مقالات

لـبـنــان.. ومُــصـيـبــةُ الــحــكـــم!

أحمد ذبيان/ لبنان
خاص “المدارنت”..
لم تسَجِّل ذاكرة اللبنانيّين يومًا، أنّ السياسيّين في بلدهم قد انتخبوا بكامل حُرِّيَّتِهِم، رئيسًا للجمهوريّة، او اختاروا رئيسًا لتشكيل مجلس الوزراء، أو اتخذوا قرارًا سياديًّا من دون الرجوع إلى ارتباطاتهم الخارجيّة!
لبنان، منذ أن خرجت منه الجيوش الفرنسيّة المحتَلّة عام 1946 واصبح دولة مستقلة، بحدودها المعروفة والمعترف بها دوليًّا، بناءً على معاهدة سايكس/بيكو، لم يعرف الاستقرار الأمنيّ والاقتصاديّ والسياسيّ، الّا في فترات محدودة ومتقطِّعة، لم يتّسِع فيها المجال لأيّ بناء، يُسهِم في وضع البلاد على طريق مشروع الدولة القادرة والمقتدرة.
كانت التجاذبات الاقليميّة والدوليّة هي العوامل الاهمّ، وأحيانًا الوحيدة، التي تلعب بالسياسة الداخليّة اللبنانيّة وفيها؛ فلبنان المعتمِد كلِّيًّا على الارتباطات بالدول الاقليميّة والعالميّة، لترتيب أوراقِهِ وتسيير عجلة السياسة والاقتصاد والأمن، لا يمكنه ممارسة حياته بحرِّيّة واستقلاليّة – ولو بشكلٍ شبه نسبيّ!
تاريخ لبنان الحديث في هذه المجالات معروف للجميع، و لا يحتاج الى شرح او توضيح، لكنّ هذه المرّة تختلف كثيرًا عن كلِّ المرّات الماضية؛ إذ كان في السابق دورٌ للبنان المعاصر يجعل الدول الاقليميّة ومن ثمّ العالميّة، تسعى الى الاسراع والتسابُق في التدخُّل لتشكيل الوزارات، والتحكّم في المسارات المتعلِّقة بالأوضاع الاقليميّة.
هذه المرّة، لا يبدو انّ لأحد مصلحة في التدخُّل المباشر لإنقاذ الموقف – على الرغم من قناعة وتمنّي الكثيرين من اللبنانيّين – واعادة انتاج السلطة التي يمكنها الخروج من المأزق التاريخيّ الذي وصل اليه لبنان، بفعل مسؤوليه وسياسيّيه وأصحاب الشأن فيه.
دور لبنان في السياحة والمرفأ والمطار والمواصلات والخدمات الاقليميّة والدوليّة، أعطِيَ لإسرائيل، بتخطيط أميركيّ، وموافقة وتنفيذ عربيّ واقليميّ – منه العلنيّ، ومنه السرّيّ ومنه الضمنيّ.
لبنان فَقَد، للأسف، كلّ المميِّزات و التمايزات التي كان يتمتّع بها في عشرات السنين الماضية، بسبب اكتمال نضوج ترتيب وضع الكيان الصهيونيّ، على صعيد المنطقة العربيّة والشرق/ أوسطيّة كلِّها.
ما أوصلوا لبنان اليه من انهيار، بعلمٍ و دراية، لن تنقذه حكومةٌ من هنا او حكومةٌ من هناك، ولا معونة من أكلٍ او شرابٍ او تصريحات؛ فما كان مطلوبًا قد تمّ حصولُهُ على أكمل وجه، بأفضل الأساليبب وأوقَحِ الأدوار.
كلُّ المسؤولين في لبنان، كبيرهُم وصغيرهُم، مُسلِمُهُم ومسيحِيُّهُم، مُسَلَّحُهُم وأعزَلُهُم، كانوا يعرفون انّ المساراتِ المُتّبِعَةَ ستؤدّي الى الخراب – لا محالة – ولم يكن منهم الّا الاسهام الكامل، في دفع العجلات بكلّ ما أوتوا من قدرة على نهب وسرقة واختلاس..
لذلك، كلّ من يرى مستقبل لبنان بعيون الماضي، او حتّى بالحدّ الأدنى من ترتيبات الماضي، سيتفاجأ بأنّ الدنيا قد انقلبت رأسًا على عقب – وليس، فقط، تغيّرت.
لم يعُد امام لبنان – لكي يتنفّس- الّا ما تبقّى من همّة أبنائه المغتربين، ومن أبنائه المقيمين، الذين سيرمون اوهامَ الماضي وراء ظهورهم، ويمضون في رحلةٍ طويلةٍ وشاقّة، جدًّا، لبناء دولة مدنيّة عصريّة – ربّما تستولي على “حَيِّزٍ” من وجود ودَورٍ، في عصر لا يعلم معالمَهُ الّا الله والراسخونَ في صُنعِهِ وانتاجِه..
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى