مقالات

مرسي بين المظلومية و”الأسطرة”.. فشل أول محاولة بين أميركا و”الاخوان” الجزء “2 ـ 3”

محمـد خليفـة/أوروبا

//خاص المدارنت//… مثل اشتعال ثورات الربيع العربي فرصة هائلة لادماج تيارات الإسلام السياسي في معادلات السلطة والسياسة والاجتماع المدني, وكانت البداية في تونس حيث باركت فرنسا وأميركا تسليم السلطة لحركة النهضة الاخوانية, ثم ساعد التدخل الأطلسي في ليبيا على إزاحة القذافي وتمكين الاخوان من الحكم. ومثلت مصر الجائزة الكبرى للأخوان .

وقع اختيار الأطراف (أميركا والاخوان وتركيا وبعض الدول العربية)، على خيرت الشاطر، المواطن الأميركي المرتبط بشكل وثيق باستخباراتها، والقيادي الأخواني القوي الداعي والساعي لإنجاز الصفقة التاريخية بين الأخوان وأميركا, تفتح لهم ابواب عدة دول عربية في الشرق الاوسط. وعندما ترشح للانتخابات الرئاسية 2012, قررت المؤسسة العسكرية في مصر إحباط المسعى الأميركي – الأخواني, فرفضت طلبه, بحجة أن سجله العدلي يحوي حكما قضائيا سابقا, فوقع اختيار الجماعة على لاعبها الاحتياطي محمد مرسي مرشحا بديلا رغم عدم ثقتها بكفاءته.

في هذه الفترة تمت اتصالات ومفاوضات بين الأخوان والمجلس العسكري, باركتها الولايات المتحدة. واعترف لاحقا رئيس الاستخبارات في ذلك الوقت عبد الفتاح السيسي لاحقا أنه كان يتصل مع ثلاثة من قادة الجماعة بعلم المشير الطنطاوي, لأن المجلس العسكري رفض وصول الجنرالين السابقين عمر سليمان وأحمد شفيق, كما رفضوا حمدين لأنه “ناصري”, ورفضوا البرادعي لأن سمعته سيئة, ووافقوا على الأخواني الأميركي محمد مرسي.

وشهدت المفاوضات السرية بين المجلس العسكري والأخوان مدا وجزرا, وهناك رواية عن تهديد الاخوان بنشر الفوضى والقلائل الأمنية في البلاد إذا حاول المجلس منع وصولهم للحكم, وتذكر الرواية أن التهديد اقترن بأعمال إرهابية كبيرة في سيناء وبعض المدن بمشاركة مقاتلين من حماس الفلسطينية, وغياب للأمن والشرطة. وبالمقابل أرسلوا الى الجيش رسائل طمأنة.

وكشف أحمد منصور اعلامي الجزيرة الاخواني المصري أن “الجماعة” أمرت أعضاءها بعدم المشاركة فيما عرف بـ”أحداث محمد محمود”، وهي تظاهرات ضخمة لشباب الثورة طالبت العسكر بتسليم السلطة للمدنيين, نتيجة اتفاقها وتواطؤها مع العسكر, لطمأنتهم إلى أن الاخوان لا يرفضون دورهم السياسي في الدولة. وترجم الطرفان الاتفاق الى ترئيس مرسي للرئاسة, وإختيار السيسي وزيرا لدفاعه في أول حكومة, ووصفه بأنه (رجل من ذهب!) وهذا ما دعا أحمد منصور لوصف سلوك الأخوان بأنه خيانة للثورة, والشعب المصري.

هذا في الظاهر, أما في الواقع فكان كل من الطرفين يمكر بالآخر!

راهن الأخوان على خداع الجيش واستمالة قادته الكبار, وكان الجيش يحاول الايقاع بالاخوان تمهيدا للانقلاب عليهم. وحين سئل الطنطاوي كيف تسلمون الدولة للاخوان؟ أجابهم نحن لم نسلم الدولة للاخوان بل سلمنا الأخوان للدولة!

هذه البداية تؤكد أن وصول الاخوان للرئاسة تم بموجب صفقة داخلية وخارجية, ولم يكن فوزا نزيها في مباراة رياضية. وتحدث بعض الرواة عن حرب ساخنة شنتها جماعة الاخوان وجماعات متطرفة في سيناء قبيل الانتخابات تنفيذا للتهديدات التي وجههوها للمجلس العسكري إذا لم يعلن فوز مرشحهم, فكان لهم ما أرادوا في وقت كانت فيه الدولة المصرية ضعيفة. وبعد تنصيب مرسي انهمك كل من الطرفين الاخوان والجيش بإعداد العدة للتخلص من الآخر, والانفراد بالسلطة .

انهمك الاخوان في إعداد دستور جيد, كعادة الانظمة الاستبدادية, إلا أنهم من ناحية أخرى وضعوا ما يسمى (الاعلان الدستوري) الذي يفرغ الدستور من محتواه ومزاياه. فـ”الاعلان” يركز كافة الصلاحيات والسلطات في يديّ الرئيس من ناحية أولى, ومن ناحية ثانية يضع الرئيس فوق الدستور وفوق المحاسبة.

أي أنهم أسسوا نظاما استبداديا جديدا بعباءة اسلامية, استفز الجماعات الوطنية والديمقراطية التي بالكاد تخلصت من الإستبداد, وعندما ارتفعت أصواتها احتجاجا اتهمتهم الجماعة بالعداء للاسلام, ووصفتهم بالعلمانية والشيوعية, وعندما تصاعدت الاحتجاجات لم تتورع أجهزة الحكومة عن الاعتقال وممارسة التعذيب, ووثقت منظمات حقوقية أجنبية ذلك.

وكانت هناك مؤشرات أخرى على أن الجماعة تعمل على “أخونة” الدولة مما أشعر بقية القوى بالخطر الداهم, فتصدت لهذه الممارسات التي تحبط ثورة 25 يناير, وتقوض التحول الديمقراطي.

وأوضحت شهادات كثيرة, وبعضها لشخصيات اخوانية أن محمد مرسي حول قصر الرئاسة مكتبا للارشاد الاخواني, وملأه بمستشارين وموظفين أخوانيين, حتى أصبح قادة الجماعة هم من يدير الرئاسة, بما فيهم مهدي عاكف المرشد, ونائبه خيرت الشاطر (الذي كان معدا أن يحتل الكرسي الرئاسي). وأوضحت الشواهد أن الشاطر خيرت كان هو الرئيس الفعلي لعهد مرسي, وهو الذي يوجهه يمنة ويسرة!

لم يقتصر الخرق الأخواني على قواعد العملية الديمقراطية, بل وصل الى نواميس العلاقات المصرية القومية والخارجية. إذ خص مرسي إيران بـ(زيارة تاريخية) حسب وصف الأكاديمي مصري الفقي, كما وصفها بيان للخارجية الايرانية وكان لها مغزى خطير, يشي بالتحالف مع ايران التي تحتل فعليا أربعة بلدان عربية, وتخطط لاختراق الأمن القومي العربي. ولم ينتظر مرسي زيارته لايران ليعبر عن مشاعره الودية تجاه ساستها, فهو منذ الحملة الانتخابية قال إن من حق ايران أن تمتلك السلاح النووي, ثم كرر الموقف بعد أن أصبح رئيسا. واستقبل الايرانيون هذا الموقف بترحاب شديد, انعكس في العناق الحار بين نجاد ومرسي اثناء لقائهما في القمة الاسلامية الاستثنائية في الرياض أغسطس 2012 .

وأتبع مرسي زيارته لطهران بفتح أبواب مصر لرئيسها نجاد، وتوقيع اتفاقيات كثيرة معه للتعاون الاقتصادي والثقافي والعلمي والسياحة الدينية .

وتوج انفتاحه على ايران بطرح مبادرة أكثر سوءا وشبهة لتشكيل لجنة رباعية تضم مصر والسعودية وتركيا وايران لحل الازمة السورية. ويقال إن العاهل السعودي عبد الله اتصل بمرسي وعنفه قائلا له: إننا نقاتل لإخراج ايران من سوريا, وأنت تطرح مبادرة تعطي شرعية لوجودها في سوريا, نحن لن نشارك في هذه اللجنة, فاذهب ولجنتك واعملوا وحدكم, أما نحن فلن نمكن ايران من سوريا أو سواها.

وذكرت مصادر صحافية عربية أن بعض المسؤولين الاخوان المصريين فاتحوا مرسي وحذروه من عواقب استفزازاته للسعودية, وسألوه عن المصلحة في التقارب مع إيران, فرد عليهم (أنا بالطريقة دي باضغط على السعودية) فقالوا له: أنت بالطريقة دي تدمر العلاقة مع أهم شقيق وشريك وحليف استراتيجي لمصر, وتساعد الايرانيين على تحقيق أحد أهدافهم الرئسيسة, وهو بث الفرقة بين الدول العربية! ولم يتراجع مرسي, بل ظل الى يوم سقوطه حريصا على تطوير التعاون مع إيران, ما ينفي حتى كونه (يضغط تكتيكيا على السعودية) ويؤكد النظرية التي تتبناها الرياض, وهي أن كل جماعات وقوى ما يسمى (الاسلام السياسي) تتعاون بينها وتتبادل الدعم, تطبيقا لاستراتيجية الهيمنة على دول المنطقة من ايران وتركيا الى غرب أفريقيا, وإزاحة كافة القوى الليبرالية والقومية واليسارية سعيا لما اسمته ايران (الشرق الأوسط الاسلامي) بزعامتها هي طبعا!

                                                            

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى