مقالات

وطـــن تـســـووي!

ناجي سعيد/ لبنان

خاص “المدارنت”..

 

يبدو لي، أن غياب الرقابة على وسائل التواصل الإجتماعي، تساهم تمامًا في تدمير هوية وطننا الصغير. فهذه الوسائل في العالم الإفتراضي تُخرج الإنسان من العالم الكمّي، وهذا جيّد، لكن هذا لا يصلح في وطنٍ يعاني بعضُ أبنائه من فقرٍ تامّ بمعايير وقيم العالم النوعيّ. فالعديد من الناس لا يعلمون أن العالم الإفتراضي (النوعي) كالتويتر والفايسبوك وغيرها، يُستخدم للإعلان عن مواقف وآراء قيميّة معياريّة. وأنا شخصيًّا أجد من السلبي، أن تقتصر القيم لدى مستخدمي وسائل التواصل الإجتماعي على الأفراح والأتراح.

أي نعم، أنا مع الفرح وثقافة الحياة، ولا أحبّ الحزن والموت (ولو كان الموت حقّ)، لكنّ ما يغفل عنه الناس، هو أنّ وسائل التواصل الإجتماعي هي مساحة عامّة، وهم يتعاملون معها على أنّها مساحة خاصّة، فيسارع أحدهم الى النشر على صفحةه الخاصة على موقع فايسبوك مثلاً، إعلان وفاة أحد أفراد عائلته. ولا أعلم ما الشعور الذي يعتريه حينها. وهو بالطبع لا يأبه بالمشاعر هنا، فالحزن الذي يعتريه لفقدان عزيز يدخل ضمن مساحة خاصة، ولكن أن يشارك هذا الحزن مع أناسٍ قد لا يعرفهم، فهو قد نقل الحزن الخاص الفردي إلى المساحة العامة. وبذلك، قد بدّل من حاجته المُحقّة في التعبير عن إحساس الحزن (أو الفرح)، إلى متن وسيلة عامة، وهي تُلبّي حاجته إلى التقدير.

نعم، فبعلم النواصل الإجتماعي (واللاعنفي)، فإن الحاجة إلى التقدير تُلبّى، ولكن يختلف ملعب التقدير على إنجاز هو من أنجزه (كفكرة أو موقف او إنجاز علمي مثلاً)، عن الملعب في تقدير شعورٍ إعتراه. فالشعور الخاص بكلّ فرد هو شعور طبيعي لا مفّر منه. فهل يَعقُل أن يموت أو يتزوّج أو ينجح أحد أقربائنا ونكتم الشعور بذلك؟ كلاّ! لكن تُصبح الحاجة إلى التقدير مُخالفة في علم التواصل الإجتماعي. فالحاجة طبيعية ولا خلاف عليها.

وقد يعيّرني من يقرأ هذا المقال، حين يُذكّرني بأنّي قد وضعت صورتي مع ابنتي حين تخرّجت بنجاح في شهادة البريفيه. وجوابي صريح وواضح: كانت حاجتي بأنّ أُبرز مهارتي باللعب على الكلام. فقد أرفقت الصورة بجملة: خيرُ “سيلفي” لخيرُ خلفي، وقد علّق صهري بأنّي قد تفوّقت على أبي الذي أورثني هذه المهارة: هذا ما فات يوسف (أبي)، فهو ليس من روّاد التواصل الإجتماعي (الفايسبوك).

ليس هذا تبريرًا ولا إنزلاقًا في ما أنتقد أصلاً. بل إعترافًا منّي بأن هناك حاجة أساسيّة وراء استخدام وسائل التواصل الإجتماعي، والدليل المؤشّر على صحّة كلامي، هو استخدام السياسيين للتويتر.

مثلاً: يجهد وليد جنبلاط وجبران باسيل على سبيل المثال لا الحصر، في كتابة مواقفهم ممن الأحداث والمناسبات اليومية على التويتر، فلو أردت معرفة موقفهم من الإنفجار المشؤوم للعنبر 12، ومن زيارتيّ (الرئيس الفرنسي إيمانويل) ماكرون الى لبنان في غضون شهر، وقد خصّص في إحداها زيارة للسيّدة فيروز، الرمز اللبناني الذي يجمع اللبنانيين كشعب واحد. ومن يقرأ ويُحلّل سياسة، لا  أعتقد يغفل الرسالة السياسية من دولة إعتبرها اللبنانيون “الأُمّ الحنون”، بعد استعمار دام طويلاً، وطبع هويّته لجزء من المواطنين الذين اعتنقوا هذه الهوية في غياب هويتنا الأصيلة.

الهويّة التي حُقّرت بتفاهم “مار مخايل” الشهير، الذي حصد مآرب شخصيّة فردية، باعتبار الفرديّة هنا تُمثّل أيّ تيّار أو حزب، لا يعنى بمفهوم المواطنة اللبنانيّة! نعم فالنهج التسووي ليس سوى مساومة بين طرفين، أمعنا قُدمًا في تدمير “مصلحجي” على حساب فتات هذا الوطن.

والسؤال الأخير: أيّهما أخطر على لبنان، التغريدات “التويترية” التي تُطلق موافق سياسية تُفصح عن اصطفاف صاحبها مع جهات خارجية، كمؤشّر يضمن الدعم المعنوي والمادي لجهة حزبية، أم إعلانات الوفاة الخاصة على متن المساحات العامّة؟ّ

مثال: انتقل إلى رحمة الله/ إنّا لله وإن إليه راجعون… أو من آمن بي وإن مات فسيحيا/ المسيح قام حقًّا قام..

الحالتان تضمنان تناسلنا لإنقسام هذا الوطن الصغير، الذي تغنّى العالم بسياحة تتجسّد فيه بقرب الجبل من الساحل.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى