مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”9″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” اليوم، نشر محتويات فصول المحور الأول من كتاب: “صرخة الإسلام” للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
1-5-جـ- في الطاعة لأولي الأمر: الطاعة هنا من حيث المعنى هي نفسها لله ولرسوله؛ أما من حيث المدى فهي هنا مقيّدة مشروطة محدودة بخلاف ما هي عليه بالنسبة إلى الله وإلى رسوله حيث إنها مطلقة لهما. أما أولو الأمر فهم كل من ولى شأنًا عامًا من شؤون الأمّة، وقام به وعليه تدبيرًا وتصريفًا وإدارة. فالخليفة يلي شأن الأمة في دينها ودنياها، وله عليها جميعًا الطاعة المشار إليها من خلال أولي الأمر الذين يعيّنهم ويوليهم شؤونها في ما يأمرهم به وينهاهم عنه؛ فلكل من أعوانه ووزرائه مهامّه وأوامره ونواهيه على من يرأسه، وولاية أمر الجند لأميرهم، وأمر القضاء للقضاة، وشؤون بيت المال لعامله(…).
وهكذا الأمر إلى أدنى شأن من شؤون الأمّة تستدعي إدارته وليًّا يعمل بأمره مرؤوسون تحتاج إليهم. فالطاعة تلعب دورًا هامًّا جدًّا في الانتظام العام والاستقرار، وحسن سير أعمال الأمّة، وتصريف أمورها وصون مصالحها، لأنها من الحاجة إليها والضرورة بمكان، لكونها تعبّر في نهاية المطاف عن واجب العمل بالأحكام الشرعيّة، وعن الخضوع لإجراءات الشريعة الإسلامية، وتدابيرها وقوانينها التي تحمي وترعى مصالح وحقوق الناس، جماعات وأفرادًا، والتي تنهض بهم ميسّرة لهم الحياة الدنيا، وممهّدة لهم السبل السليمة والنزيهة المفضية بهم إلى الفوز في الحياة الأخرى…
ولكن هذه الصورة الوردية الجميلة، لا يسرّ النظر إليها، ولا ترتاح النفس لها، إلاّ إذا خلصت النيّات وجاءت الأفعال مطابقة لها لدى الجميع بشكل عام، وعند أولي الأمر بشكل خاص، لأن الأمّة أناطت بهم مسيرها ومصيرها بإذن الله ومشيئته. فما وأين شرعيّة مثل هذه الطاعة لأولي الأمر؟ – إنها أساسًا في المرجع الأول للتشريع الإسلامي، في كتاب الله، كما أنها تجد ما يؤّكدها ويؤسّس لها أيضًا في المرجع الثاني له، في سنّة النبي المصطفى. كيف ذلك؟
ففي القرآن، يخاطب ربّ العالمين المؤمنين بالإسلام عبر الأمينين جبريل ومحمد، آمرًا إياهم بأن يطيعوا الله ورسوله، دون قيد أو شرط، وأن يطيعوا أولي الأمر منهم، شرط أن يرجعوا إلى ما أنزله الله في كتابه، وإلى ما سنّه النبيّ في سنّته، في حال الاختلاف والتنازع في أي شيء يعني الأمّة جماعة وأفرادًا، حيث يجدون فيهما الخير اليقين، والحكم الرشيد، والحل السليم، والحكم السديد. ففي هذا الرجوع، الخير والنفع للجميع، وفيه التفسير الأفضل والأمثل لمثار التنازع والاختلاف لكونهم يؤمنون بوحدانية الله، والبعث والحساب يوم القيامة، حيث يقول الله في الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (النساء: 59).
وفي السّنّة، تكثر الأحاديث التي تتكلم على الطاعة لأولي الأمر أو لمن أنيط بهم الحكم شرعًا أو وفقًا للشريعة الإسلامية. فها هو الرسول يأمر الناس الذين آمنوا بالإسلام دينًا لهم بأن يسمعوا ويعوا ويفهموا ما يأمر به ولي الأمر، وما ينهى عنه، وأن يطيعوه في هذا وذاك، ويعملوا بمضمون الأمر والنهي بصرف النظر عن طبيعة عرقه أو لونه، شرط أن يكون مسلمًا لديه من المعرفة في الإسلام والتقوى والورع والعدل، ما يخوّله أن يقيم فيهم كتاب الله، القرآن المبين، ما أنزله الله إلى رسوله.
إذ يقول في حديث له: “اسمعوا وأطيعوا وان استعمل عليكم عبد حبشيّ كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله” (10). لعلّه من الوضوح بمكان أن الطاعة التي يتكلّم عليها هذا الحديث ليست طاعة مطلقة، بل هي أيضًا مقيّدة مشروطة محدودة بما أنزل الله إلى رسوله. فقد جعل الحديث شرعية الطاعة سارية المفعول، ما دام ولي الأمر يقيم في الناس كتاب الله. أما إذا تبيّن لهم أنه قد خالف فيهم ما حكم به القرآن، فينقطع الانقياد له، ولا يعود له عليهم لا سمع ولا طاعة. فتقييد الطاعة لولي الأمر وشرطيتها في هذا الحديث لا يقلان عمّا هما في تلك الآية الكريمة من الكتاب المبين… وربما وجدنا بعض الأحاديث المروية والمنسوبة إلى الرسول ما يفهم منه أن الطاعة مباحة لا قيد لها أو عليها لولي الأمر.
ولكن الشائع والمأثور عن النبي المختار أنه الأمين الصادق المخلص المجاهد في تبليغ الدعوة، وأنه “لا طاعة في معصية الله”؛ أضف إلى ذلك، أننا لا نعقل أن يشرّع الرسول شيئًا يخالف فيه تشريع الله الواضح الصريح، كما لا يعقل أن تقوّض السّنّة المفهوم القرآني للطاعة، وتذهب بالقيم الكبرى العظمى في الإسلام مثل العدل والحق والشورى والحكم بما أنزل الله، على مذبح الظلم والباطل والاستبداد بالرأي، والحكم بأهواء النفس وفساد التسلّط.
وإذا كانت طاعة الله قائمة على الحكم بكتابه، وطاعة الرسول تعبّر عن العمل بسنّته التي نبتت ونمت ونضجت في كنف كتابه تعالى، أفيعقل أن يتولّى المطصفى عن طاعة الله، ويعصاه في ما شرّع، ويناقض نفسه فيحرم الجنّة، فضلاً عن تلقّيه من الله – والعياذ بالله – عذابًا أليمًا، وهو الذي قال الله فيه: ﴿وإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عظيم﴾ (القلم:4)؟! وإذا قبلنا جدلاً أن النبيّ – لا سمح الله – قد خالف الله في تشريع الطاعة لولي الأمر، فجعلها مباحة له دونما اعتبار لمفهومها القرآني، فكيف حينئذ يستسيغ العقل السليم والقلب العامر بالإيمان قراءة وفهم واستيعاب ما جاء في الآية:﴿… وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾(الفتح 17) ؟!… فلنذهب، إذًا، إلى القول بأن الطاعة لولي الأمر الذي في سدّة الحكم وقمته، تعني أن له الحق في الأمر والنهي، والثواب والعقاب، وأن على الناس الاستجابة والامتثال والانقياد له في كل ذلك حتى لو كان فيه ما يخالف آراء جميعهم أو بعضهم، أو ما يكرهه هؤلاء جميعهم أو بعضهم أيضًا، ولكن شرط أن يكون ما جاء منه في المعروف، والمعروف هو ما كان في طاعة الله ورسوله، أي ما كان في إطاره المرجعي ما أنزله الله، وما سنّه نبيّه، بحيث يتناغم وينسجم ويتكامل معه؛ ذلك لأن الأحكام الشرعية تتقدّم على مثيلاتها في غير الإطار المذكور، من وجهة النظر الإسلامية…
إذًا، فالطاعة الشرعية لولي الأمر مقيّدة مشروطة محدودة للقرآن والسّنّة. والتقييد هذا هو القاعدة فيها وخلافه هو الشاذ عنها… ترى، أيعمل بهذا الشاذّ باعتبار أن لكل قاعدة شاذّا، أو أنه وصف لأمر واقع تجسّد فيه انحراف الحكم والحاكم عن كتاب الله وسنّة نبيّه، استجابة لأهواء ومصالح كرّست لهما التسلّط الذي لم يبقَ من أهل “الحل والعقد” إلاّ من أذعن وسار في الركب، أما من لم يطع فأقصي واستبدل بمن طابت نفسه في شرائه واستتباعه، أم باعتبار أن هذا الشاذّ أمر واقع فرضه البطش والقوّة والغلبة، أمر بلغ به طامح رتبة “الحاكم المتغلّب” الذي أخذت أهواء السلطة بلبّه، وجعلت منه على غير وجه حق “قاضي القضاة” يحكم “بأمر الله ومشيئته” ظلمًا وزورًا وبهتانًا؟! أجل ومع كل أسف، لقد عُمل بالشاذّ ولا يزال يعمل به بشكل أو بآخر ومنذ الحكم الأموي المتغلّب.
والمؤسف أكثر هو أنه عمل بالشاذّ وكأنه هو القاعدة، ولم يعد يعمل بالقاعدة وكأنها هي الشاذّ. وما أن يستتب الأمر لسلطة أمر الواقع، انحرافًا أو تغلّبًا، حتى تنشط ساعية لإيجاد مرجعيّة شرعيّة تقبل أن تبرر لها انحرافها أو غلبتها، تمشّيا مع واقع الأمر بحجة درء الفتنة، وتجنّب الفساد، والحرص على وحدة الأمّة، أملاً في أن يثوب الحاكم المنحرف أو المتغلّب إلى رشده من تلقاء نفسه، فينصف العباد مما أصابهم من جوره واستبداده، ويتنازل عن سدّة الحكم لمن يحكم بما أنزله الله، وما سنّه نبيّه المصطفى، ثم يسلّم نفسه للقضاء العادل! هذه المرجعية الشرعيّة التي يجب ألّا يكون لها أي صفة سوى صفة شرعيّة الأمر الواقع المصنوع للانحراف أو للتغلّب، والتي لكي تدافع عن نفسها، تلجأ إلى أن كل ما جرى ويجري هو بعلم الله وقضائه وقدره، ولو لم يكن بإرادته ولحكمة عنده لما حدث ولم يحدث؛ وتتلقّف جزءًا من حديث منسوب إلى الرسول يجعل فيه طاعة وليّ الأمر من طاعته، ويجعلها تبدو خالية من أي قيد، علمًا بأن ما يريده الرسول من ذلك هو أن الأمير لا يأمر ولا ينهى، ولا يثيب ولا يعاقب إلاّ في حدود الشريعة المحكومة للقرآن والسّنّة؛ لأنه لا يعقل أن يقبل الرسول في حديثه الابتعاد عن القرآن، والانحراف عن سنّته، وهو القائل فيهما إنهما يعصمان الناس من الضلال ما تمسكوا بهما. ثم كيف يعقل أن يقبل الرسول أن يأمر الأمير بمعصية الله مثلاً وألا يعصاه المأمور بها؟!…
أما الجزء المعني من الحديث فهو “… ومن يُطع الأمير قد أطاعني، ومَنْ يعصَ الأمير فقد عصاني…” (11). ثم يرفد شرعية الأمر الواقع اجتهادات من فقهاء كبار تقول بولاية “المتغلّب” أو ذي “الشوكة”، أو ذي “القوة”، والذريعة هي هي : درء الفتنة، وتجنّب الفساد والحرص على الأمّة…ولعلّنا لا نضيف جديدًا إذا ما أثبتنا في هذا السياق كلامًا مما قرأنا لشيخ الإسلام ابن تيميّة مؤداه أن الفساد والفتنة المترتبين على قتال الأمير (طبعًا المنحرف أو المتغلّب) أكبر وأخطر من الفساد الحاصل من ظلمه. وكأننا بهؤلاء الذين يدافعون عن هذا الموقف وقد خضعوا للضغط والقمع وهوى النفس، يدعون الناس إلى أن يعملوا بالمثل القائل: “اليد التي لا تقدر عليها، قبّلها ثم أدعُ عليها بالكسر”…
ثم لنا أن نتساءل: ما حكاية “الفتنة اللعينة”، و”الفساد الفظيع”، و”انقسام الأمة”، ما حكاية كل ذلك، لا ينام ولا يستكين إلاّ في ظلال الظلم والاستبداد والأهواء وقد عبثت بمفاصل الحكم ليتسلّط الحاكم باسم الدين والله ونبيّه، وهؤلاء براء من الحكم والحاكم، ومن الفتنة والفساد والانقساميّة إلى يوم الدين؟! لماذا لم يخبرنا مَنْ أخذ من قلبه الضغط أو القمع أو الهوى أو الرعب كل مأخذ، وذهب بعقله كل مذهب، وصادر قلمه وجعله سيّالاً، بعيدًا عن الحق والعدل، لماذا لم يخبرنا بأن الفتنة المدمّرة والفساد المتوحش، والانقسامية المعيقة لا تستيقظ – والعياذ بالله من يقظتها جميعًا- إلاّ في كنف الحق والعدل والشّورى والقيم الإنسانية العليا التي أكّدها القرآن، ومارسها صاحب مكارم الأخلاق وعظيمها؟!… وكأننا نسمع صرخة من الماضي المقهور وقد جرّحها القمع، تعكّر علينا صفاء التأمّل المصاحب للتساؤل، فتقول : “لا حياة لمن تنادي؟!.
إن شرعيّة الأمر الواقع على نحو ما رأيناه، لا تستقيم من وجهة نظرنا، وستبقى شرعيّة مصطنعة، ولن تصير أصيلة مهما طال عمرها. لماذا؟ _ أولاً لأن شرعية الطاعة الأصيلة قائمة في القرآن وكفى به بيانًا وتبيانًا؛ وثانيًا، لأن عناصر من التسلّط والقمع والجور والاستبداد تتآلف وتتناغم وتتكامل في ما بينها لتنتج عصيانًا وانحرافًا وظلمًا وتمرّدًا على ما أنزله الله وما سنّه نبيّه المختار؛ وثالثًا، لأن التذّرع بدرء الفتنة وما إليها، موقف ذرائعي لا يقوم على أي منطق سليم أو حجّة شرعيّة أصيلة، بل يقوم على تشويه المنطق، والنيل من أصالة الشرعية؛ ورابعًا، لأنها شرعية تتعسّف في تسويغ وتشريع الظلم والاستبداد والفساد ومعصية الله ورسوله، فتعطّل استتباعًا العدل بين الناس، فتضيع حقوقهم وتتضرّر مصالحهم وتتشوّه مظاهر حكم الإسلام؛ وخامسًا وهو الأخطر، لأنها التفاف ذكي وخبيث من السياسة غير الرشيدة على الدين بحيث يفضي الأمر إلى استتباعها إياه تحت شعارات دينية استغلت أسوأ استغلال، واستلبت أقبح استلاب، من هذه الشعارات: أمن الأمة واستقرارها ووحدتها ومصالحها، والعدل بين الناس، وإرادة الله، وقضاؤه وقدره… ومن منظور إسلامي، وبعد أن يكون الحكم للعلوي على السفلي ليرقى به إليه، يصبح للسفلي على العلوي ليهبط به إليه!
1-5-د– الطاعة في ميزان الحكم والسياسة: إنّ الطاعة حاجة ملحّة، بل هي ضرورة للحكم والسياسة، لما يترتب على ممارستها من حسن سير للأمور في طريق الانتظام والاستقرار والفعالية؛ ولكنها ستكون أنجع وأوفى بالغرض لو فهمت ومورست بمفهوم الامتثال للقوانين التي تحكم البلاد والعباد، حتى ولو كانت هذه القوانين أحكامًا شرعيّة في المرجع والصياغة، ولكن تعميمها والتثقيف بها على ما نرى ينبغي أن يكونا باعتبارها قوانين بفهم بشري، والفهم البشري يصيب ويخطئ، الأمر الذي يتيح للممتثل ألاّ يحرج ولا يشعر بالذنب وكأنه في موقف العاصي لله ورسوله فيما لو امتنع عن الامتثال أو الطاعة لأمر رأى فيه مخالفة أو ظلمًا أو تجاوزًا لصلاحية أو اعتداء على حق، لأنه يكون والحال هذه، قد امتنع عن طاعة بشر، وليس عن طاعة الله ورسوله، كما تكون قد سقطت صفة الشخصنة عن العلاقة بين الآمر والمأمور، بين الرئيس والمرؤوس، بين الحاكم والمحكوم، مما يريح طرفي العلاقة من وجهة نظر عقلانية لا تخالف الشرع في شيء.
ولكن الانحراف في الحكم والحاكم، وهو أكثر من محتمل وممكن الحصول، يبقى مفضيًا إلى الظلم والفساد؛ والشيء نفسه يمكن توقّعه في حال ولاية الحاكم “المتغلب”؛ لأن الاستيلاء على السلطة بالقهر والقوة والبطش، والانحراف عن كتاب الله وسنّة نبيّه كليهما يطلقان العنان لأهواء النفس والمصالح الخاصة والطموحات في السيطرة والنفوذ والهيمنة على حساب البلاد والعباد، تبعًا لصراط يعتوره الإعوجاج والطمع والاستبداد والجور والتسلّط واستلاب الحقوق لعامة الناس، وقمع الحريّات تحت ستار الأمن والاستقرار ووحدة الأمّة، وليس هناك من يحاكم أو يقاضي “المقترف” تحقيقًا للعدالة، وإحقاقًا للحق، وإبطالاً للباطل، سوى المتّهم نفسه لكونه ولي أمر الأمة في دينها ودنياها، وولي أمر الناس جميعًا عبر ولاته وعماله وموظفيه الذين جعلهم يمسكون بمفاصل الحكم له وله فحسب… لعلّ المعضلة الكبرى تكمن هنا في حالي الانحراف والتغلّب… فالبشر ليسوا ملائكة، وليسوا أنبياء أو رسلا لله.
فإذا كان أمر جمع السلطتين الدينية والزمنية قد جرى على خير ما يرام على يدي الرسول في عهده، فلأنّه محمّد، صاحب الخُلق العظيم، ولأنه المختار لله الذي آواه في يتمه، وهداه في ضلاله، وأغناه في عيلته: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (الضحى: 6،7،8). لقد كان الله دائمًا في عونه، وتسديد خطاه، وتثبيت إيمانه على الصراط المستقيم؛ وكان الأمين جبريل رهن إشارته بإذن من الله رب العالمين… أضف إلى ذلك أنه كان حوله رجال آمنوا بدعوته، وصدّقوا سنّته، وتنافسوا في نشرهما والذود عنهما؛ وكان لهم من صدق الإيمان ما حال دون ظهور الأهواء والنزوات والأنانيات؛ وكانوا له السمع والطاعة في كل ما أمر ونهى وشرّع وسنّ وقرّر وقال وفعل…
أضف إلى ذلك كلّه، أنه كان خاتم الأنبياء… فما أن توفاه الله، حتى ظهرت حول السلطة وملء الفراغ على ساحة الفعل وتحت سقيفة بني ساعدة بالذات، وعلى نحو متفجّر، الميول والرغبات والآراء والطموحات البشرية التي كان يخفيها وهج النبوّة ونورها… فلم يعد السمع سمعًا ولا الطاعة طاعة… فكان على الخليفة الأول أن خاض حروب الرّدّة… وانفجر الصراع في عهد الخليفة الثالث وأودى بحياته… وتفاقم الصراع واحتدم زمن الخليفة الرابع… وأخذ أشكالاً أخرى بعد أن آلت أمور السلطة إلى بني أميّة، لتصبح الطاعة “خضوعًا لإرادة الله وقضائه وقدره”…
إذًا، فلا بدّ من إحداث صيغة ما تتيح للأمّة مقاضاة الحاكم المنحرف أو المتغلّب، ومحاسبته وحتى عزله، لأن هذا من أهم حقوق وواجبات الأمّة، إن لم يكن الأهم والأخطر على الإطلاق، نظرًا لعدم وجود ما يحول دون ذلك في القرآن أو في السّنّة. ذلك لأن تحقيق العدالة في الحاكم المنحرف أو المتغلّب من الصعوبة بمكان، إن لم يكن محالاً في ظل جمع السلطتين الدينية والزمنية في يده، الأمر الذي ييسّر له اختزالهما في شخصانيّته التي سرعان ما يتقّمص بها إرادة إلهية يحكم باسمها فلم يعد يقبل أن يشاركه في الحكم أو الدين مشارك آخر، ويصبح استتباعًا مجرّد السؤال أو التساؤل شركًا، والشرك كفر والعياذ بالله من شرّ السلطان وطغيانه… إذًا، فلا يكفي لإحقاق الحق وإبطال الباطل، أن تكون مرجعيّة وليّ الأمر القرآن والسّنّة وهو في الوقت ذاته كالفاخوري الذي يضع “أذن الجرّة” حيث يهوى بمزاجه.



