مقالات

مرسي.. بين المظلومية و”الأسطرة”.. أبعاد صفقة إيصاله الى الرئاسة (1 ـ 3)

  محمد خليفة/أوروبا 

//خاص المدارنت//… في الأيام الماضية شهدنا أكبر سرادق عالمي لتأبين رئيس مصر الراحل محمد مرسي، رحمه الله. إنه مجلس عزاء يمتد على مدّ شبكات الفضاء العنكبوتي، نظمه جيش من الجنود المجهولين الالكترونيين. ذرفوا على مرسي الدموع، وأسرفوا في الإشادة بكراماته وخوارقه، وبالغوا في تثمين وتعداد انجازاته في فترة حكمه القصيرة، التي لم تزد عاما واحدا، ووصلت مبالغاتهم الى حدّ “الأسطرة”، فنسبوا له المعجزات التالية حسب نص مكتوب، مغفل التوقيع، وزّعه الأخوانيون عبر مئات المواقع:

* هل تعلم أن الرئيس الشهيد المظلوم محمد مرسي، هو الرئيس العربي الوحيد الذي يحمل شهادة دكتوراه (حقيقية وليست فخرية) في الهندسة الفيزيائية .

الرئيس العربي الوحيد الذي عمل محاضرا وأستاذا في جامعة كاليفورنيا في مادة الفيزياء.

الرئيس العربي الوحيد الذي يملك براءات اختراع في الفلزات والمعادن.

الرئيس العربي الوحيد الذي له أبحاث علمية في وكالة “ناسا” الفضائية .

الرئيس العربي الوحيد الذي يحفظ القرآن الكريم غيبا .

الرئيس العربي الوحيد الذي انتخب انتخابا حرا ونزيهاً وشفافاً.

الرئيس العربي الوحيد الذي لم يغادر شقته الصغيرة، بعد توليه مقاليد الحكم الى قصر الرئاسة .

الرئيس العربي الوحيد الذي تآمر عليه كل خونة العرب.

الرئيس العربي الوحيد الذي مات في سجنه عزيزا، ولم ينقلب عليه شعبه، ولم يغتالوه .

الرئيس العربي الوحيد الذي عاش كريما ومات شهيدا .

مرسي أخرج مصر من ذلّ أمريكا في استرقاقها لشعوبنا في رغيف الخبز، فأعاد الاكتفاء الذاتي برغيف الخبز بنسبة 0/70 بعد أن حسن الرغيف وخفض من سعره .

مرسي أطلق مشروع استثمار قناة السويس لاستصلاح السفن، ليرتفع دخل مصر خلال عشر سنوات، من ثلاثة مليارات دولار إلى مائة مليار دولار سنويا، مما أغضب تل أبيب ودبي .

مرسي افتتح المنطقة الصناعية الأولى برعاية قطرية، والمنطقة الصناعية الثانية برعاية تركية .

مرسي افتتح فروعا لشركة سامسونج للتصنيع، وليس للتسويق بما يكفل تأمين فرص عمل للمصريين .

مرسي أشرف على صناعة آيباد مصري، بخبرات مصرية وصناعة مصرية ومواصفات مصرية.

ماذا تريدون من مرسي، الذي وصل إلى كرسي الحكم، وعلى مصر ديون داخلية وخارجية تصل إلى ترليون وثلاثمائة مليار جنيه لا علاقة له بها ؟

ماذا تريدون من مرسي، الذي سبقه تهريب أموال مصر المسروقة منها، ما بين انتخابه وقبل أن يتولى المنصب فعليا؟

كيف يمكن لمرسي أن يصلح في سنة، ما أفسده العلمانيون في ستين سنة؟

ماذا تريدون من مرسي، وقد أطلق للحريات العنان، فنال الشعب في عهد مرسي في سنة ما لم ينله في عهود العلمانيين الفاسدين مجتمعين، فرغت السجون، وقد كانت تمتلىء بمساجين الرأي والتعذيب والظلم!

لم ينته النص، ولكننا نكتفي بالجزء السابق منه، والباقي يواصل على ذات المنوال، حشد هذا الكمّ الهائل من الخوارق والأكاذيب الفجة المنسوبة له، بهدف “أسطرة” محمد مرسي .

و”الأسطرة”، كما يرى علماء الاجتماع، سلوك كهنوتي واجتماعي موغل في التاريخ، وسمة من سمات المجتمعات البدائية المتخلفة، انحسرت مع تقدم العقلانية في المجتمعات الحديثة، بيد أن الجماعة الأخوانية ما برحت تعمل به، بحكم سلفيتها ورجعيتها. وتجد بيئة ملائمة لنشرها، تحقيقا لأغراض سياسية تعود حصائلها عليها، لا على الراحل ذاته. فجماعة الاخوان التي عانت من حرمانها من السلطة، إنما تريد الدعاية لنفسها، بالدعاية لأول رئيس اخواني وصل الى رئاسة مصر، في ظروف غير طبيعية، هيأتها ثورة الشعب المصري، ونجحوا في تسلقها بدعم من بعض الدول الاقليمية والغربية الفاعلة. وضاعف من نجاح الدعاية لمرسي، كراهة وقبح صورة عبد الفتاح السيسي، وتهافت خياراته ورهاناته وإدارته للحكم، وطريقته في تحطيم سلفه، معتمدا أسلوب تلفيق اتهامات لا يصدقها عاقل ليزج به في السجن. وكان بالإمكان احتجازه في منزله قيد الإقامة الجبرية، من دون قهره وتحطيمه نفسيا، مما سهل على الجماعة خلق “مظلومية” إنسانية وسياسية مبالغ بها، لا تنطلي إلا على عوام القوم، لأنها منسوجة من أكاذيب وتزييف لمسائل مكشوفة وأمور لم تتقادم بعد، عايشناها في فترة لم يمر عليها التقادم .

ومن سوء حظ الجماعة هذه المرة، أن محاولاتهم الفجة تأتي بعد سقوط أول نظام اخواني مائة بالمائة في الوطن العربي، أنشأه أخوان السودان بقيادة الطاغية عمر البشير، وعبقرية معلمه “المكيافيللي” الشيخ حسن الترابي، واستمر ثلاثين سنة سوداء عجفاء، قبل أن يسقط تحت أقدام الجماهير الثائرة، ويتكشف عن استبداد وفساد قياسيين، لا يختلفان عن أسوأ الأنظمة العربية مشرقا ومغربا.

وهذا المثل الذي ما زلنا نتابع تركته السقيمة، يُكذّب كل دعاية الجماعة لمرسي ولنفسها، ويكشف عن زيف إيمانهم وعلاقتهم بثورات الشعوب، ومواقفهم من قضايا الحرية والديموقراطية والاصلاح التي يلبسونها لرموزهم، فضلا عن ثقافتهم المغلقة التي أنتجت سيد قطب، ترجمتها تنظيمات سرية متخصصة في القتل والارهاب منذ ثمانية عقود، ولا زالوا في دول عديدة يمارسونها، على الرغم من زعمهم العلني المتكرر التخلي عن هذا السلوك، والتحوّل الى الديموقراطية .

لم يكن مرسي ولا حكمه مثاليا، كما تحاول الجماعة تصويره الآن .هذا الرجل الذي  وصل الىالرئاسة بعد ثورة شعبية، شاركت فيها كافة أطياف الشعب المصري الليبرالية والقومية واليسارية، وخصوصاً الشباب منهم، وكانت صورة جمال عبد الناصر بالذات، تتوسط ميدان التحرير منذ اليوم الأول، وموضع إجماع الغالبية الساحقة من المصريين، لكن عوامل أخرى دخلت معادلة المشهد السياسي في ذلك الوقت، رجحت كفة مرسي على بقية منافسيه،  نشير الى بعضها:

1 ـ  كفاءة الجماعة تنظيميا واستعدادها المسبق للاستحقاق الانتخابي، وقدرتها المالية الهائلة، قارنة بالآخرين الذين يفتقرون للمال، ولوجود تنظيمات تخدمهم .

2 ـ دعم خارجي مالي واعلامي وسياسي، تمثل بثمانية مليارات دولار قدمتها لهم قطر، فضلا عن تسخير (الجزيرة، والجزيرة مصر)، ودعم تركيا السياسي المنسق مع دعم أميركا في عهد (الرئيس باراك) أوباما، التي راهنت على إطلاق تعاون استراتيجي (حتى لا نقول تحالف!) مع أقوى تنظيم عالمي للاسلام السياسي السني، لأهداف عديدة، أهمها :

 – مواجهة التوسع الشيعي الايراني في المنطقة .

– احتواء تنظيمات العنف والارهاب العالمية وخصوصا القاعدة .

– تحسين صورتها أمام الشعوب الاسلامية بعد حربيها ضد العراق وافغانستان .

– معارضة الدول الاقليمية والدولية المؤثرة فوز المرشحين المنافسين احمد شفيق وحمدين صباحي، لأنه يرفع شعارات ناصرية، وتعهد بإلغاء اتفاقية كامب ديفيد. وقيل إن الدول العربية الخليجية كانت أكثر الأطراف قلقا من فوز حمدين، وكذلك عمرو موسى، بسبب خبرته التي تؤهله ليكون رئيسا قويا، وينطبق ذلك على أحمد شفيق .

أيّ أن المرشح الاخواني مرسي، كان أفضل الخيارات للأطراف الخارجية كافة .

وفي كل الاحوال، ينبغي القول إنه لم يعد خافيا أن وصول مرسي الى الرئاسة، لم يكن نتيجة فوز حرّ في مباراة ديموقراطية، تبارى فيها اللاعبون بنزاهة وحيادية .

لم يكن الأمر هكذا أبدا، وإنما نتيجة صفقة مرتبة، متعددة الأقطاب، دولية واقليمية، انكشف بعض خفاياها، وما يزال بعضها محجوباً:

كان الانفتاح على العالم الاسلامي، وتحسين صورة الولايات المتحدة، أحد الرهانات الرئيسية لإدارتي الرئيس أوباما 2009 – 2016، وأحد عناوين استراتيجيته الديبلوماسية والسياسية، مثله اختياره القاهرة لاطلاق خطابه التصالحي مع العالم الاسلامي عام 2009. وتوازى معه صعود الاسلام المعتدل في تركيا، ممثلاً بـ(حزب العدالة والتنمية)، وانفتاح تركيا على الدول العربية، وخصوصاً سوريا. وتبين لاحقا أن الترويكا التركية (اردوغان وابراهيم غل ودواوود اوغلو)، لعبا دور الوسيط بين أميركا والاخوان، وبين الاخوان وبعض الأنظمة، وفي مقدمتها توسطهم لاخوان سوريا لدى بشار، ليعودوا الى سوريا ويشاركوا في الحكم. وإذا لم يكن في ذلك إثارة، فإن وساطة إيران لنفس الجماعة مثيرة جدا، إذ كشفت صحيفة “الوطن”، التي يملكها رامي مخلوف، أن ايران دعمت المصالحة بين الأخوان ونظام الأسد في نفس الفترة، بعد فشل جهود مماثلة، بذلتها في تسعينيات القرن الماضي المملكة العربية السعودية .

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى