الأيّام، في حُسنِهِ وجمالِهِ ونظافةِ بيئتِهِ ومناظرِهِ ومناخِهِ الفريد، تحوَّلَ في المرحلة الاخيرة الى مَضرَبِ المثَل، أيضًا ، في الفسادِ والنهبِ وفقدان الضمير وسيادةِ آفات الغُشِّ والنَصبِ والاحتيالِ، وكلِّ ما يُعَطِّلُ دورةَ الحياة وفاعِلِيَّةَ واستقرارَ الإنسان.
نشأ لبنان، قديمًا، جزءا من محيطِهِ، يتمتّع بادارةٍ محلِّيّة، حينًا، ويتبع، سلطويًّا واداريًّا، في مُعظَمِ الأحيان، للأقوى والأكثر مالًا والأعزِّ نَفَرا. هذا اللبنان شكّلَ عبر العصور، ملاذًا شبهَ آمِنٍ لكلِّ مَن لم تعجِبهُ السلطةُ المركزيَّةُ المتحكِّمةُ في المنطقة – نظرًا لوُعورةِ جبالِهِ وصعوبةِ السيطرةِ عليها و مناعتها امامَ انتشار الجيوشِ.
.. وهكذا، عبر الازمنة المتعاقبة، تجمّعَ، على شواطئ بحرِهِ – من اجل الهروب السريع – وعلى مُنحَنَيات جبالِهِ – من اجلِ الاحتماء – اقوامٌ جمعهُم ظلم المُضطَهِدين أحيانًا، وطموح الراغبين في ركوب أجنحة المغامرات والحالمين في الايغالِ الى ما وراء البحار، في أغلب الاحيان.
بكلمة اخرى: كان لبنان محطّة تنتقل اليها الشعوب المقهورة والطامحة – الى ان يجعل الله لها فرَجًا في الوصول الى كلِّ بقاع الأرض المعمورة وغير المعمورة.
لكنّ هذا اللبنان كان، دائمًا، يتركُ اثرًا بالغًا ودامِغًا في نفسِ كلِّ من اكلَ خبزَهُ الشهِيَّ وشرِبَ ماءَهُ العذبَ وتفيَّأ تحتَ ظلال أشجارِهِ السخِيَّةِ والحنونة والتحفَ سماءَهُ الصافيةَ في ليالي الصيفِ التي تحكي نجومُها الفَ حكايةٍ وحكاية..
.. هكذا، الى أن أتى عليهِ حينٌ من الدهرِ حيثُ تسَلّلَ الى مواقعِ السلطة، التي أسّسها اتِّفاق سايكس/بيكو، في الحرب العالميّة الاولى، مجموعاتٌ من “المسؤولين” والسياسيّين الذين أمعنوا نهبًا وسلبًا وفسادًا وافسادًا، فسرقوا الاموال وأفقروا الناس وأفرغوا الخزينة وراكموا الديون، الى أن حَوّلوا هذا “البلد الملاذ”، الى بؤرٍ لكلِّ انواع شياطين الأرض وشذّاذ الآفاق.
لكن، هذه المرّة ليست كَكُلِّ مرّة؛ إذ تراكمت، بشكل سريع ومكَثَّف، سَرِقاتُ المالِ العامّ وغزا اهمال المرافق والخدمات العامّة المواقعَ كلَّها – من دون استثناء.
لبنان اليوم، هو بلد الآهات والويلات والمآسي المتناثرة في كلّ قريةٍ حيٍّ شارعٍ ومنزل. هو مسؤول فاقد للضمير، لا يعرف الله – ولا يريد أن يتعرّفَ عليه! مسؤولٌ باعَ القِيَمَ الانسانيّةَ كلَّها في السوق السوداء، واودَعَ أثمانَها دولاراتٍ في مصارف الخارج وفي مؤسّساتِهِ وأعمالهِ ومشاريعهِ وعقاراتِهِ – ومؤامراتِه. هو مسؤولٌ استخفَّ رعِيّتَهُ فأطاعوه! أكلَ الأخضرَ واليابسَ من تاريخِهِم وحاضرِهم وأحلامهِم وطموحاتِهِم ومستقبلهِم ومستقبلِ أجيالهِم – ومازلوا في عبادتِهِ يعمَهون!
لبنان اليوم تحوّل، بعلمٍ وبغير علم، الى مُواطنٍ مغلوبٍ على امرِهِ – بكلِّ ما في الكلمةِ من معنى؛ مواطنٍ مَقهورٍ مَنهوبٍ مُحارَبٍ مُحاصَرٍ مُحتجَزٍ مُرتَهَنٍ لا يلوي على شيء!
هذا المواطن، بغضّ النظر عمّا اذا كان لنا الحقّ ان نطلقَ عليه هذه الصِفة، لم يعُد يملك من أمرِهِ شيئًا غير الانتظار والنظرِ بدهشةٍ الى نداءاتِ الاستغاثةِ والاستجداءِ التي ملأ زعماؤهُ ومسؤولوهُ فضاءَ المعمورَةِ، بأصدائها الضائعة و تداعياتِها المؤلِمة.
المواطن اللبنانيّ، الذي كان يومًا يتغنّى بوطنٍ يمتاز بنوعيّةِ وخصوصيةِ وُجودهِ وكينونتِه، تحوّلَ الى شتاتٍ تتهاوى ولاءاتُه بين دول الاستعمار القديم والجديد، وبين سلال الأكل والغذاء والدواء من هناك القريب و هناك البعيد.
لبنان الذي عهدَهُ شعبُهُ وتغنّى بأرزِهِ ومجدِهِ، لمدى الأزمان، والذي عرفَهُ القريب والبعيد بسويسرا الشرق، ذهب مع الريح – ريحِ الفساد والافساد والنهب والغُشّ وتكالُب الاطماع من كلِّ حدبٍ وصوب.
لبنان، هذا، لم يبقَ له من حطام الدنيا الّا همّةُ ابنائه المغتربين، وبعض ابنائه المقيمين، ليشكِّلوا جسورَ إنقاذٍ وخلاصٍ من هذه المأساةِ الكبرى والعظمى، التي ابتُلِيَ بها هذا الوطنُ، بفعلِ اولي الامر، وتابعيهم بايذاءٍ الى يوم الدين..



