مقالات
قصة قصيرة من الإكوادور.. جحيم الغضب؟ الحلقة الأولى.

خاص “المدارنت”..
اعتاد قاطنو بناية الفردوس على سماع اصوات شجار وصراخ، يصدران من الطابق الثالث بين فترة وأخرى؛ ورغم ما كان يسببه ذلك لهم من قلق، فلم يحاولوا الاتصال بالشرطة أبدا نظرا للعلاقة الوطيدة التي تربطهم مع ساكني الشقة، عائلة “عمران”، العائلة العربية الوحيدة في البناية.
وكيف بوسعهم الشكوى على جارهم الدكتور وائل! وهو طبيب جميع سكان البناية وجيرانهم، يجدونه حين يطلبونه، ولا يسبقه أحد في تحية الصباح او تحية المساء، ناهيك انه لا يتقاضى أجرا بدل أتعابه حين يكشف على احد منهم.
لكنهم كانوا يتداولون في ما بينهم، حاجة أفراد عائلة عمران لطبيب نفسي، تلك العائلة الصغيرة التي تتشكل من زوجين وولدين، الزوجة “أوديت” لبنانية المنشأ، تزوجها الدكتور “وائل” أثناء زيارته مسقط رأسه في لبنان، بعد أن تعارفا في حفل زفاف أحد أبناء قريتهما. ورزقا بولدين، صبي وبنت، ولدهما البكر سليم، مهندس معماري تخرج من جامعة اميركية، ويعمل في شركة مقاولات كبرى في المدينة، والبنت ناديا، بلغت السابعة عشرة من عمرها، وتتابع دراسة المرحلة الثانوية في أحد معاهد المدينة بالقرب من منطقة سكن العائلة.
كانت الزوجة تسرّ إلى بعض جاراتها تعنيف زوجها لها ولأبنائها، وتشكو طبيعته الغريبة في تربيتهم، وقيامه بتطبيق اقسى العقوبات بحقهم، عندما يبدو له ذلك ضروريا، وتتحدث عن معاناتها اليومية، على الرغم من محاولاتها المتكررة لثنيه عن ذلك، واضطرارها أحيانا إلى الاستعانة بأهله أو بأهلها، للتدخل معه كي يغير أسلوبه، ولكن من دون جدوى. وكانت تبرر صبرها على قسوته، أنها لا تريد أن تخرب بيتها بيدها.
ابتدأت أزمة ناديا، بعدما تجاوزت سن الخامسة عشرة، عندما كانت ترنّ في أسماعها نصائح والديها، بعدم الارتباط بشاب أجنبي من غير قومها ومن غير دينها، وعن ضرورة زواجها المستقبلي من أحد شباب قريتهم في لبنان، ومن أقاربهم على وجه الخصوص؛ وذلك كان يشوش أفكارها ويزيدها اضطرابا، في ظل معاملة والدها التي كانت تزداد سوءا معها، ما جعلها فتاة غير مستقرة عاطفيا، خائفة من خطوط حمر ،رسمت لها جملة من الممنوعات على دفتر مستقبلها، حائرة بين القبول أو الرفض، وذلك أثر على سلوكها وعلى دراستها؛ فصارت تهرب من خطأ إلى خطأ، فتواجه بالتهديد حينا وبالعقاب الجسدي حينا آخر؛ ولكم ذرفت دموع الأسى عند مشاهدة أقرانها ورفاقها في صفوف الدراسة، وهم يدخلون إلى رحاب الدراسات الجامعية، فيما هي تتعثر في إنهاء المرحلة الثانوية.
وما إن بلغت سن السابعة عشرة، حتى تمرست في الرفض والتحدي، الممزوجين بالخوف والعقاب، وبدأ فصل جديد من حياتها لم تكن تتوقعه.
قبل بداية العطلة المدرسية بأسبوعين، قرأت ناديا إعلانا في صحيفة محلية، يتضمن عرض حيوانات أليفة للبيع، وكان من أمنياتها المرفوضة من أهلها، أن تطلب شراء قط صغير لتربيه في غرفتها، فلم تتردد غي الإتصال بالجهة المعلنة لمعرفة الانواع والأسعار، لأنها قررت شراء قطة صغيرة بيضاء أعجبت بمواصفاتها.
مانويل مورينو، شاب في الثلاثين من عمره، درس الهندسة المدنية في الجامعة الوطنية، من دون رغبة منه في هذا الإختصاص، وإنما لتحقيق رغبة والديه بذلك. وكان يخطط منذ صغره لإنشاء مؤسسة لتربية وبيع الحيوانات الأليفة، ابتدأها بتسويق القطط والكلاب، ولذلك اقتطع جزءا من بيت العائلة المؤلف من طبقتين، لإدارة شركته الصغيرة التي أنشأها مع شريك له يدعى “ألفارو دياز”، وهو طالب علوم في السنة الجامعية الثانية؛ فاشتهرت الشركة عبر إعلانات متنوعة في وسائل الإعلام، وساعدهم في التعريف بها أصدقاء وزملاء دراسة.
بعد ظهر اليوم التالي لاتصال ناديا بمكتب مانويل، انتظرته على مدخل المعهد لتستلم منه القطة الصغيرة البيضاء التي أعجبتها، وكان قد وعدها أن يحضر شخصيا لإتمام عملية التسليم.
وما إن دقت الساعة الرابعة بعد الظهر، حتى توقفت سيارة “جيب شيروكي” قرب بوابة المعهد الرئيسية، وخرج منها شاب يحمل سلة، يلمح من خلال ثقوبها شعر حيوان صغير أبيض؛ ليجد ناديا في انتظاره، ويتحقق من اسمها ورقم هويتها، ويقدم لها السلة، فتعطيه شيكا بمبلغ ثلاثمائة دولار، حسب الإتفاق أثناء المكالمة؛ ثم يضع الشيك في جيب قميصه، ويجول بنظره بين فتاة غمرها الإبتهاج وهي تحتضن قطتها الصغيرة، وبين طلاب غارقين في أحاديث يسمع ضجيجها من بعيد، محاولا استرجاع أيام جميلة في غابر الزمن، يوم كان طالبا في المرحلة الثانوية، غافلا عما يخبىء له القدر في الأيام القادمة.
بعد أقل من أسبوع، وصل الحظ السيء إلى عائلتيّ “روخاس” و”دياز” في سيارة أجرة، بعد أن اتصلت سيدة، قالت أن اسمها “ماري”، مبدية اهتماما بنوع من الكلاب الأوروبية، كان الشريكان يعرضانها للبيع في أحد الإعلانات المبوبة في صحيفة “البلد” الواسعة الإنتشار؛ واقترحت على مانويل، أن يلتقيا أمام مركز تسوق شهير، لكنه اختار أن تزوره في منزله، حتى تنتقي ما يناسبها مما لديه من حيوانات أليفة.
وخلال الأسبوع السابق،كانت ناديا تتصل يوميا بالبائع مانويل، ترجوه استرداد الشيك الذي قبضه لقاء بيعه القط الصغير الأبيض، مقابل أن تدفع له قيمة الشيك نقدا، لأنها تواجه مشكلات عائلية معقدة، بعد اكتشاف والدها سرقة شيك من دفتره؛ ولكن مانويل كان يرفض دائما ويبرر أنه صرف الشيك ولا مجال لاعادته؛ ولا تلبث أن تتصل به مجددا لتشرح له ما تعاني من خوف وترهيب، جراء اتهامها بسرقة دفتر شيكات والدها.
يوم اللقاء الموعود مع مانويل، قام الوالد وائل، بتتبع جميع وثائقه المالية، وعندما أدرك أن شيكا قد سرق، قرر مواجهة أهل بيته، وذلك ما أخاف ناديا كثيرا، وجعل أعصابها في مهب الريح، لأنها تعلم أنها لن تسلم من عقاب مؤلم، إذا لم يعد الشيك، ولم تكن قد تعافت بعد من أثر الضرب المبرح، وبقائها جاثية على ركبتيها ليلة كاملة.
وربما كانت تأمل خيرا من اللقاء المنتظر بعد الظهر، رغم خوف كان ينتابها من مقابلته بعدما دعاها إلى منزله؛ ولكنها كانت فرحة في الوقت ذاته، لأن حيلتها انطلت عليه، في اتقانها دور “ماري”، وعازمة أن تكون المرة الأخيرة التي تطلب منه اعادة الشيك، أو اعادة مبلغ ثلاثمائة دولار، واسترجاع القطة الصغيرة البيضاء؛ فإما استرداد الشيك أو المبلغ، أملا بإطفاء غضب والدها، أو تهديد مانويل بالقتل بمسدس حربي، حصلت عليه خلسة من أدراج خزينة والدها.
عند الساعة الرابعة، وصلت ناديا إلى الحيّ الذي يسكن فيه “مانويل” في سيارة أجرة، واضطرت للتوقف أمام خيمة صغيرة عند مدخل الحيّ، حيث يمنع الحراس دخول سيارات غريبة؛ وما هي الا دقائق، حتى وجدت نفسها أمام البيت الذي دلّها عليه بواسطة الهاتف، وهناك استقبلتها والدته، التي قدمت لها القهوة بحضور الشريكين “مانويل” و “ألفارو”.
وأمام تساؤلات قد تفضح خطتها، استطاعت في غضون لحظات أن تختلق لهما رواية تخفي حقيقة مجيئها، وهي أن المدعوة “ماري” هي خالتها، وهي تنتظرها عند مدخل الحيّ أمام خيمة الحراس، فاقترح مانويل أن يذهبوا جميعهم للقاء الخالة عند البوابة، وهكذا كان، حيث جلس الشريكان في المقعدين الأمامين للجيب، بينما جلست ناديا في المقعد الخلفي.
ثم بادرت مانويل بتكرار طلبها، اعادة الشيك او قيمة المبلغ، فرفض كعادته، وتكلم معها بغضب شديد، ما دفعها الى اخراج المسدس من محفظتها، وشهرته في وجهه قصد اخافته، وفي شجار قصير الأمد، غلب عليه الخوف، أطلقت النار على راسه فقتلته على الفور؛ وعندما انتبهت الى ما فعلته، نظرت بأسى إلى الشريك المرعوب “ألفارو”، قائلة: سامحني واعذرني أنا لست سيئة، ولكنني لا استطيع أن اتركك على قيد الحياة، لأنك شاهدت كل شيء. وافرغت في راسه بضعة رصاصات قاتلة، ثم اخفت المسدس، ونزلت من السيارة الجيب سيرًا على قدميها إلى مدخل الحيّ، مرورا بخيمة الحراس، لتصادفها سيارة أجرة، استقلتها عائدة إلى بيتها، مغادرة المكان من دون إثارة أو أثر، غير الرعب الذي تملكها منذ اطلاق الرصاصة الأولى.
صباح اليوم التالي، تصدرت أخبار الجريمة عناوين الصحف، نشرات اخبار وسائل الإعلام المحلية بعبارات: جريمة مزدوجة في حيّ كارولينا، والقتل المرعب يحصد الضحايا في أحياء العاصمة، وما شابه، لأن الحدث كان جزءا من فرضيات مختلفة، منها أن البعض كان يعتقد بوجود عصابة تقودها امرأة، هي سبب القتل، كما قيل أنه بعض الخاطفين قصد منزل المغدور مانويل قصد السرقة، ثم أطلق النار عليه وعلى رفيقه، بسبب المقاومة التي ابدياها، وسجلت الجريمة في عداد الجرائم الدامية، التي هزت المدينة في ذلك الوقت.
يتبع: الحلقة الثانية: (تحقيقات وشبهات).
=======================



