مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”48″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثالث من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
3-4-أ- (2)- الكرامة الإنسانيّة: الكرامة الإنسانية هي شعور الإنسان بأنه إنسان، أو بما به يكون إنسانًا، قيمة عليًا، أو القيمة العليا. والكرامة تكون ويكون معها العدل والحرية والاحترام؛ وتكون بمكافحة الظلم والاستعباد، والتصدّي للاستبداد والطغيان والعدوان، ومواجهة كل ما يقلّل أو يحط من شأن الإنسان وقدره وقيمته وحريّته وعزّته، هذا الإنسان، الكائن العاقل والاجتماعي والأخلاقي والماورائي والوحيد في عالم الشهادة. والكرامة ليست غريبة عن المساواة المتأصّلة في الجنس البشري، بل تقوم بها أساسًا وانتماء في الإنسان الجدير بهما (المساواة والكرامة)، وبما يحتضنهما فيه من أهليّة متميزة. وهي من نعم الله عليه دينيًا؛ انها تتوّج جميع حقوق الإنسان، وتظلّل جميع حريّاته، وتعبّر عن كامل إنسانيّته. فإذا ما اعتدي عليها ونيل منها، فإن الحقوق تكون قد انتهكت، والحريات قد استلبت، والإنسانية قد هدّدت. لذا، لا يكفي الاعتراف والإقرار بها، بل يجب صونها وحمايتها أيضًا… لقد حفل القرآن بتمييز الإنسان بكرامته وأهليّته من غيره وبامتيازه عليه، ليكون القيمة الكبرى، والغاية العليا في الحياة الدنيا. فها هو الله يقدّر شأنه، ويثّمن أهليّته، فيسوّده على الأرض بتكليفه خليفة له فيها، ويبتليه (يختبره) بأعبائها وأوزارها في تعبّده له تعالى، واستعماره الأرض، والحكم بين الناس، وتعهّد حقوق الإنسان والقيم العليا لجدارته بها، قائلًا للملائكة ﴿-إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً -﴾(البقرة:30). أضف إلى ذلك أن الله قد جعله في أجمل شكل، كما تخبرنا الآية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين:4)، وعلّمه ما لم يعلم وفقًا للآية: ﴿وَعَلَّمَ [الله]الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم﴾ (العلق:5).كما علّمه كل ما يحتاج إليه كما يفهم من الآية:﴿-وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلّهَا-﴾(البقرة:31)، وكرّم الجنس البشري وأسبغ عليه النعم، وفضّله على كثير ممن خلق تفضيلًا، مصداقًا للآية:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:70)، ووضع في خدمته، وسدّ حاجاته، وتحقيق رغباته كل ما في عالم الشهادة كما تخبر الآية به:﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ-﴾(الجاثية:13)… فالإنسان يستحق كل الحقوق التي تليق بكرامته وأهليّته، ويستحق أن يتمتّع بها وهو مطمئن على حياته الكريمة.
3-4-أ- (3)- الحريّة الإنسانيّة: نتناول الحرية في هذا المقام في إطار حقوق الإنسان التي يدعو إليها الإسلام في صرخة تحرّره (9). فنسارع إلى التذكير بأنها نسبيّة ومسؤولة أمام كل السلطات التي تحاسب الإنسان على ما كسبه بأفعاله في الدنيا والآخرة. إننا نراها، إسلاميًا، متأصلة في الجنس البشري وملازمة لطبيعته منذ أن جعل الله الأرض في عهدة الإنسان جاعلًا إياه خليفته فيها، لأن الخلافة إمرة، والإمرة لا تكون من غير سلطة، والسلطة لا تقوم من غير سيادة والسيادة عنوانها الحريّة. فالإنسان، إسلاميًا، يولد حرًّا، وفي هذا الإطار كانت كلمة عمر بن الخطاب المدوّية في وجه ابن الأكرمين ابن عمرو بن العاص: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”. فالناس يولدون أحرارًا ومتساوين وذوي كرامة. ومن كانت هذه ولادته،استحق أن يحيا حرًّا متساويًا كريمًا… لقد أحاط القرآن الحريّة بكل ما تستحق من أهمية وقيمة ومكانة في حقوق الإنسان، بل جعل الإنسان يتمتع بها بكل مظاهرها ووجوهها من غير نقصان أو طغيان. لقد جعل التغيير منوطًا بالإنسان تبعًا للآية:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11)، كما جعل حرية الاختيار رهن مشيئته كما تخبر الآية:﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر-﴾(الكهف:29)؛ وفي سياق حريّة الاختيار هذه، هناك الحرية الدينية التي عرضها القرآن خالية من جنس الإكراه أو الإجبار كلّه في الآية:﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ-﴾(البقرة:256)، والتي تتضمن حرية الدخول فيه أو رفضه، أو البقاء فيه أو تركه، لأن النفي يشمل كل جنس للإكراه؛ وحَمْل الإنسان على الإبقاء في الدين أو إجباره على ذلك هو إكراه، لذا فهو حرّ في تركه. أضف إلى ذلك أن الله قد يسر على الناس قبول بعضهم بعضًا، عندما أعلمهم بأن يردّوا ما يختلفون أو يتخالفون فيه في الدين إليه، وحضّهم على ذلك حيث سيحكم بينهم ويبت في الأمر ويفرّق بين الحق والباطل يوم القيامة، مكرّسًا لهم حرية الاختلاف. وقد جاء هذا الخبر في كثير من الآيات، نكتفي بذكر الآية التالية: ﴿اللهُ يحكُمُ بَيْنَكُم يَومَ القيامةِ فِيمَا كُنتُمْ فيه تَخْتَلفِونَ﴾ (الحج:69)…
وهكذا نرى الحرية الإنسانة تغطّي في القرآن كل وجوه الحرية المسؤولة، ويمكن أن تكون أساسًا لكل حريات الإنسان.
3-4-أ- (4)- الحياة الإنسانية: ان الأسس التي ركزنا عليها لحقوق الإنسان قد تصدّرت الكلام لاعتبارها متأصّلة في طبيعة الكائن البشري. أما إذا ترجمناها إلى حقوق، فإنها تأتي خلف “الحياة الإنسانية”، حياة الإنسان من حيث الأولوية. وهل من قيمة أو أهمية لمساواة الإنسان، وكرامته وحريّته، إذا ما استلب حياته أو حرم منها؟! إن القرآن قد قدّر وثمّن وأجلّ وعظّم حياة الإنسان لسمو قدرها وشأنها ومكانتها في عالم الشهادة. لقد حرّم الله قتل الإنسان إلاّ بالحق حيث نهى عن ذلك في الآية ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ –﴾. أضف إلى ذلك أن الله قد جعل قتل نفس من غير حق أو من غير سبب يوازيها بمثابة قتل نفوس الناس جميعًا، كما جعل إحياءها مثل إحياء النفوس جميعًا، وفقًا لما أخبرت به الآية:﴿-مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا-﴾(المائدة:32)… هذا النص القرآني الذي يؤكّد سمو الحياة الإنسانية، نرى بقراءته مع حسن التدبّر ثلاثة أمور تتكامل في حياة الإنسان، هي:
- أولًا، إن الإنسان الفرد، فضلًا عن الإنسان الجماعة، هو القيمة الكبرى، والغاية العليا في الحياة الدنيا؛ فلا يجوز مثلًا استخدامه في مرؤوسيّته مثل الأدوات والوسائل والتقنيات والنباتات والحيوانات، بل من حقه احترام الإنسان فيه حيثما كان؛
- ثانيًا، ان قتل النفس من غير حق لهو عدوان وإجرام يرتكبان بحق الإنسان القائم في كل أعضاء الجنس البشري لكون انتمائهم الواحد إلى الأصل الواحد يجمعهم؛
- ثالثًا، إذا كانت المساواة والكرامة والحريّة تحتاج إلى الصون والحماية، فضلًا عن الاعتراف والإقرار بها، فإن ذلك كلّه واجب ملزم من أجل الحياة، لأنها أعلى وأغلى ما يملكه الإنسان في عالم الشهادة. فالحياة تستلزم الاحترام والحرص والصون والحماية أكثر من أي شيء آخر، لكون هذا الآخر لا يكون إلّا من أجلها.
وبعد، لعلّ الأسس الإنسانية الأربعة المتمثلة بالمساواة والكرامة والحرية والحياة، تكفي الإسلام ليتعهد حقوق الإنسان، لأنها تفي بغرض صياغتها، وتوجب الإقرار بها، والعمل على تطبيقها وصونها وحمايتها لكل إنسان، وتؤكّد أصالة دعوة الإسلام المعنية في هذا المقام.
3-4-ب- في تعهّد القيم العليا: ان تعهّد حقوق الإنسان لا يكون من غير تعهد القيم العليا التي تؤدي في غيابها إلى ثلاثة شرور على الأقل: أولها، شرّ خلوّ ساحة الإنسان لحضور القيم الدنيا؛ وثانيها، شرّ انحطاط قدر الإنسان وشأنه، وفساد عمله وبطلان فعله، نتيجة لسوء حضور القيم الدنيا؛ وثالثها، شرّ تعطيل نزوع الإنسان الأصيل نحو الرقي والتمدّن، وتفعيل نزوع “النفس الأمّارة بالسوء” نحو انحداره وتأخره والتوحّش… وهل من شيء أقسى على الإنسان مما ينتزع منه إنسانيّته؟! ان القيم العليا بالمعنى الأخلاقي بوجه خاص لهي من أهم وألزم ما يحتاج إليه الإنسان في سائر نشاطه في كل ميادين حياته اللائقة بكونه سيّد عالم الشهادة. ان القيم الأخلاقية العليا، إذا ما اكتسبها الإنسان ومارسها بقناعة تامّة، كانت له ضوابط هادية لسلوكيّته بحيث تجعلها دائمًا في أطر الخير والإيجابية والتمدّن، الأمر الذي ييّسر عليه الانخراط في الحياة الاجتماعية، والتفاعل الإيجابي مع الآخرين من أجل حياة لهم يسودها العيش الكريم، والحياة السليمة، والعدل الناجز، والحق المحمي والمساواة والتكافؤ بين الناس، والحرية المسؤولة والكرامة المحترمة والوئام والسلام، بعيدًا من أطر الشرّ والسلبية والتوحّش المترتبة على القيم الدنيا التي تتناغم مع الظلم والباطل والاستبداد والتبعيّة وانتهاك الحقوق واستلاب الحريات، بالإضافة إلى الفساد وسفك الدماء اللذين تنبأ بهما الملائكة عقب علمهم بتكليف آدم خليفة له في الأرض. ولقد وصف الله الأخلاق السامية العليا بالعظمة مادحًا نبيّه المصطفى الأمين الوفي الصادق المخلص الشجاع الحكيم المتواضع ذي اللّب المتنّور، بأنه على خلق عظيم كما تؤكّد الآية: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾(القلم:4). وللمرء أن يستنتج أن وصف الأخلاق العليا بالعظمة ما كان ليكون لولا طيب أثرها في أعمال الناس وأفعالهم، وحسن عاقبتها وجمالها على من يتمتّع بها حيث يطيب نفسا، ويطمئن بالًا لاستقامته ونزاهته… ان القرآن يؤكد على أهمية القيم الإنسانية العليا، وقيمتها ومكانتها في حياة البشر، ويحفل بها. وها نحن ننوّه ببعضها في هذا المقام، لما نراه من عظم لزوميتها وشدّة الحاجة إليها في الحياة الاجتماعية فضلًا عمّا كان من كلام على كثير منها في غير مكان:
3-4-ب- (1) –وجوب التحقق من صحة الأمر، ودقّته وتبيّن حيثياته وواقعيّته بحيث يمكّننا الترّوّي وإعمال العقل الناقد الحرّ من حسن التدبّر بشأنه، وصوابيّة التصرّف إزاءه، وعدالة الحكم وأحقيّته فيه، كما يجنّبنا أن نكون ضحايا التهوّر والتسرّع أو أن نقع فرائس الجهل والوهم والظنّ والتكهّن والتخمين، ونحن نعرف أن “الظن” إثم في بعضه، وهو لا يغني عن الحق شيئًا”. فلنتأمّل في الآيتين: ﴿-إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾(الحجرات:6) و﴿-إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا -﴾(يونس:36).
3-4-ب- (2)- وجوب تعميم ثقافة الحوار بين الناس حول ما يختلفون فيه بحيث يقوم على المعرفة والخبرة والحجة والدليل والبيّنة والبرهان، ويحتضنه اللاعنف واللين والرغبة في بلوغ الحق والحقيقة، والسعي للعمل بهما، وفضّ النزاعات بفضيلتهما، عملًا بما تحضّنا عليه الآية: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾(فصلت:34)
3-4-ب- (3)- وجوب الوفاء بالعهود والعقود بين المتعاهدين والمتعاقدين، فضلًا من تأدية الأمانات إلى أصحابها، لما يترتّب على ذلك من حفظ الحقوق والقيام بالواجبات، ومن تعزيز الثقة المتبادلة، والاطمئنان إلى نشر الأمان، وتدعيم الوئام والسلام، استجابة لاستثناء الله الذين يحافظون على عهودهم، فلا يتنكّرون لها، ويحرصون على صون الأمانات لأصحابها فلا يخونونها، لاستثنائهم من الهلع والجذع، كما جاء في الآية:﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾(المعارج:32)، واستجابة لأمره تعالى بالوفاء بالعقود في الآية:﴿-أَوْفُوا بِالْعُقُودِ -﴾(المائدة:1).
3-4-ب-(4) –وجوب التعاون بين الناس على الخير والإحسان والعمل الصالح وكل ما يعود عليهم بالتيسر والنفع والوئام والسلام، ووجوب عدم التعاون على الشرّ والظلم والمعاصي والمنكرات والمساوئ، الأمر الذي يفضي إلى تفعيل طاقاتهم وإمكاناتهم، وإلى تمكينهم مما يواجههم من مصاعب وشدائد حيث تعصف بها ريحهم بدلًا من تشتت قواهم إذا ما واجهوها فرادى. أضف إلى ذلك ان مثل هذا التعاون يدعّم نزوع الـ “نحن” فيهم ويجعل نزوع الـ “أنا” جزءًا من “النحن” من غير أن يطغى أحدهما على الآخر، ومن غير عدوان من أي منهما على الآخر… هذا بعض ما يمكن فهمه من الآية: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ –﴾(المائدة:2).
3-4-ب- (5)- وجوب التأكيد على قيمة العمل الصالح والقيام به وقد قرنه الله بالإيمان لعظم شأنه في حياة الإنسان في الدنيا لأنه يوفّر له الحياة الكريمة، ويكون خير الزاد له في الآخرة. أضف إلى ذلك أن الإيمان والعمل الصالح قد اقترنا بقيم وفضائل كبرى من قبيل الحق والصبر والمرحمة حيث يوصي كل من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، الآخر ليسود الحق بينهم ويزهق الباطل، وليتعوّدوا على الصبر والجلد على الشدائد والمكاره والمصائب، وتعمر قلوبهم بالرحمة والشفقة والعطف. ما أجمل أن يحاط العمل الصالح بالحق والصبر والرحمة! لنتفكّر في سورة العصر:﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، علمًا بأن التواصي بالمرحمة قد ورد في الآية:﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ (البلد:17).
وبعد، لعلّنا، في ما نوهنا به من قيم كبرى وعليا، وفي ما سبق كلامنا عليه منها في أكثر من مكان، لعلّنا نكون قد بيّنا أن ما يحفل به القرآن من حضّ على القيم العليا، وعلى ترك القيم الدنيا، يكفي الإسلام ليتعهّد العليا ويترك الدنيا في إطار الإنسان أو الناس، كل الناس، ويفي بغرض توجّهه إلى هؤلاء انسجامًا مع رسالته من غير تخصيص ذلك بإطاره ونطاق أهله إسهامًا منه في توسيع شمولية ميدان علم الأخلاق الذي كلما ازداد الناس الذين يعملون بقيمه وفضائله المشتركة، وكلما اتسعت دائرة هذه الفضائل والقيم، أسهم في تلاقي البشر وتدانيهم وتعارفهم وتعاونهم وتحلّقهم حول إنسانيتهم الواحدة… طبعًا، هذا يجب ألاّ يعني أننا لا نرى للإسلام شيئًا ما قد صبغ القيم به، ولكن، ليكن هذا الشيء ولتكن أية صبغة أخرى لها، ومن أي جهة أخرى قد أتت، في نطاق الخصوصية التي تغني القيم والفضائل دون أن تصادرها أو تحتكرها أو تحرّمها على من لا يرى هذه الخصوصية أو لا يأخذ بها.



