مقالات

ما المطلوب من لبنان في ضوء استمرار العدوان “الإسرائيلي”؟

“المدارنت”
ما انفك العدو الإسرائيلي من الاستمرار في العدوان على لبنان، رغم اتفاق يونيو الذي أسهم في تهدئة القتال بين إسرائيل وحزب الله اللبناني. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد لهذا العدوان أن يستمر، لكن الأوراق التي وفرتها هي لنفسها بهذا الصدد، ليست كفيلة بمنع التصعيد، لأن الولايات المتحدة وإدارة الرئيس دونالد ترامب تحديدا، لا تضغط على إسرائيل.

هي تتمنى على إسرائيل، وربما تطالبها بتنازل طفيف لا أكثر، ولكن على مستوى السياسة الأمر متروك فعليا لإسرائيل في التصرف. وعليه فإن لبنان في مأزق، لأن الملاذ الوحيد له هو الولايات المتحدة، ولكنه ملاذ غير حقيقي، أي أن الولايات المتحدة بغض النظر عن النوايا، ليست قادرة على منع إسرائيل من العدوان. وهذا العدوان متوحش لا يأخذ بعين الاعتبار الضحايا المدنيين أو المنشآت المدنية. وهذه كلها تؤطر على أنها بُنية تحتية عسكرية لحزب الله، والمستهدف كان عددا من عناصر الحزب، وكأنّ هذا يُبرر قتل المدنيين، ولكن نحن أمام أمر واقع بأن لبنان اليوم في حالة ليس من سبيل فيها للتأثير على إسرائيل، إلا الولايات المتحدة، وهذه الأخيرة تُحجم بهذا التأثير إلى حد كبير.

في ظل هذا الواقع فإن خيارات لبنان محصورة بضرورة الشروع بمراجعة داخلية لبنانية، فمقاربة السلاح التي كان يُعوّل عليها حزب الله اللبناني لم تكن ناجعة، وقد يستطيع التبرير بأن الرغبة الإسرائيلية بالتوسع قائمة، والدليل على أنها توسعت في سوريا، من دون أن يكون هنالك فعل مقاوم، أو وجود خطر من جانب سوريا ضد إسرائيل. ولكن بغض النظر عن هذا الجدال، فإن السلاح اليوم يوفر حجة لإسرائيل لكي تتمكن من دفع الداخل اللبناني إلى الشقاق. وعليه يجب أن يكون الملاذ الحقيقي للبنان هو، قدر من الوحدة الوطنية وأئتلاف وطني لبناني حقيقي.

لكن هذا غير قابل للتحقق، فيما الانقسام فيه حول السلاح قد وصل إلى هذا الحد. من الموكّد أن من مصلحة إيران أن يستمر حزب الله بالتمسك بسلاحه، بغض النظر عما يجري في لبنان، لأنه ورقة ضغط بيدها، لكن الداخل اللبناني، والواقع اللبناني، والمصلحة اللبنانية، جميعها لا تتفق مع المصلحة الإيرانية. بالتالي السعي إلى وحدة وطنية لبنانية بأي شكل من الأشكال هو السبيل الوحيد للنجاة.

إن المشكلة الكبرى هنا هي أن حزب الله اللبناني، يرد على القائلين إن مقاربة سلاحه غير ناجعة، بالقول إنه في ظل هذا الوضع فإن مقاربة المفاوضات من قبل الحكومة مع إسرائيل، هي غير ناجعة، بل وعبثية تماما. بالتالي فإن هذا الوضع سيجعل لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما مراجعة داخلية للموقف برمته من قبل جميع الأطراف، أو قد يتفجّر الوضع الداخلي اللبناني، كما تراهن على ذلك إسرائيل، التي هي بالفعل تحاول أن تنقل المواجهة الى الداخل اللبناني.

ربما ستكون أكثر ذكاء في الخطوات التي تقدم عليها، لو تجنبت الإضرار بالمدنيين بالشكل الذي تُقدم عليه الآن، وربما كان بإمكان الفريق الذي يطالب حزب الله بنزع سلاحه، أن يكون أكثر قدرة على هذه المطالبة، لكن يجب القول وبوضوح تام، إن مقاربة السلاح التي يتشبث بها حزب الله هي انتحار، وبالمقابل أن مقاربة التفاوض التي تقوم بها الحكومة هي استسلام. هذه هي المعادلة الموزونة الأطراف اليوم في الواقع اللبناني. فإسرائيل هي الحكم اليوم وهي لا تشترط فقط نزع السلاح، بل كذلك أن لا يشكل لبنان خطرا عليها.

وهذه الخطة نفسها التي فعلتها في غزة، عندما قالت، نزع سلاح حماس والقضاء عليها، وأن لا تشكل غزة خطرا على إسرائيل. وهذا المنطق يدفع بالاحتلال الإسرائيلي للبقاء لعقود في جنوب لبنان، ولربما ستذهب إلى تطبيق السيناريو نفسه الذي فعلته في الجولان السوري المحتل. فعندما احتلت الجولان في عام 1967 لاعتبارات أمنية كما أدّعت، رأى العالم كله كيف أصبح الجولان اليوم جزءا لا يتجزأ من الخريطة الإسرائيلية الخُرافية.

قد يقول البعض إن اللوم دائما ما يوجّه لإسرائيل، ويتم التغاضي عن أنشطة حزب الله اللبناني، كما يقولون إن معضلة هذا الحزب وسلاحه هي مشكلة لبنانية، حتى قبل أن تكون مشكلة إسرائيلية، وعلى لبنان أن يحل هذه المشكلة لإغلاق الباب إلى الأبد. وبالتأكيد هو كذلك. فلبنان عاش فترة أكثر من عقدين من الزمن، في حالة استعصاء في حل هذه المشكلة لاعتبارات عديدة. ولكن أهم هذه الاعتبارات تلك السردية القائلة، إن معادلة ومقاربة السلاح، هي التي تحمي لبنان منذ عام 2006.

إذا كان من يُصدّق ذلك بين الأعوام 2006 و2024، فإن أعداد المُصدّقين بذلك قد تراجعت كثيرا، وأصبحت الحاجة اللبنانية الداخلية، هي الانتهاء من حالة ازدواجية السلاح، بل من الضرورة القصوى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. كما يجب أن يكون هنالك حصر لقرار الحرب والسلم بالدولة اللبنانية أيضا. قد يبدو أن هناك توجها بهذا الاتجاه بغض النظر عن المعوقات وهي كثيرة، لكن المسألة هنا تبقى مصلحة إسرائيل أن لا يتحقق ذلك.

هذا التوحش الذي تُقدم عليه إسرائيل، يبدو وكأنه جزء من سلوك عسكري مستمر لدى الجيش الإسرائيلي في لبنان، كما في غزة وفي الضفة الغربية وفي سوريا أيضا. ولكن في لبنان الهدف من التوحش العسكري مختلف، لأن المحافظة على هذه العداوة وهذا السلوك، هي التي ستتسبب في حالة انقسام داخل لبنان، كما تُراهن على ذلك إسرائيل.. وعليه تصبح مصلحة لبنان العُليا اليوم هي في الاتفاق الداخلي لجميع الأصوات، من أجل إيجاد صيغة لحصر السلاح بيد الدولة.

لقد أنتج التوحش الإسرائيلي ضد أهلنا في لبنان أكثر من 400 شهيد، وأكثر من 10000 جريح، وتجريف 65 قرية، وتمت سرقة حتى أشجار الزيتون من لبنان ونقلها الى إسرائيل. وعلى الرغم من كل ذلك يأتي الحديث الإسرائيلي، بأنهم لا يُعادون لبنان ولا مطامع لهم فيه.

وأمام كل هذه العربدة الإسرائيلية، والغطرسة المنقطعة النظير، تحاول الحكومة اللبنانية جاهدة تطويق ذلك، لكنها للأسف تعتمد في تطبيق سياستها هذه على الولايات المتحدة الأمريكية. بينما هذه الأخيرة هي طرف لا يدفع إسرائيل بقوة نحو كف عدوانه عن اللبنانيين، ويقابل ذلك موقف حزب الله اللبناني، الذي يتخذ من إيران مرجعية سياسية له أعلى من المرجعية الوطنية اللبنانية.

د. مثنى عبد الله/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى