مقالات
مـــا زلـــت أتـنـفـــــس!

خاص “المدارنت”…
لست متشائمًا ولا يائسًا. كل ما فيّ يتّجه نحو الموت. لكنّ فتى يلاحقني دائمًا. في الصباح والمساء، في الصحو أو في الغفو. يوقظني في الصباح، يشاركني مائدتي ظهرًا، يسامرني في الليل، ينام على وسادتي، ولا ينفك يوقظني كلما أطبقت مني الأجفان.
فتىً أحبه، أرتاح بقربه، أسعد بلقياه، أغيب معه عن هذا العالم الذي يفترسني بالتدريج. أغيب فيساكنني الهدوء، وتغمرني الراحة، وتحلّق بي اجنحة السعادة عاليًا.
في ليلة أفل قمرها وادلهَمّ ليلها، كنت قد ألقيت آلام قدميّ وضعف بصري وأوجاع قلبي على فراش من المعاناة، فجاءني باسمًا. مسح على عينيّ؛ فإذا البصر عادت له قواه وغدت الظلمة نهارًا، جلا أفقه وأشرقت شمسه، فبدت الطريق الى البيادر طويلة متعرّجة تكتنفها الحجارة والحصى.
على هذه الطريق كان الفلاحون على ظهور دوابهم، يستحثّونها لتتحرّك خفيفة الى حيث طرحت ثمرات جهودهم من السنابل كومًا زاخرة بحبوب القمح والشعير.
كان “محسن”، خلف والده على ظهر دابتهم السوداء، فيما الجدّ يعتلي ظهر الدابّة الاخرى. ويبلغ الموكب مشارف البيادر؛ فعلى رقعة من ارض صخرية تناثرت كوم من سنابل القمح والشعير. لكلّ فلاح بيدره. لقد كنس قشرة التراب السطحية، ثمّ كوّم عليها حمولات دوابه من السنابل؛ فإذا اطللت على المشهد رأيت عشرات من البيادر المتناثرة هنا وهناك، وقد جاء اصحابها وشرعوا يعدون العُدّة للدراسة.
صعد “بو محسن” الى اعلى البيدر، وفي يده الشُعب، وشرع يغرزه في أكداس السنابل ويطرحها حول البيدر لتشكّل حلقة دائرية . وإذ أكمل عمله، كان الجدّ “بو شاكر” قد صفّ الدابتين، وركّز “النير” على كتفيهما ووصله بالنورج.
ويعتلي الصبيّ خشبة النورج، ويلوّح بـ”المساس” على الدابّتين صائحًا: “تشو”، فتتحرّكان ويتحرك النورج خلفهما، ويبدأ الدوران حول البيدر. ولا يمضي وقت طويل حتى يكون القش قد نعم وتحوّل الى تبن. وتطرح أمام النورج أكداس أخرى من البيدر. وتتواصل مسيرة الدوران، ويدرس المزيد من السنابل. ويتقلّص حجم البيدر رويدًا رويدًا؛ فلا يمضي يومان او ثلاثة حتى تكون السنابل قد تحوّلت الى كومة كبيرة من القشّ الناعم (التبن) المختلط بالقمح او الشعير.
إذ ذاك، تبدأ مرحلة التذرية. ينتظر الرجلان هبوب الهواء، حتى إذا كان ذلك وقفا متقابلين وبيد كل منهما “شعبه”، وشرعا برفع التبن بـ”الشعب” الى الأعلى، فيتطاير القشّ الناعم مع الهواء قليلًا، ويسقط ليتكوّم من جديد؛ فيما تسقط الحبوب في مكانها في كومة منفصلة.
وهكذا حتى تكتمل عملية التذرية، ويفصل الحب عن التبن، ليذهب القشّ الناعم الى”التبّان”، ليكون علفًا للدواب، وينقل القمح الى مخازنه في المنازل، لتحوّله رحى الطواحين لاحقاّ الى دقيق او حبيبات من برغل تحفل به موائد الفلاحين.
كان الفتى يدور مع النورج، وتدور في ذهنه حكايات هذه السنابل، عندما رافق أباه وجدّه في بذر حبوبها وريّها وحصادها ودراستها الآن على هذا النورج، وسيرافق تاليات أيامها في المطحنة، وحين تتحول بعد طحنها الى المرقوق من خبز التنور والمطهيّ من شهيات الأطعمة.
* *
كانت الاوحاع التي تتمدّد على فراشي، وأنا أسامر هذا الفتى الحبيب، قد همدت وغاب وخزها الأليم، فأطبق مني الجفن وغاب الماضي والحاضر والمستقبل في عتمة اللاوعي من جديد.
وتشرق شمس “الفاكهة” مرّة اخرى، وتنفتح عيناي على نهار آخر، وتعاودني المواجع ساعية مهرولة؛ لكنني معتصم بالصبر والأمل؛ فأنا ما زلت أتنفّس.




