مقالات

لـبـنــان الـمُـصّــاب بـِنـَـا..

    أحمد ذبيان/ لبنان

خاص “المدارنت”..

 

يتحدّث الجميع حول الطبقة السياسيّة التي أوصلت لبنان الى الحضيض الذي هو فيه. هذه الطبقة التي تمثِّّل القوى السياسيّة الفاعلة، والقابضة بأيدٍ من كلّ المعادن، على الحياة الأمنية والسياسيّة والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في البلاد، والممسِكة بكلّ خيوط اللعبة الوطنيّة محلِّيًّا واقليميًّا ودوليا.

هذه القوى التي درج اللبنانيّون على اختيارها في الانتخابات، باختيارهم واختيار نُخَبِهِم ومفاتيح عقولهم وقلوبهم وبطونهم.

غادرت القوّات الفرنسية لبنان عام 1946، وبقيت فرنسا بمؤسّساتها ودستورها ووصايتها الثقافيّة والحضاريّة وتِركَتِها الطائفية المعقّدة، التي تسري في حياة اللبنانيّين مجرى الدم في العروق..

تركت فرنسا نظامًا برلمانيًّا، يعتمد على الانتخابات في كلّ مفاصل الحياة السياسيّة والعامّة، مبنيًّا على موازين مذهبيّة هشّة تنجح، حينًا، في مقاربة الاستقرار والتقدُّم، وتفشل أحيانًا فتتحوّل الى حروب طاحنة – بعضها سياسيّة واجتماعية، وبعضها الآخر أمنيّة وعسكريّة، تأتي على كلّ ما حقّقهُ اللبنانيّون من انجازات وتقارب واستقرار.

ألمُهِمّ في الامر، انّ فرنسا أسّست للّبنانيين نظامًا يعتمد على الانتخابات؛ هم ينتخبون مخاتير ورؤساء وأعضاء بلديّات قُراهُم واحياءهم، وينتخبون نواب برلمانهم، الذي ينتخب بدوره رئيس مجلس نوابهم، ورئيس حكومتهم، ورئيس جمهوريّتهم.

باختصار شديد، وَرِثَ اللبنانيّون هيكليّة للسلطة، تعطيهم حرّيّة اختيار من ينوب عنهم في ادارة دفّة الحياة العامّة بكلّ تفاصيلها.

ألسؤال الهامّ، بعد هذا العرض الموجز، الذي يطرح نفسَه بقوّة وجرأة: كيف تفاعل اللبنانيّون مع ذلك النظام العصريّ، المُفصَّل على قياس طوائفهم ومذاهبهم وزعاماتهم؟

بدلًا من ان يلجأوا الى تطوير النظام، الذي طورَهُ الفرنسيّون في بلدهم خمس مرات حتّى الآن، راحوا يغوصون في أعماق متاهاتِهِ، فيخلقون الازمة تلو الازمة، والمشكلة تلو المشكلة والحرب تلو الحرب، خدمة لمصالح القوى المذهبيّة السياسيّة، التي نشأت وترعرت في ظلّ الجهل والتخلُّف والتبعيّة، وفي احيان كثيرة خدمةً للاجانب من كل جانب.

أمّا الشعب اللبنانيّ، فانقسم الى شعوب مذهبيّة وفئويّة، تسعى الى ايّ شيء، ما عدا مصلحة لبنان وبقائه واستمراريته.

هذه الشعوب، لو تصرفت بوعي وادراك ولمصلحة حاضرها ومستقبلها ومستقبل أبنائها، لاستثمرت هذا النظام الديموقراطيّ، الذي انشأه الانتداب الفرنسيّ، للتغيير المستمرّ الذي يخدم عجلة التقدّم والتطوُّر وبناء الحياة الحرّة الكريمة.

بدلًا من ذلك، عملت هذه “الشعوب اللبنانيّة” على استغلال ذلك النظام، للمتاجرة والمحاصصة وكلّ اشكال البيع والشراء؛ فالمقاعد والمناصب – من الرئيس الى ادنى وظيفة في مؤسسات الدولة – كلٌّ بثمن، يُبتاع من الخارج والداخل، والناخب له ثمن – ايضًا – يتغيّر باختلاف المكان والزمان والمُنتخَب وحاجتِه.

تحوّلت الانتخابات مع الوقت، الى مواسم للافادة المالية والوظيفية والاجتماعيّة والسياسيّة، في جميع المواقع – كبيرها و صغيرها – بدلًا من أن تكون محطّاتٍ للتقدّم والتطوُّر والتغيير، وتصويب وجهة البلاد والعباد نحو الأسلم الافضل والارقى.

إذن، ما وصل اليه لبنان لا علاقة له بالظروف، بل بمسار ومسيرة ابنائه المُفترَضين – كلِّهِم، مسؤولين ومواطنين – الذين اسهموا، بنِسَبٍ متفاوتة، في الاخفاقات والانهيارات التي باتت تدكّ أساسات الوطن، الذي ظلمَهُ أهلُهُ وجيرانُه وكلُّ الاقربين..

تبقى الحقيقة الساطعة، انّ الشعب مغلوب على أمره، لألف سبب وسبب، ولا يُخَلِّصُهُ من هذه الحال المأساويّة، الّا نخبَةٌ قوية تؤمن بمشروع قيام دولة مدنيّة عصرية، تحترم الانسان، وتسعى الى حياة حرّة كريمة للمواطِن، والى مكانةٍ مرموقةٍ للوطن والشعب والأجيال الآتية..

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى