ماذا يريد الشباب؟

خاص “المدارنت”
في خضم الأزمات التي ضربت ولا تزال المجتمعات العالمية، منتقلة إلى المجتمعات العربية والإسلامية، وازدياد هذه الأزمات على كافة الأصعدة، الإجتماعية بالدرجة الأولى، والمالية والإقتصادية والتربوية والدينية، والتطور المفاجئ لـ”التكنولوجيا” الحديثة، ووسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي، وأخيراً الذكاء الإصطناعي الذي خرق الطرق التقليدية، وفاق العلم نفسه، وأحدث ثورة حضارية من دون حدود أو قيود، أدهشت حتى القائمين عليه والمخترعين له، ويبقى السؤال، ماذا يريد الشباب بعد؟ ولكن الجواب ليس المهم ماذا يريد الشباب، بل المهم أنه يريد..
لقد ارتفعت الأصوات من حناجر الشباب اليوم، عبر ثورات، ولكن ليست تلك الثورات التقليدية التي كانت تُسقط أنظمة وحكومات، وتُحدث إنقلاباً جذرياً في أهدافها.
أما اليوم، فكل ذلك إنتهى، فلم يعد العالم بحاجة إلى ثورات وإضرابات وإضطرابات، بقدر ما هو بحاجة إلى قدرات ومهارات وبرامج تخطيطية وتنموية، والحق أن ثورات الشباب في معظم أرجاء العالم عبر التاريخ، هي من أدخل التميز في باب الفعالية والنشاط الهادف، ولسنا نعني أن هذه الحركات قد خلت تماماً من كل هدف، أو أنها قد قامت لغير غرض ما، إنما كانت لحظة (تمرّد) في (تجرّد) أحيت دفائن نفوس كانت تواقة للتغيير..
وفي كل إرادة للتغيير عند الحركة الشبابية، قد تضيع البوصلة، فالشباب اليوم، بمعظمه، ساخط على أوضاع مجتمعاته، حانق على أنظمة بلاده، يسعى جاهداً في سبيل تغيير الأوضاع، والعمل على قلب المعادلة، ولكن يبقى النجاح في ذلك مرتهن بمدى وعي الشباب، وقدرتهم على القيادة والريادة.
والظاهر أن ثقة الشباب في قدرتهم الخاصة على التغيير، هي التي دفعتهم إلى الظن بأن المستقبل الذي سيصنعونه بأيديهم؛ لن يكون إلا أفضل من الماضي الذي لم يشتركوا في صنعه، أو الحاضر الذي لم يعودوا يملكون القدرة على احتماله، فالتغيير، في نظر الشباب، لا يمكن أن يكون تغييراً إلى ما هو أسوأ؛ لأنه لا يمكن أن يكون هناك ما هو أسوأ من الحاضر..

ولو أمعنا النظر إلى الدور الحضاري الذي يقوم به الشباب في البلدان النامية؛ لأمكننا أن نتبيّن كيف أن دور الشباب الفعال في هذه المجتمعات، هو الذي جعل منهم وسائط فعالة لتحقيق التغير الإجتماعي..
والواقع أن المجتمعات النامية وغير النامية، لم تعد تستطيع أن تفرض على الشباب حظر الإشتغال بالسياسة، إذ لم تعد الجامعات مراكز أكاديمية للبحث العلمي الصرف، بل هي أصبحت (منظمات للشباب) يتم في رحابها تفاعل حيوي هام في شتى الإتجاهات الفكرية في المجتمع الواحد.. وحسبنا ما نراه اليوم من تمرد الشباب في الدول الأوروبية، على الدور الأوروبي الصادر عن الإتحاد الأوروبي في قضية حرب الإبادة الصهيونية الغاشمة على غزة، واستباحة المتطرفين الصهاينة لساحات المسجد الأقصى، وتجييش الشباب الأوروبي للقضية الفلسطينية، وتسويقها كأكبر نكبة على وجه الأرض، وتنظيمهم مؤخراً (لأسطول الصمود) من كل دول العالم، سعياً الى كسر الحصار ورفع الظلم وإنقاذ ما تبقى من حاضرة غزة..
والمؤسف أن تحركات الشباب العالمية غربية محض، من دون أي مشاركة عربية فاعلة، إلا لبعض من يحمل الجنسية الغربية من الشباب العرب، وغياب الصوت الشبابي العربي، علماً أن صوت المعارضة يصدر عن الشباب في كل العالم بمعظمه..
يبقى أن نقول، أن حماسة الشباب لن تصنع المعجزات، ولكن مجرد التفكير في قضايا قومية جامعة مثل قضية (غزة)، دليل واضح على نمو الوعي السياسي لدى الشباب، وتزايد إحساس (الجيل الجديد) بما عليه من مسؤوليات تجاه الامة، ولكن من المؤكد أن هذا الشعور العارم بالمسؤولية، لا بد من أن يوجه التوجيه الصحيح؛ حتى لا يستحيل إلى مجرد إلتزام أجوف غير ذي موضوع هادف..
إن غياب وموت الحكومات العربية والإسلامية؛ عن معاناة السنوات العجاف والحرب الضخمة على غزة؛ لمخزٍ وعار عليهم سكوتهم وصمتهم المطبق، إلا ما رحم ربي منهم، فالمطبعون والمطبلون لسفاهة الصهيونية، ووحشيتها وآليتها المدمرة، يرون أن شعب غزة، متمرد آبق ويجب ردعه وقتاله للأسف.
والمؤسف أكثر، والمذهل والداعي للشفقة؛ هو سكوت الشباب العربي والإسلامي عن هذا الذل والهوان؛ مع العلم أن الكثير من الجمعيات والأحزاب والمجتمعات الأهلية في لبنان، والعالم العربي، تسهم منذ بدء العدوان في رفع الظلم والإمداد لإخوانهم في غزة، بالطعام والتغذية والأدوية وحفر الآبار وإنشاء مراكز إيواء..
لن يكون مجتمع الشباب في المستقبل أفضل من مجتمع اليوم، إذا استحال الشباب إلى ساسة وقادة وزعماء “ديكتاتوريين”؛ بل عليهم أن يكونوا واجهة للحاضرة العلمية؛ وأخص الشباب المسلم في العودة إلى دينه وأسس شريعته، وأن يدرك هذا الشباب الناضج والواعي في خاتمة المطاف، أنه لا يستطيع أن يصنع المعجزات،إلا إذا تحوّل هو نفسه إلى معجزات في العلم، وفي التخطيط والتغيير الإجتماعي، وفي السير الصحيح والنهج المستقيم على شريعة الله، وسنة ورسوله؛ كما فعل السلف الصالح من شباب كانوا حول الرسول، وكان الشباب يصول ويجول؛ وفتحوا العالم بأخلاقهم وعزيمتهم ودينهم..
كلمة أخيرة.. شباب الجيل.. للإسلام عودوا.. ففيكم الخير وبكم يسودُ..



