مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”34″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
2-4-أ-واقع حال تمظهر الدين انتقائي: ربما لا نضيف جديدًا في هذا المجال، بل نذهب إلى تأكيد أو وصف بعض ما هو قائم في واقع حال الدين لجهة الإيمان به وممارسته، والرجوع إلى القرآن والسّنّة في التشريع”… فالمؤمن بالإسلام، عندما يريد أن يعبّر عن إيمانه بوحدانية الخالق، يتلفّظ بعبارات عدة، لكنها خاصة بوحدانيّته تعالى، كأن يقول مثلًا: “لا إله إلا الله”، أو “الله واحد أحد” أو “سبحانه لا شريك له” أو أي عبارة تفضي بمعناها إلى توحيد الله(…)؛ ولعلّ أظهر وأبرز ما يذهب إليه، في هذا السياق، هو نص من القرآن يفي بغرض التعبير عن إيمانه بالله، ألا وهو سورة الإخلاص ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) ﴾. هذا بالإضافة إلى مشاعر الخشية والخشوع والورع والتقوى التي يعيشها بتعابير خاصّة بها كلّما شعر بفكرة “الله الواحد الأحد”.
أما إذا أراد التعبير عن إيمانه بالأنبياء والرسول فقد يختار ما يمكن أن يكون عامًّا مشتركًا لدى هؤلاء، كأن ينسب إليهم أنهم هداة الناس إلى الخير دون الشّرّ، وإلى تمييز الحلال من الحرام، وإلى توحيد الله والابتعاد عن الشّرك… وفي هذا كله جزء أو اجتزاء مما أثر عنهم. أما إذا أراد أحدهم دون الآخرين، فيذهب بإرادته إليه، ويختاره مباشرة، ويجعل تعابيره تابعة لمواضيع منتقاة من حياته وسيرته وحديثه وجهاده وتفانيه وصدقه وإخلاصه في تبليغ الناس ما كلّفه به رب العالمين، أو يركّز على قدوته الحسنة لأتباعه إلى الدين الذي بشرهم به، وإلى كيف طبق الدين في أوامره ونواهيه خير تطبيق دونما شوائب أو عيوب أو نواقص أو تحريف أو تشويه؛ فهذا الدين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا من يمينه ولا من يساره، ولا من فوقه ولا من تحته؛ إنه الحق والحقيقة كلاهما.
أما إذا انتقل بالتعبير إلى إيمانه بالكتب المقدّسة، وأراد أحدها، فيذهب إليه مباشرة فيختار منه ما يلائم ما أراده من مواضيع مما في الكتاب المنتقى. وليكن هنا القرآن. ففي فريضة الحج، يعتمد أهل الإيمان بالإسلام ما تناوله القرآن فيه بشأنه دون غيره، كما يرجعون إلى ما ثبتت صحته بشأنه في السّنّة، وأكّده العلماء – المراجع، واتفق مع أحكام القرآن بحيث يؤدون المناسك والشعائر وفقًا لذلك في المواقيت والأمكنة المعنية تبعًا لترتيب يحكم أداء الفريضة من ألفها إلى يائها (من هذه المناسك والشعائر: الإحرام والوقوف بعرفة والطواف حول الكعبة، والصلوات..). وفي الصلاة يتبعون في أشكالها وأنواعها (الصلوات الخمس، وصلاة العصر، وصلاة العيد، وصلاة الجنازة وصلاة التراويح..) نظامًا خاصًّا بكل منها يعيّن لهم ما يقولونه من القرآن والسّنة، وما يؤدونه من حركات؛ علمًا بأن النظام أو الأنظمة المشار إليها، يرجع في صياغتها إلى القرآن والسّنّة وتأكيد العلماء – المراجع، بل يرجع إلى ذلك كلّه باختيار الخاص منه بكل فريضة دون غيره، وهذا كثير وكثير جدًّا… وفي الإرث، يرجع القاضي الذي يحكم في إحدى قضاياه إلى الأحكام الشرعية الخاصة بالقضية المنتقاة أو المطروحة بين يديه. أما هذه الأحكام التي يرجع إليها، تعود في أساسها إلى آيات الإرث في القرآن، وإلى أحاديثه في السّنّة دون ما عدا هذه وتلك؛ وهذا هو من الكثرة بحيث يجعل المنتقى ضئيلًا… والكلام على الزواج والطلاق للتدليل على الانتقائية لا يختلف تقريبًا عمّا قلناه بشأن الإرث إلاّ باختلاف طبيعة الموضوع…
وفي التشريع الذي يفضي إلى أحكام توصف بالشرعية والمختصة بموضوع من المواضيع التي تهم أهل الإيمان الخاضعين لمثل هذا الشرع، فإن الفقهاء العلماء الذين لازمتهم المرجعيّة كصفة استحقوها لأهمية ما قاموا به في هذا الميدان، كانوا قد استعرضوا ما نصّ عليه القرآن بشأن الموضوع المختار أو المطروح للتشريع؛ وهذا النص المنتقى يبقى ضئيلًا من حيث الكثرة بالنسبة إلى ما عداه؛ والأمر نفسه ينسحب على ما أثر من أحاديث بشأن الموضوع نفسه أيضًا؛ وهذه الأحاديث تظل هي أيضًا ضئيلة بالنسبة إلى آلاف الأحاديث في سائر المواضيع الأخرى؛ وبدرسهم هذه الأحاديث، وتلك النصوص، وفحصها وتمحصيهم فيها، وبتحليلهم وتعليلهم إياها، خرجوا منها باستنباط تلك الأحكام المختصة بالموضوع المشار إليه…
وحتى الاجتهاد لا يخرج عن دائرة الانتقائية التي تتناول المجتهد فيه والمجتهد به، وهذان ينحصران في هامش ضيّق جدًا إذا ما قورنا بمساحة المواضيع التي تناولها أو يتناولها الاجتهاد عامّة.
وهكذا نرى أن الانتقائية تحكم حال تمظهر الدين مع أهل التديّن وبهم في الإيمان والممارسة، وفي الرجوع إلى القرآن والسّنة، وفي استعمال الأحكام الشرعية في الشرع والقضاء. ولكن، هل الانتقائية هذه هي استثناء أم هي قاعدة؟
2-4-ب – الانتقائية في تمظهر الدين هي قاعدة وليست استثناء: كيف تبدو هذه الانتقائية؟ ومتى تكون مذمومة؟ وهل هي مجانية أم غائية هادفة؟
2-4-ب-(1)- الانتقائية قاعدة إجرائية في تعاملنا مع الدين: إذا كان واقع حال تمظهر الدين مع الإنسان وبه محكومًا للانتقائية بنتيجة استقرائه كما انتهت إليه الفقرة السابقة أو كما أنهيناها به، فإن الانتقائية التي نرجع إليها في سائر تعاملنا مع الدين، تبدو في الأساس، قاعدة إجرائية لا بدّ منها في هذا التعامل، وهي ليست استثناء طارئًا أو عابرًا، بل هي، بالإضافة إلى مرجعيّتها هذه، ذات معنى يؤطّره “سلامة المنتقى” كما كان في “المنتقى منه” دون زيادة أو نقصان، أولًا، وثانيًا، حسن التدبّر فيه بحيث لا يخرج بتوظيفه عن دائرة وجهة نظر تتوافق أو تختلف معها وجهات نظر أخرى قليلة أو كثيرة، وهي أيضًا ذات مدى يتّسع باتساع فضاء الدين، وترتسم حدودها الممتدة بامتداد حدوده. لقد استعملنا في الفقرة السابقة لفظي الاختيار والاجتزاء في معنى الانتقاء دونما تمييز قد يكون هامًا لغويًّا بالرجوع إلى جذور الألفاظ الثلاثة، لكننا آثرنا ما أتاحته لنا مروحة المعاني لهذه الألفاظ التي من بينها استعمالنا إياها في ما عنت وعنينا به، ألا وهو: “أخذ شيء معيّن من شيء يشتمل عليه بحيث يكون الشيء المأخوذ دائمًا أقلّ وأصغر من الشيء المأخوذ منه” الذي هو هنا الدين في مراجعه ومصادره وعقائده وعباداته وشعائره وفقهه وأحكامه وأوامره والنواهي، والذي يظل مرجعًا لسائر المعاني والأفكار والدلالات التي يغطيها بكليّته وشموليّته، ومن بينها معنى “المأخوذ” وفكرته ودلالته دون تشويه فيه أو إساءة إليه وإلى المأخوذ منه بأيّ شكل من الأشكال، بل بصدقيّة وسعي إلى حسن التدبّر فيه بحيث يسدّ المأخوذ هذا (المنتقى) حاجة الآخر (المنتقي) في أمر يعنيه بحسب وجهة نظره، على ألاّ يفسده ولا يسيء إليه؛ كما ينبغي له أيضًا ألاّ يفسد المأخوذ منه (المنتقى منه) ولا يسيء إليه في عمليّة الأخذ هذه (الانتقاء)… ذلك أنه بقدر ما نلتزم بإطار الانتقائيّة المرجعيّ، كما أسلفنا، كقاعدة إجرائيّة في تعاملنا مع الدّين، مبتعدين عن التحريف والتزييف والإفساد والتشويه والإساءة، واضعين نصب أعيننا صحّة وسلامة ما ننتقيه كما هو بموضوعيّة تكفّ الأهواء، وتكبح الدوافع الدنيئة، بالقدر نفسه تكون صدقيّتنا في المنتقى الذي قد يسعفنا في ما نحن إليه إذا ما أحسنّا التدبّر فيه…
أما إذا خرجنا بالتشويه والإساءة على الإطار المشار إليه ونحن نعي ذلك، فإنّه من التعسّف والظلم، من وجهة نظرنا، أن نسمّي هذا الخروج انتقائيّة: أنشوّه شيئًا ونسيء إليه، ثم ننتقيه؟ نظنّ الإجابة السويّة تكون بكلّا. ولكن، ربّما عرف أحدنا أنّه شوّه شيئًا وأساء إليه، وعلى الرغم من ذلك، فقد انتقاه. هنا، وفي الحقيقة كما نعتقد، فإن هذا المنحى لا يقلّل من شأن الانتقائية، لأنّ هذا “الأحد” لا يعترف بأنّه شوّه وأساء… لكننا يجب أن نقرّ بأن أهميّة الانتقائية كقاعدة إجرائية في تمظهر الدين تبقى قائمة ما بقيت مضبوطة لإطارها المرجعيّ… ولقد انتقينا نحن وفقًا له آيات من القرآن سابقًا وقد حرصنا على سلامة المنتقى والمنتقى منه، وإننا سنفعل لاحقًا على النحو نفسه. ولكن، ألا تكون الانتقائيّة موضوعًا لانتقاد تستحقّه في إطار ما؟
2-4-ب-(2)- الانتقائيّة المذمومة والانتقائيّة المتعصّبة: لقد أشرنا منذ قليل إلى الخروج على الإطار المرجعيّ الذي يجعل الانتقائية قاعدة إجرائيّة، الخروج على سلامة المنتقى وعلى حسن التدبّر فيه، وهو الخروج الذي يجعل من التشويه في المنتقى والمنتقى منه، ومن الإساءة إليهما بأي شكل من الأشكال، إطارًا مضلّلًا ترجع إليه الانتقائيّة في كل مذموم ومرفوض ومرذول بحيث تُلحق بالمنتقى تحريفًا أو تزويرًا أو عيبًا في معناه أو نقضًا له. إن هذه الإساءات تنعكس بشكل أو بآخر على المنتقى منه؛ كما أنه في هذا الإطار، تفقد الانتقائيّة صدقيّتها كقاعدة إجرائيّة في التعامل مع الدين، وبذلك تستحقّ القدح والذّم والإنكار والرفض، لأنها تكون قد أفسدتها المصالح الصغيرة الرخيصة، وعبثت بها الأهواء، وفخّخها الخداع والضلال لابتعادها عن الحس السليم، والصراط المستقيم، ولمجافاتها المعرفة والحقيقة والخير والعدل… كأن نشوّه، مثلًا، شيئًا ونسيء إليه ثم ننتقيه، فنقول: “لا إله” ونسكت عن “إلاّ الله”؛ أو “لا تقربوا الصلاة” ونغيّب “وأنتم سكارى”؛ أو “إنما الله يخشى من عباده العلماء” و”الصحيح حيث تقول الآية ﴿-إِنَّما يخشى اللهَ مِن عبادِهِ العُلَمِاءُ-﴾ (فاطر:28)؛ أو “في الدين إكراه” نقيضًا لما جاء في الآية﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّين﴾ (البقرة:256) …الخ. فهنا، كما نلاحظ، يشمل التشويه والإساءة كلًّا من المنتقى والمنتقى منه، كما نلاحظ أيضًا أننا لا نتمتع بأي درجة من الموضوعية والصدقية، بل تركنا لألسنتنا أو أقلامنا أن تعبّر عن نفسّيات مريضة وعقول مستلبة…
أضف إلى ذلك، أن هناك نوعًا آخر من التشويه في المنتقى والإساءة إليه، ألا وهو الانتقائية المتعصّبة التي تختزله في فهمها إياه في وجهة نظر واحدة وحيدة أو في مذهب واحد وحيد دون وجهات النظر والمذاهب الأخرى، وهي كثيرة وكثيرة جدًا. ومما يؤسف له كثيرًا أن هذا الاختزال يأخذ منحى متشدّدًا متطرّفًا يقمع التعدّد في الآراء ووجهات النظر والمذاهب، ويرى الحقيقة كلّها والحق كلّه في ما ذهب إليه في فهم المنتقى دون أي فهم له من الآخر؛ فإذا بهذا المنحنى يحتضنه التعصّب الذي يتفرّع منه تقزيم أمور الدنيا بحيث تتناسب مع ما يراه الذين أخذهم هذا التعصّب إلى رفض بل قمع كل من وما يختلفان معهم بهذا القدر أو ذاك، مع العلم أن وجهة نظرهم وتمذهبهم المتعصّب لا يخرجان من دائرة كونهما بشريين في انتقائيتهم وفهمهم المنتقى ومذهبتهم إياه، والبشر مختلفون على الرغم من كثرة ما يجمعهم وما يشتركونه فيه، والاختلاف قائم في تلقي الدين، وفي فهمه وفي التعامل معه، وقائم أيضًا بين أعضاء الجماعة الواحدة وبين المذاهب، إنه قائم بين الناس في كل ما يقبل الاختلاف فيه درجات كما جاء في الآية ﴿-ورَفَع بَعْضَكُمْ فوق بَعْضٍ دَرَجات-﴾(الأنعام:165). والجدير بالذكر أن هذا الاختلاف يبقى مقبولاً وحتى محمودًا طالما اعترف كل طرف للأطرف الأخرى بحق الاختلاف والحرية فيه، كما تبقى الانتقائية في هذا الإطار مقبولة محمودة أيضًا. أما إذا شطح بنا التشدّد والتطرف ثم حطّ بنا داخل أسوار التعصّب، فعندئذ نكون قد جعلنا من أنفسنا ومما انتقيناه مشروعًا صداميًا مع الآخر، مدّعين امتلاكنا وحدنا الحق والحقيقة، وناسبين إلى أنفسنا من الصفات الكمالية والمطلقة ما ليس فينا ولا في بشر، كما تصبح عندنا مفاهيم مثل الحوار وحرية الرأي وحرية التعبير والاعتراف بالآخر وحرية الاختلاف وتعدّد الآراء ووجهات النظر، والنقد والانتقاد، تصبح هذه المفاهيم بمثابة اعتداء علينا من قبل الآخر، فنتذّرع به لكي نسوّغ اجتهادنا في إقصائه أو استتباعه الشبيه بالاستعباد، أو حتى إلغائه إذا مكّنتنا من ذلك السلطة أو القوة أو الظروف، مع العلم بأن القرآن يتيح للبشر الحق في الاختلاف والحريّة فيه حيث أرجأ الله البتّ والفصل في ما يختلفون فيه إلى يوم القيامة، تصديقًا للآية ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ (السجدة:25)…. ولكن هل الانتقائية عملية مجانية، أم وراءها ما نرمي إليه؟
2-4-ب-(3)- الانتقائية عمليّة محفوزة وغائية، وليست مجانية: إذا كانت الانتقائية، كما سبق الكلام عليها، قابلة للمدح والذّم، وللصدق والكذب، وللسلامة والتشويه، وللتسامح والتعصّب، ولحسن التدبر فيها وسوئه، فلأنها واحد من أوجه النشاط البشري الواعي تثيره دوافع تعني صاحبه بهذا القدر أو ذاك. فهي في تلك محفوزة وغائية دائمًا، وليست مجانيّة في شيء، بل هي عملية أو سلوك يلبّي للمنتقي حاجته إلى المنتقى لأهميته ودلالته المميزة والملهمة والموحية في نظره لجهة ما يراه فيه من مكانة وقيمة يسوّغ بهما رأيًا ارتآه، أو دعمًا لحجّة أرادها، أو انتصارًا لموقف اتخذه، أو موضوعًا اختاره لبحثه أو إسهامًا فيه… ولعلّ مشروعية حاجة المنتقي إلى المنتقى، والغايات التي يسعى إلى تحقيقها به تتوقف على مدى التزامه بسلامة المنتقى كما هو، وبحسن التدبّر فيه على نحو ما أسلفنا، وهو يرجع إلى الانتقائية كقاعدة إجرائية تحكم واقع حال تمظهر الدين مع الإنسان وبه، كما تحكم التعامل مع الدين عامّة، وإلاّ فترفع المشروعية عن هذه الغايات وتلك الحاجة، لتصبح هذه وتلك موضوعًا للذّم أو التعصّب… ونحن، في الانتقائية التي ركّزنا عليها في تمظهر الدين، والتي اجتهدنا في تأطيرها، وحرصنا وسنحرص على الالتزام بها، لنا دوافع إليها، كما لنا غايات نسعى لتحقيقها بها، ونحن ماضون في ما نحن فيه من مقاربة، وعاملون وسعنا بحيث تنحصر ترجمة الدوافع والغايات في سلامة المنتقى وحسن التدبّر فيه لنخرج من تلك المقاربة بوجهة نظر نرى فيها خيرًا لنا كبشر عاقلين وقد سخّر لنا ولخدمتنا كل ما في عالم الشهادة، وكل ما أرسل إلينا من عالم الغيب. وبذلك لا تؤتمنا الآية ﴿– أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾(البقرة:85).
وهكذا نرى أن مثل هذا الموضع السليم للدين في ميزان الإنسان، يعيد إلى هذا الدين روحانيّته وقيمه العليا، ويبعد عنه الشرور التي يرتكبها باسمه “الفهم البشري المتعدد المتألّه له”، وفي طليعتها وعلى رأسها، شرّ تكبيل العقل، وتقييده وحدّه في إعماله، وشرّ الاستبداد بالحكم والسياسة والسلطة، وإفرازته من فساد وقمع وظلم وطغيان، ويكون عونًا أصيلاً لخليفة الله في الأرض على التخلّص من أسباب التخلّف، وفي الإمساك بعوامل النهوض والتقدّم. بيد أن مثل هذا الموضع المبشّر والواعد للدين تستعصي الإفادة منه بما ينبغي ويكفي ويفي ما لم يواكبه ويلازمه إعمال عقل ينظمها وييسّر لها السبل التي تنتهي في خدمة الإنسان وخيره وصلاح أمره، لأنه لا يتم لهذا الإنسان شيء مما يحتاج إليه أو يرغب فيه، أو يريده، أو يتطلع إليه أو يحلم به بغير إعمال لعقله الذي يتمتع به حصريًّا بين الخلائق في عالم الشهادة، شرط أن يكون هذا العقل قد وضع في موضعه السليم، وأطلق له العنان. فماذا عن هذا الموضع؟



