مقالات

مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”26″..

المربّي الراحل مصطفى حمّود

خاص “المدارنت”..

 

يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.

4-5- جـــ – (3)- الإطار المرجعي لنسبيّة الحرّيّة: نرمي من هذا العنوان إلى رسم حدود  الحريّة في نسبيّتها بحيث لا يشتط به الهوى، فيُرْذِلُها الاستبداد، ولا يطيح به  الاستلاب، فترذلها العبوديّة، ففي هاتين الحالين، يتنافس في إرذالها الاستبداد والعبودية على تبشيعها وتقبيحها وقهرها وتجريمها، ويثقلان ويطبقان بذلك كلّه على صدور ضحاياها والنفوس. إننا نرى الحريّة في حدود تبقى فيها فضيلة كبرى، وقيمة عليا للإنسان الذي يشعر بها، وهو يمارسها، بأنه عزيز فاعل سيّد في ما له وما عليه؛ إنها حدود المساحة المشتركة التي يلتقي فيها الناس جميعًا وقد شغلتها حاجاتهم ومصالحهم وحقوقهم والحريات.

هذه المساحة المشتركة هي في الأساس ما فهمناه ونفهمه موضوعًا لممارسة كل إنسان، فردًا وجماعة، ونصيبه من السيادة التي تتضمنها خلافته في الأرض، من خلال إعلام  الله  الملائكة بما سيكلّف به آدم في الآية: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً –﴾ (البقرة:30). إنّ التمتع بالحريّة في مدى هذه المساحة، على صعيدي الفرد والجماعة، يقتضي تقيّدًا به واحترامًا له، ويقتضيهما، في الوقت نفسه، وبالقدر ذاته، للآخرين، أفرادًا وجماعات. ليس هذا فحسب، بل يستلزم أيضًا تشريعًا إجرائيًا يحميه ويصونه تحت عناوين المساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ويحول دون الاعتداء عليه، بالرجوع إلى إطار الحكم الذي يأمر “بالعدل والحق” وينهى عن “الهوى والظلم والاعتداء”…

ولعلّ ما يوجب حمايته وصونه هو تحرّك بعض الأهواء والأطماع عند بعض الأفراد والجماعات، الذي يجعلهم يتخطون حدودهم في ما لهم وما عليهم، فيعتدون على المساحة المشتركة. بيد أن الخطر الداهم عليها الذي يتهدّدها ويفرط في انتهاكها هو ما يحدثه سوء استعمال السلطة الحاكمة في تخطيها لما لها من صلاحيات وما عليها من التزامات، لتعتدي على ما للرعيّة وما عليها، وتستلبها بهذا القدر أو ذاك، تحقيقًا لمآرب ومصالح وأطماع غير مشروعة، مبرّرة ظلمها وفسادها وطغيانها بذرائع من قبيل “المصلحة العامّة، والسلم الأهلي، والأمن القومي، والحرص على وحدة الأمة، ودرء الفتنة ووأدها”، زورًا وبهتانًا، يغطيها “إعلامها الرسمي” المعبر عما تهواه، بالإضافة إلى أجهزة أمنها التي لا تعرف الرعيّة من “مآثرها” سوى البطش والقهر والقمع. لذا، فإن التشريع يصبح من اللزومية والضرورة بمكان في ما نراه تاليًا:

  • أولاً، وجوب أن يكون إيقاع الحكم والسياسة والسلطة مضبوطًا فعلاً وتمامًا على “الموازين – المبادئ” التي يتذّرع بها الاستبداد، مضافًا إليها “الحق والعدل والمساواة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية”، علمًا بأن كل هذا وذاك لا يتعارض مع الإسلام، بل يندرج في جوهر دعوته.
  • ثانيًا، ضرورة أن يعلو قوس العدالة هامات جميع الناس، رعيّة وأولي أمر، حيث يأخذ العلاج طريقه إلى الفساد والظلم والاعتداء والجريمة، مساءلة ومحاكمة ومحاسبة وجزاء عادلا بحيث تكون المسؤولية بقدر الحريّة.
  • ثالثًا، صياغة آليات قانونية تكفل وتحمي لجميع الناس حق المشاركة في الحكم، وتحفظ للأمّة (الشعب أو المواطنين أو الناس الخاضعين لنظامه) مرجعيتها فيه مجتمعة أو في معظمها.
  • رابعًا، حفظ حق المعارضة السياسة في ممارسة حريتها في الرأي والنقد والتعبير بحيث تجد الطريق مفتوحة أمامها إلى السلطة والحكم والسياسة فيما لو استقطبت إجماع الأمّة أو معظمها، وفقًا للآليات المشار إليها في “ثالثًا”؛ هذه المعارضة التي يضيق بها ذرعًا أولو الأمر، الحكّام في البلدان الإسلامية، في واقع حال المسلمين، تجد سندها ومرجعها ومثالها في معارضة إبليس (4) رب العالمين الذي قبلها منه، بعد أن استمع إليه يدافع عن موقفه مبرّرًا إباءه واستكباره، ردًّا على أمره بالسجود مع الملائكة لآدم، معتبرًا أن النار، مادّة خلقه هي أرقى وأفضل وأعلى شأنًا وقيمة وقدرًا من الطين، مادّة خلق آدم، ثم يتجرأ، بعد أن استجاب الله له فأنظره إلى يوم البعث، ويعبّر، رادًّا على إضلاله وتصغيره وتكفيره من قبل خالقه، بالتربّص بالناس، والقعود لهم، وعاملاً وسعه لصدّهم عن الإيمان والحق والهدى، ومزيّنًا لهم الكفر والباطل والضلال بشيء كبير من “الاستفزاز والتحدّي والوعيد”، وفقًا لما جاء عن لسانه في الآيتين: ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ، ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾  (الأعراف:16 و17). ولعلّ مما يؤكّد، في السنّة، أهميّة التعبير عن الرأي والنقد، ما أخبرنا به الرسول أن شهيد كلمة الحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في وجه الحاكم الجائر وحضرته، هو الأكثر تكريمًا عند الله، وفقًا لما جاء في الحديث “أكرم الشهداء على الله رجل قام إلى والٍ جائر، فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر، فقتله”(5).
  • خامسًا، إمكان تداول السلطة بشكل سلس وسلمي وفقًا لآليات قانونية في إطار مرجعيّة الأمّة، وفي إطار من الوضوح والشرعيّة والشفافيّة والصالح العام فعلا…

      وبعد، فما أحوج أهل الإسلام إلى إعادة النظر في حياتهم السياسة والاجتماعيّة والثقافية والدينية بحيث يعبّون من معين الحريّة بوجه عام، وحريّة اختلافهم في وحدة الإسلام بوجه خاص؛ هذا المعين لا ينضب من الهدى والإغناء ونعمة الأخذ بأسباب القوة والتوحيد والنهوض والتقدّم، بدلاً ممّا هم فيه من الوهن والانقسام والتنازع والاستكانة والتأّخر، اتّعاظًا بهدى الآية: ﴿- وَلَا تَنَازَعوُا فَتَفْشَلوا وَتَذْهَب رِيْحُكم-﴾(الأنفال:46).

  • الحرّيّة والمسؤوليّة:

5-1- بينهما تلازم: إن مسؤولية الإنسان بمعنى تحمّله تبعات فعله، تلازم حرّيّته فيه، وتحول دون تحوّلها إلى استبداد؛ كما أن حرّيّته في قدرته عليه، تلازم مسؤوليته عنه، وتمنع تحوّلها إلى ظلم. فالمسؤولية والحريّة تتلازمان وتتكاملان في النشاط البشري الواعي، تكليفًا وابتلاء، وتجعلانهما في دائرة معقوليات العقل البشري السليمة، وفي عهدة الإنسان بحيث يلتزم بالوفاء بهما، أداء وإنجازًا، أمام أكثر من سلطة تسائله فيهما، وتجزيه بنتائجهما؛ علمًا بأن المسؤولية تحاكي الحريّة في ما تستلزمه ممّن يتصف بها، إذ تقتضي منه أهليّة في العلم بما يقوم به، وإرادة له، وقدرة عليه، وحريّة فيه. ففي هذا السياق، تعني مسؤولية الإنسان أنه ملزم بالخضوع لعملية تقويم أفعاله من قبل سلطة جازية، يردّ فيها على كل ما تطلبه منه بشأن هذه الأفعال، وملتزم بتحمّل تبعاتها أمامها. أما السلطات التي يمثل أمامها الإنسان مسؤولاً عن أفعاله ومتحمّلًا تبعاتها فهي عامّة:

5-1- أ- في الإطار المعنوي، حيث تبقى آثار الحكم في نطاق الخاص الفردي الشخصي، في الإيجاب والسلب على حد سواء، تبرز السلطة الأخلاقيّة التي يمثّلها ضمير الشخص الذي يقوّم ويحكم أفعاله بالرجوع إلى معياري الخير والشرّ، فيثاب في خيّرها، غبطة وسرورًا وسلامًا داخليًا، ما ترتاح إليه النفس، وتلقى فيه ما يشجع على فعل المزيد من الخير، ويعاقب في شرّها، أسفًا وتأنيبًا وندمًا وقلقًا داخليًا، ما تستاء فيه النفس، وتجد فيه ما يسفّه ويثّبط السعي للشّرّ. وفي الإطار نفسه، تسائله السلطة الاجتماعية التي يمثلها الرأي العام على مساحة المجتمع، أو الرأي المحلي حيث يعيش الشخص، وفقًا لمدى أثر الحكم بالرجوع إلى معايير من قبيل الصالح العام أو المصلحة العامّة فيأتي الجزاء عامّة، استحسانًا وتشجيعًا وتقديرًا وثناء، في حال كان في ما قام ويقوم به الشخص، نفع وفائدة يصيبان الناس بشكل أو بآخر، ويجيء الجزاء استنكارًا واستهجانًا وإدانة وذمًّا بحيث يكون في هذا العقاب وذاك الثواب المعنويين أثر قد يتعلّم منه الشخص المعني في علاقاته الاجتماعية مع مجتمعه المحلّي ومجتمعه العام.

ونذكر أيضًا السلطة الدينية التي يمثلها رب العالمين بالنسبة إلى المؤمنين به بحيث يكون الحكم بالرجوع إلى معايير من قبيل الحلال والحرام، وطاعة الله ورسوله في  أوامر الشريعة ونواهيها، ويكون الجزاء مُرْجأً إلى يوم الحساب في الآخرة؛ ولكن، لا يكون هذا الإرجاء من دون أثر معنوي يرتاح إليه الشخص المؤمن إذا ما صنّف عمله في الصالحات فيشعر بغبطة الورع والتقوى لبلائه الحسن، كما ينعم بشعوره برضا الله عليه، ويتوقع حسن الجزاء منه في الآخرة؛ أما إذا كان الأثر المعنوي سلبيًّا، فيكون وقعه في النفس، شعورًا بالذنب والندم والخوف من ربّ العالمين، ما يدفع بالشخص المعني إلى التوبة والتكفير والإكثار من الدعاء وعمل الخير لإرضاء الله، ولإبقاء الطريق مفتوحة أمامه إلى الفوز بالجزاء الحسن في الآخرة…

5 – 1- ب- في الإطار المادي القانوني، حيث تمتدّ آثار الحكم إلى طرفين أو أكثر من الناس، وفقًا لطبيعة الفعل، موضوع النزاع، الذي يوصف غالبًا بالسلبية، ويكون فيه اعتداء على الحقوق، وانتهاك للحرّيّات، وجور على المصالح، وإجرام في النفوس، تبرز السلطة القانونية في الميادين الشرعي والمدني والعسكري التي يمثّلها القضاء، فتأتي الأحكام تحت عناوين إحقاق الحق، وردّ الاعتبار، وإبطال الباطل، وكف الاعتداء، والتحريم والتغريم والإهانة والتعويض وما إلى ذلك، وتتدرّج العقوبات وفقًا للقوانين والأحكام المرعية الإجراء في كلّ من الميادين المذكورة. ولعلّ سلطة القضاء هي الأكثر تأثيرًا في نفوس الناس لأنها المرجع في ما يمس حقوقهم وحريّاتهم ومصالحهم وحاجاتهم في الحياة  الدنيا حيث يحاسب الشخص المقترف أو المذنب أو المجرم أو المعتدي أو الظالم باعتباره الفاعل في كل ما ارتكبه، أو علّته، وباعتبار حرّيته في ذلك، ما يوجب مسؤوليته في تحمّل تبعات أفعاله.

5-2- الحرّيّة البشريّة مسؤولة: إن التكليف الأكبر للإنسان هو في خلافته الله في الأرض، وفقًا لما جاء في التنزيل ﴿– إِنِّي جَاْعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ-﴾ (البقرة:30)؛ وهذا التكليف يعني أنه في وسع الإنسان، وأن الإنسان أهل له، عملًا بالآية ﴿-لا تُكَلّف نفسٌ إلاّ وسْعَهَا-﴾(البقرة:233). وهذا كلّه يعني أن مسار رحلة الإنسان في عالم الشهادة مرسوم بتكليفه الذي هو بقدر وسعه، والذي يستلزم الحرية التي هي بقدر الوسع، والمسؤولية التي هي بقدر الحرية. وفي هذا السياق، يمكننا القول إنه كلّما كبرت المسؤولية عظمت الحرّيّة. لذلك كانت أفعال الإنسان مجزية، ثوابًا في الإيجاب والخير والنفع والهدى والطاعة والعدل وما إليه، وعقابًا في السلب والشّرّ والأذى والضلال والمعصية والظلم وما إليه. وهذا القرآن يقرّر ويؤكّد ويخبر أن الإنسان مسؤول عن  أعماله وأفعاله، يتحمّل تبعاتها في إطار حرّيّته فيها، وعلمه بها، وإرادته لها، وقدرته عليها؛ لقد ربط  الله إيمان الإنسان وكفره بالحق بإرادته؛ وهذا مما يعني أن الإنسان يعرف ويختار الإيمان أو الكفر، وهو قادر عليهما، ومسؤول عنهما، وفقًا للآية:

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ (الكهف: 29)؛ وكون التكليف هو بقدر استطاعة الإنسان التي تمكّنه من فعل الخير والشّرّ، يعني أنه حرّ في الفعلين ومسؤول عنهما كما في الآية:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ-﴾ (البقرة:286)؛ وفي السياق نفسه، نداء للناس وإبلاغهم بأن الحق بين أيديهم، والاهتداء به والضلال عنه يعودان إليهم؛ فهم يتحملون مسؤولية اختيارهم لأنهم أحرار في ذلك، باعتبار أن النبيّ ليس وكيلًا عليهم، كما ورد في الآية:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (يونس:108)؛ وإنه من الوضوح بمكان أن يتحمّل الشخص تبعات عمله الذي في علمه ووسعه وإرادته حيث عبرت عنه الآيات الثلاث التالية تباعًا بـ “إنسان، امرئ، نفس”..

﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ-﴾ (الإسراء:13) و﴿ -كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (الطور:21)، و﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر:38)… أضف إلى ذلك، أن الجزاء في منتهى الدقة والحق والعدل والحصرية في الفاعل المجزي، ثوابًا وعقابًا، ومصداقًا للمعنى الصريح البليغ البيّن في الآيات:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة:7و8) و﴿لا تَزِرْ وَازِرَة وِزْرَ أُخْرى-(فاطر:18). في الإطار نفسه، نرى المسؤولية الجماعيّة مرتبطة بالحريّة الجماعية، تبعًا للآية ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ -﴾ (الرعد:11).

      وهكذا يتبيّن لنا أن الحرية والمسؤولية متلازمتان في أفعال الإنسان ليكون في تحمّله تبعاتها حق وعدل وإنصاف.

      ولكن، إلى أي مدى من الصحة والصواب والحقيقة والواقع، أن الإنسان، كما جاء في كلامنا على حريّته، يعرف بأفعاله ويريدها ويقدر عليها ويُسأل عنها وهو سويّ راشد؟ أليس كل هذا قضاء وقدرًا، مصداقًا لقوله تعالى ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49)؟ لننظر في ذلك.

  • الحرّيّة الإنسانية والقدر:

إذا الحرّيّة هي في كل شيء، فيكون الإنسان مالكًا لأمره في كل شيء، وتصير حريّته مطلقة لا يقيّده شيء. ولكن، هل يمكن للإنسان، فعلاً، أن يكون مطلقًا في حرّيّته أو في غيرها؟!. وإذا القضاء والقدر هما في كل شيء، ولا شيء بإرادة الإنسان، فيصبح إمّعة لا يملك من أمره شيئًا، وتصبح حريّته سرابًا إن لم تكن صفرًا. ولكن، هل القدر يُطْبقُ، فعلاً، على الإنسان، فلا يُفْلِتُ منه في شيء؟

لنتأمّل ونتعمّق قليلاً في ما افترض، وما طرح فيه التساؤل، بادئين بشرّ ما ينعكس في الإنسان من السائد والشائع في ثقافة القضاء والقدر، مارّين بما يكون فيه الإنسان في قبضة القدر، منهين بما يكون في الإسلام من رحاب الحرّية الإنسانية.

6-1- خطورة انعكاس القدر في الإنسان: إننا نوجز في هذه الفقرة، ما تؤول إليه ثقافة القدر، وهي تنعكس في نفوس أهل الإيمان، في مجالهم النفسي- الحركي حيث تحاصرهم في عقولهم، فتحّدها بالنقل مباشرة أو مداورة، وفي إرادتهم التي تستتبعها، فتزيد في تبعيّة ذويها، وفي قدراتهم التي تستلبها، فتنحسر فاعلياتهم، وفي مصائرهم التي ترسمها لهم، وفي أمورهم التي تستولي عليها، الأمر الذي يهيئ المناخ الملائم أمام الحكّام المتغلّبين المستبدّين لاستغلالهم بالثقافة عينها، تبريرًا وتغطية لجورهم وفسادهم وطغيانهم… إن الإنسان الذي يشعر بأنه لا يملك من أمره ومصيره شيئًا، وبأنّه مُسَيّر أو مُيَسّرٌ إلى ما يقوم به، بمعزل عن إرادته واختياره، سرعان ما يتناقص شعوره بالفاعليّة ليتزايد بالمفعولية، فيصبح متلقيًا منفعلاً أكثر مما هو مُلّقّن فاعل.

وكلما انحسر مدى فاعلية الإنسان لصالح مدى مفعوليته، ازدادت الفرص لمشاعر عجزه وانهزاميته، وابتعد عن دائرة التأثير أو التغيير أو الفعل الحر، وضعفت ثقته بنفسه، وفقد حسّي المبادرة والمغامرة، وصعبت إثارة دافعيته إلى الفضولية والطموح، واستعصى عليه الإبداع ان لم ينعدم. أضف إلى هذا كلّه ان “انعدام” شعوره بحريّة الاختيار والقدرة عليه يفضي به إلى تغييب شعوره بالمسؤوليّة، وبالتالي، إلى الإفلات منها باعتباره ممتثلًا للقضاء والقدر.

      بيد أن هذا الأثر السلبي لثقافة القدر على نحو ما أوجزناه، ليس إلاّ إحدى نتائج الفهم البشري المتعدّد والمتنوع والمؤلّه للإسلام عامّة، ولمفهوم القضاء والقدر خاصّة. هذا الفهم، كما ذكرنا في غير مكان، قد صادر هويّة الإسلام، وجعله يتماهى فيه، بدلاً من أن يتماهى هو في الإسلام… ولكن، لا نريد أن يفهم من كلامنا هذا أنّ الإنسان يُفْلِتُ كليًّا من القدر أو هو حرّ في كل شيء، بل نريد أن يفهم منه أنّ “السماء” لا تستلب خليفة الله على الأرض في سيادته وحريّته، ولا هي تسوّغ استبداد الحكّام مستغلّي “القضاء والقدر” بالالتفاف على الدّين كلّه، وأنّ هناك حرّيّة، وهناك قدرًا في آن معًا. ففيم هذا القدر؟ وفيمَ تلك الحريّة؟

6-2- مدى القدر في حياة الإنسان: لعلّنا نصيب، إذا ما رأينا في مفهوم القدر (القضاء والقدر) ما يراه فيه من يؤمن به، إسلاميًّا، أنه قدرة الله المطلقة التي خلق بها كل شيء وفقًا لمشيئته وعلمه المسبق به، وعلى نحو ما هو مكتوب في اللّوح  المحفوظ. وهذا يعني أنّ لا الإنسان ولا غيره يمكنهما أن يملكا إزاءه شيئًا؛ ومع ذلك، فإننا نرى أنه لا يلغي ما للإنسان من علم وإرادة وقدرة وحرية وسيادة وما عليه من مسؤولية، في خلافته في الأرض (كما سنرى في الفقرة (6-3) اللاحقة). أما الآن، فإلى أي مدى تشتد قبضة القدر على الإنسان فلا يجد إفلاتًا منها، بمعنى أنه يشعر بالخضوع والتسليم والاستغاثة، فلا حول له بها ولا حيلة ولا قوة؟

6-2-أ- في عالم الغيب: إن عالم الغيب يغيب تمامًا عن دوائر وعي الإنسان وإرادته وقدرته وحريّته؛ إنه، بمعنى أدقّ، لا يقع في دائرة معقوليات العقل البشري، لأنه يفوق، بما لا يقاس، وسعه وطاقته وقدرته، وكل الجهاز  المعرفيّ الذي يرأسه هذا العقل؛ إنه لا يخضع للمشاهدة أو الملاحظة العلميّة، لا بالحسّ ولا بالعقل، ولا بأحدث تقنيات المراقبة والرصد والضبط، فضلاً عن عدم خضوعه للتجريب والتدقيق العلمي؛ إنه ليس موضوعًا علميًّا، لأنه يُفْلِتُ من أن يكون له حدود يعرف أو يوصف بها.

إن عالم الغيب هذا يبدو، بالنسبة إلى الإنسان، وكأنه مطلق بكل من وما فيه، علمًا بأن صفة “المطلق” لا تنطبق إلاّ على ربّ العالمين، وفقًا لما لدينا من معارف وردتنا من طريق الخبر الديني الذي أوحى به الله، الإله المطلق، عبر رسله وأنبيائه وكتبه، وبأن كل ما عدا الذات الإلهيّة هو مخلوق لها ومحدود ونسبيّ… وعلى الرغم من هذه النسبية والمحدوديّة، يبقى عالم الغيب موضوعًا للإيمان والتسليم أكثر منه للمعرفة والمعقوليّة اللتين تتمّان في عالم الشهادة للإنسان الذي لا يملك إزاء عالم الغيب شيئًا.

6-2- ب- في الحياة والموت: ليس من بشر، حتى أبي البشر آدم، يستطيع أن يدّعي أنه اختار مادة وكيفية إيجاده على الأرض، أو مجيئه إليها، فضلاً عن أنه لم يكن حرًّا في اختيار وراثته وجنسه ومسقط رأسه، وبلده ووالديه… أضف إلى ذلك أنه لم يكن له أن يبقى على قيد  الحياة في الأرض، لأن الموت سرعان ما ينتزع منه أسباب حياته. فالإنسان لم يختر بدايته ولم يمنع نهايته في عالم الشهادة، ولم يكن حرًّا فيهما أيضًا في عالم الغيب.

6-2-جـ- في ما لا طاقة له به: إن الإنسان يشعر بأنه في قبضة القدر فلا يستطيع الإفلات منه في حدوث أو إحداث ظواهر من قبيل البراكين والزلازل والأعاصير، والعواصف والصواعق، وتبدّلات المناخ، وتعاقب الليل والنهار واختلافهما في الطول والقصر على كوكبه، أضف إلى ذلك الضرورات الحتميّة حيث تحدث الظواهر في حال توافرت لها عوامل أو أسباب حدوثها، ويتمّ هذا الحدوث بالضرورة كلّما توافرت الأسباب نفسها… وفي هذا السياق يمكننا أن نعمّم أن كل شيء يخرج عن إرادة الإنسان، ولا يكون من فاعليّته، ويفوق طاقته، ولا يتمكّن منه في حدوثه أو إحداثه، وفي منعهما، هو قدر أو بقضاء وقدر، بالنسبة إليه، وبالتالي، لا يملك من أمر ذلك شيئًا.

ولكن، هل هذا المدى المتّسع للقدر يغطّي كل حياة الإنسان؟  وهل نفهم من الإسلام أن الله جعل خليفته في الأرض، رهينًا وأسيرًا لقضائه وقدره في أعماله وأفعاله، فجزاه عليها ظلمًا من غير أن يكون هذا الخليفة قد اختارها وأنجزها بمعرفته وإرادته وقدرته وحريّته، وعلى مسؤوليته وهو سويّ راشد؟

إن الغوص في الغيب والمطلق هو أقل بكثير مما يفضي بنا إلى التحقق المعرفي المؤسس لليقين العلمي، أو إلى المعقوليّة. بيد أن هذا يجب ألاّ يثنينا عن بذل المستطاع للتخلّص من مأزق الإشكالات والتعقيدات والإرباكات والتساؤلات التي أثارها مفهوم القضاء والقدر، والتي أثارت الحيرة والقلق والبلبلة والتناقضات جرّاء الفهم البشري المتعدّد المتنوّع المؤلّه عبر المجتهدين والعلماء والمنظّرين والفقهاء والحكماء، الذي أحدث، عند كل طرف من هؤلاء، مفهومًا للقضاء والقدر خاصًا به، وجعله يعتقد أن مفهومه هو الصحيح والحقيقي دون مفاهيم الأطراف الأخرى كما هو قائم في ساحة الإسلام والمسلمين اليوم حيث تعدّدت المفاهيم وتنوّعت بتعدّد وتنوّع المذاهب والفِرق والأحزاب التي تماهى فيها الإسلام، وصادرت هويّته. ومع ذلك، فإننا نأمل ونحلم؛ لعلّنا واجدون في النفق المظلم ما نهتدي به إلى رحاب الحرّيّة الواسعة في الإسلام بحيث نحسن تفعليها لأننا نستحق النهوض والتقدّم.

6-3- رحاب حرّيّة الإنسان في الإسلام: لعلّنا نجد في هذه الفقرة ضالّتنا بحيث نقي أنفسنا من انعكاس شرّ القدر فيها، ونبرّئ السّماء من استلاب الإنسان عبر الفهم البشري المؤلّه للإسلام عامّة وللقدر خاصة، كما نبرّئها أيضًا من تسويغ استبداد الحكّام المتغلّبين بادّعاء أنهم يحكمون بمشيئة الله وقضائه وقدره. فهل نحن بالغون بفهمنا غير المؤلّه للقدر ما يعتق نفوس الرّعيّة، فترفض السكوت عن استلاب حقوقها، وانتهاك حرّيّاتها تحت عنوان إرادة الله، ويعرّي الحاكم المستبد بنزع غطاء الدين عنه، وبالتالي، يتحرّر به الدين من هوى التسلّط السياسي؟ لعلّنا فاعلون.

6-3- أ – ملاحظات معتبرة: نذكر في ما يلي ست ملاحظات، في كل منها عبرة أو أكثر، تلقي الضوء على حريّة الإنسان من غير أن  تلغي مدى القدر فيه، السابق الكلام عليه:

6 – 3 – أ -(1) – إن القدر لا يرد ركنًا سادسًا من أركان الإيمان في القرآن إلا تأويلا؛ لنتأمّل في الآية:

﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾(البقرة: 285). وفي الآية:

﴿-وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ (النساء:136)؛ يتبيّن لنا من هاتين الآيتين أن الإيمان يشمل خمسة أركان هي: الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. أما في السّنّة، فقد ورد القدر ركنًا سادسًا منه، بالرجوع إلى ردّ الرسول على جبريل في سؤاله عن الإيمان، إذ أجاب: “أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه”(6)؛ وسيتّضح أنه لا اختلاف ولا تعارض ولا تناقض بين القرآن والسّنة بعد قليل.

6-3-أ–(2)القضاء والقدر لا يقترنان في أي من الآيات الوارد فيها مفهومهما(7).

 6-3-أ–(3) إن أفعال الإنسان لا ترد بعلّة غيره في القرآن؛ إنه فاعلها وهو علّتها، وهو المسؤول عنها. لننظر مصداق ذلك في بعض الآيات، وما أكثرها!. هذا الرسول، الكامل في إنسانيّته، نفهم من كلام الله له أنه باختياره وإمكانه أن يكون علّة اتّباع اليهود والنصارى في حرفه عمّا جاءه من الهدى والحق، أو علّة عدم  اتّباعهم في ذلك، ويكون عليه في الاتّباع سوء الجزاء، وله في عدمه حسنه، مصداقًا للآية:

﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (البقرة:120)؛ وهذا الكفر، عقابه على فاعله وعلّته دون غيره؛ وهذا العمل الصالح، ثوابه للقائم به وسببه، وفقًا للآية:

﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ (الروم:44)؛ وهذا ربّ العالمين، سيوقع العذاب في من ظلم لأنه هو الذي اقترف وجار؛ وهل سيعذّبه الله بذنب أو جريمة الظلم التي كان علّتها غيره، وهو القائل:﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (فاطر:18)، وهو العادل الذي لا يظلم عنده أحد؟! لنتأمّل في الآية ﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ –﴾ (الكهف:87). وهل أوضح وأبين وأدلّ مما نذهب إليه من  أمره تعالى للرسول بتبليغ الناس بالحق الذي جاءهم من ربّهم وفيه الهدى؟! فمن أخذ الهدى سبيله إلى عقله ونفسه، فقد فاز هو حصرًا، بما يترتب على اهتدائه من خير ونعيم؛ ومن انحرف وابتعد عن الهدى، فقد شقي هو حصرًا، بما يلازم ضلاله من عقاب وجحيم؛ فهؤلاء وأولئك  أحرار في أفعالهم، وهم عللها، ولهم ما في تبعاتها من خير، وعليهم ما فيها من شرّ، ولم يكن للرسول في ذلك سوى التبليغ والتعليم حيث جاء في أمره تعالى:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾  (يونس:108)… ولقد رأينا أن ننهي هذا الغيض الذي هو من فيض، بالآتين التاليتين اللتين تؤكدان أن الأفعال والأعمال لا تكون بعلّة غير فاعليها وعامليها، كما تؤكد أن مسؤولية هؤلاء وأولئك عنها دون سواهم: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة:7و8) .

6-3-أ-(4) – ان مفهوم القضاء والقدر قائم بقوامه في علم الله الأزلي الأبدي، المطلق بكل شيء، وكتابته ذلك في اللوح المحفوظ، وفي مشيئته وقدرته اللاّ نهائيتين، وخلقه كل شي.

  6-3-أ-(5)– إن الفهم البشري المتعدد غير المؤلّه للإسلام يحفظ هويّته ووحدته، بحيث يبقى في إطار وجهات النظر البشرية النسبيّة التي تحتمل الصواب والخطأ، والتي تتماهى في الإسلام وترجع إليه مهما علا شأنها وشأن القائلين بها.

6-3-أ-(6)– كان الرسول في دوره في الرسالة للناس بشيرًا ونذيرًا ومذكّرًا ومبلّغًا ومرشدًا ومعلّمًا ومفسّرًا ومشاورًا وعادلا، ولم يكن عليهم وكيلا أو حفيظا أو حسيبًا أو رقيبًا أو مسيطرًا أو مستبدًّا.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى