لواء إحتياط عبري: “إسرائيل” تسير مباشرة نحو الدمار!

“المدارنت”/ حين يكتب لواء احتياط إسرائيلي اسمه «يتسحاق بريك» مقالاً يعنونه بـ«إسرائيل تسير على طريق مباشر نحو تدمير الوطن»، فاعلم أن «دولة المعجزات» وصلت إلى لحظة لا تكفي فيها المعجزات. الرجل الذي يصفه التحليل بـ«نبيّ الغضب في إسرائيل»، يقولها بوضوح لا يقبل التأويل، «استمرار الحرب بشكلها الحالي لا يقودنا إلى النصر، بل يعيدنا إلى حالة من التراجع». والمفارقة الأقسى أن الصحافة العبرية اليوم أكثر شجاعة من بعض الإعلام العربي.
ما يُكتَب في «معاريف» و«يديعوت» يصعب على المُطبّعين العرب قراءته، فضلاً عن تصديقه. كأن «الجمهور العربي» لا يزال يعبد «الصنم» الذي بدأ سكّان الصنم أنفسهم بهدمه.
والمقال يضع إصبعه على كل الجراح المفتوحة. القوّات البرية الإسرائيلية «استُنزفت تماماً وفقدت قدرتها على حسم نتيجة أي حملة عسكرية». نتنياهو «استُبعد من المشاورات الاستراتيجية المحيطة بترامب». حماس «لم تُهزَم بل عادت للظهور»، وحزب الله «لا يزال يشكّل التهديد الكبير»، والتحالف ضدّ إيران «لا يحقّق النتائج المرجوّة». أمّا الأخطر فهو رصد بريك لـ«التحالف الاستراتيجي الجديد» بين تركيا ومصر وباكستان والسعودية، الموجَّه «صراحةً ضدّ المصالح الإسرائيلية». لواء احتياط إسرائيلي يُسمّي الأشياء بأسمائها، فيما يتجاهل المُطبّعون العرب رؤية ما يكتبه «حلفاؤهم» بأنفسهم.
أمّا الفقرة الأكثر إيلاماً لتل أبيب، فهي حين يقول بريك إن إيران «تُسرع إنتاج الصواريخ البالستية التي يُتوقّع أن يصل عددها إلى عشرات الآلاف في غضون سنوات قليلة بمساعدة صينية وروسية»، وأنها «تمتلك القدرة على إنتاج قنابل نووية في حين أن الجيش الإسرائيلي ودولة إسرائيل غير مستعدّين بشكل كافٍ لمواجهة هذا التهديد الوجودي». اعتراف صريح من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأن «اللعبة انتهت قبل أن تبدأ». ترامب يُعطي الأولوية للمصالح الأمريكية «أحياناً على حسابنا»، وإيران تُعزّز نفوذها عبر وكلائها، وإسرائيل «منشغلة بإخماد حرائق تكتيكية». هذا ليس وصف دولة منتصرة، بل وصف دولة في طريقها إلى ما يُسمّيه بريك بـ«الكارثة القادمة».
أمّا الحلّ الوحيد الذي يقترحه اللواء، فهو الأكثر صدمة، «لا مفرّ من استبدال القيادات السياسية والعسكرية التي أوصلتنا إلى هذا الواقع». نتنياهو ذاته، الرجل الذي «يُعطي الأولوية لبقائه السياسي على حساب احتياجات الدولة»، يُوصَف بأنه «يقود الموكب نحو الهاوية بينما يختبئ من حوله خوفاً من أي صوت معارض». هذه ليست لغة معارضة سياسية عادية، بل لغة «إقرار وفاة سريرية» لنموذج الحكم الإسرائيلي القائم. والذي يكتبها ليس صحفياً يسارياً ولا ناشطاً مدنياً، بل لواء احتياط في جيش الدفاع الإسرائيلي. والفارق هائل بين الاثنين، لأن كلمات اللواء «تُسمَع» داخل المؤسّسة بشكل لا تُسمع به أي كلمات أخرى.
في النهاية، حين يخلص بريك إلى أن «وقت المعجزات انتهى» وأن «قوة إسرائيل الحقيقية تكمن في قوتها الداخلية واستقرارها السياسي»، فاعلم أن المؤسسة الإسرائيلية بدأت تعترف بـ«حقيقة وجودية» كانت ترفض الاعتراف بها لعقود. إسرائيل التي بُنيت على «المعجزات» (من معجزة 1948 إلى معجزة حرب الأيام الستّة)، تصل اليوم إلى لحظة تكتشف فيها أن المعجزات «لا تُكرَّر» وأن «الواقع» يفرض قوانينه على الجميع.
والأكثر إثارة في تحليل د. العوني هنا، إشارته إلى أن «المسلمين الذين لا يؤمنون بالمعجزات بعد النبي محمد، يعتمدون على قدراتهم كانت صغيرة أو كبيرة، فيما تُحارَب إسرائيل اليوم باستدعاء المعجزات».
مقاربة لاهوتية–استراتيجية تكشف عمق الأزمة، شعب يؤمن بالمعجزات في مواجهة شعب يؤمن بالعمل. والنتيجة كما يكتبها بريك بنفسه، «إسرائيل تسير مباشرة نحو الدمار». ولأن النصّ كُتب بقلم لواء إسرائيلي لا بقلم محلّل عربي، فإن إغفاله أصعب بكثير ممّا يتصوّر المُطبّعون. السؤال الأخير الذي يطرحه المقال على نفسه، هل يقرأ المُطبّعون العرب ما يكتبه حلفاؤهم بأنفسهم، أم ينتظرون أن تكتبه لهم القنوات الناطقة بالإنجليزية؟



