إقتصاد وتكنولوجيا

من أنسنة الآلة إلى تشييء الإنسان… فخّ الاستعباط المعرفي في زمن الذكاء الاصطناعي!

كتبي مجيب الحميدي

“المدارنت”

إذا اختُزل الذكاء البشري في معالجة بيانات فسيعني هذا أن الحاسوب هو الإنسان المثالي (Getty)

في غمرة اشتغالي البحثي على أطروحتي للدكتوراه في حقل التربية الإعلامية والمعلوماتية، وبينما كنتُ أحاول فضّ الاشتباك المعقّد مع النصوص التأسيسية لعلم اجتماع المعرفة، اصطدمتُ بمصطلح غريب، بدا لي للوهلة الأولى أشبه بأحجية لغوية مستعصية، أو ربما دعابة أكاديمية ثقيلة الظلّ خرجت عن سياق الرصانة العلمية، وهو “Epistemological Chicken”، أو ما يمكن ترجمته حرفياً “الدجاجة المعرفية”، وهو تعبير صكّه الباحثان هاري كولينز وستيفن ييرلي في مطلع تسعينيّات القرن الماضي.
لم تتفكّك شفرة هذا المصطلح في ذهني سريعاً، ولم تُفلح محاولات الفهم الأولي في استيعاب دلالته، إلا بالعودة الحفرية إلى جذوره الثقافية. وهناك تبيّن أنه يحيل رمزياً إلى لعبة أميركية شهيرة وخطرة تُعرف بـ”لعبة حافَة الهاوية” (Game of Chicken). في هذه اللعبة العدمية، يندفع سائقان بسيارتيهما بسرعة جنونية وجهاً لوجه في مسار تصادمي، وتقوم قاعدتها القاسية على أن الجبان، أو “الدجاجة” (وفق قاموسها التحقيري) هو من ينهار أولاً وينحرف بسيارته تفادياً للاصطدام المميت.
ولكن ما علاقة هذه المقامرة الانتحارية بنظرية المعرفة؟… في السياقين، الفلسفي والعلمي، يشير المصطلح إلى لحظة حرجة من المقامرة الفكرية، حين يجد الباحثون أو المجتمعات أنفسهم أمام خيارَين أحلاهما مرّ: إما المضي بشجاعة في تفكيك الظواهر المعقّدة حتى حدود الانهيار (أو الاقتراب من الحقيقة المجرّدة) وإما التراجع الجبان والانحراف نحو حلول اختزالية جاهزة هرباً من كلفة الأسئلة الوجودية الثقيلة. ولم تكن هذه التجربة عندي مع المصطلح مجرّد درس في الترجمة أو الاصطلاح، بل كانت المدخل الفلسفي الذي جعلني أعي واحدة من أخطر الخدع التي نعيشها اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي: نحن نمارس دور “الدجاجة المعرفية” بامتياز.
نحن، أمام طوفان التقنية، ننحرف بسياراتنا المعرفية هرباً من مواجهة سؤال “الوعي الإنساني” لنرتمي في أحضان “الآلة”.

الآلة فاعل أعمى بلا وعي وبلا نيّة داخلية وبلا قصدية أخلاقية وبلا روح

استعباطية الهروب من لغز الوعي… واستدعاء “الوهم المريح”
في داخل كلٍّ منا نزوع فطري إلى الفهم، وشغف قديم بنشدان الحقيقة، غير أن هذا النزوع يتحوّل إلى قلق حادّ حين يعجز العقل البشري عن تفكيك “لغز الوعي”، وحين يقف العلم الوضعي المادي (رغم جبروته التفسيري) عاجزاً أمام ما يسمّيها الفيلسوف ديفيد تشالمرز “المشكلة الصعبة” للوعي (The Hard Problem).
يستطيع العلم أن يشرح الآليات البيولوجية: كيف تنتقل السيالة العصبية، وأيّ مناطق الدماغ تنشط حين نشعر بالألم أو الفرح. لكنه يقف أبكم أمام السؤال الجوهري: كيف تتحوّل هذه العمليات المادّية الصرفة إلى “خبرة شعورية”؟ كيف تصبح الكهرباء ألماً أو حبّاً أو دهشة؟… أمام هذا العجز، وهذا الفراغ المعرفي المقلق، نلجأ (غالباً بلا وعي) إلى الهروب. نهرب من مواجهة قصورنا عن فهم ذواتنا، ومن مشقّة الاعتراف بفرادة التجربة الإنسانية المستعصية على التنميط، لنرتمي في أحضان التفسير السهل والمريح: القول إن “الآلة تفهم وتعي”.
هنا يتأسّس ما يمكن تسميته “فخ الاستعباط المعرفي”، مستفيداً من قرار مجمع اللغة العربية بالقاهرة (2022) بإدماج كلمة “الاستعباط” ضمن الكلمات الفصيحة. وأستخدم هنا لفظة “الاستعباط” لدلالتها الوظيفية المقصودة التي تجمع بين الاستسهال والاستهبال والتجاهل الطوعي، مع الرغبة في الهروب من الأسئلة الثقيلة. فنحن لا نجهل أن الآلة مجرّد خوارزميات ومعالجات إحصائية، بل نتغابى عن هذه الحقيقة طوعاً، ونتواطأ جمعياً مع الوهم. نُسقط على الروبوتات ونماذج اللغة الكبيرة صفات التفكير والشعور والإدراك، لا لأنها تمتلكها فعلاً، بل لأننا عاجزون عن تعريف ما الذي يعنيه أن نفكّر من الأساس، من دون الاستناد إلى مصادر معرفية خارج دائرة العلم الوضعي التجريبي. وكل محاولة لإضفاء وعي أو قصدية على الآلة ليست إلا إعلان استسلام معرفي، وهروباً من واجب البحث في عمق الذات البشرية، ومحاولة لردم فجوة روحية بركام من الخوارزميات.
تتجلّى ظاهرة “الاستعباط المعرفي” اليوم بأوضح صورها مع انفجار ثورة الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل “ChatGPT” وأخواته. فعندما يتفاعل المستخدم مع هذه النماذج، ويحصل على إجابات لغوية متماسكة، دقيقة نحوياً، ومتّسقة سياقياً، ينزلق ذهنه فوراً إلى الاستنتاج السهل: “إنه يفهمني”.
هنا تعمل “الدجاجة المعرفية” بكفاءة؛ فبدل بذل الجهد لفهم الحقيقة التقنية المعقّدة، وهي أن هذا النظام ليس سوى “ببغاء احتمالي” (Stochastic Parrot)، بحسب توصيف الباحثة إميلي بندر، يقوم بحسابات إحصائية هائلة لتوقّع الكلمة التالية من دون أيّ إدراك للمعنى، يفضّل العقل البشري الركون إلى “الوهم المريح”. ولعل مثال “الغرفة الصينية” الذي طرحه الفيلسوف جون سيرل يظلّ من أوضح التشبيهات هنا. تخيّل شخصاً يجلس في غرفة مغلقة، لا يعرف كلمة واحدة بالصينية، لكنه يمتلك كتب قواعد تخبره كيف يركّب الرموز الصينية بناءً على شكلها فقط. إذا مررنا له أسئلة مكتوبة بالصينية، فسيخرج بأجوبة صحيحة تماماً. للمراقب الخارجي يبدو أنه “يفهم” الصينية، بينما الحقيقة أنه لا يدرك شيئاً ممّا يقول؛ إنه يمارس النحو من دون المعنى. هذا هو حال نماذج الذكاء الاصطناعي اليوم، لكنّنا نصرّ بنوع من الوثنية التقنية الجديدة على أنها تعي وتفهم.
وتتفاقم هذه الحالة حين تتبنّى الشركات التقنية الكبرى لغة تسويقية مضلّلة، فتصف منتجاتها بـ”الذكاء الواعي” أو “الروبوت المفكّر”. وليست هذه اللغة بريئة، بل تغذية ممنهجة لحالة الاستعباط المعرفي، وخلق رابط عاطفي زائف بين المستهلك والسلعة.
أنسنة الآلة: الوجه المعكوس لتشييء الإنسان
لا يمكن قراءة هذا المشهد المعقّد وتفكيك دوافعه الخفيّة بمعزل عن السياق الحضاري الأوسع، وهنا لا بدّ من استدعاء البصيرة النافذة للمفكّر الراحل عبد الوهاب المسيري ومقولاته المركزية عن “تشييء الإنسان”، فالمسألة تتجاوز الانبهار بالتكنولوجيا لتلامس بنية النظام العالمي الحديث. لقد حذّر المسيري طويلاً من أن الحداثة المادّية تتجه، بفعل منطقها الداخلي، نحو تحويل الإنسان إلى “شيء” أو “مادة استعمالية”، مختزلة وجوده المركّب (الروحي والمادي) في بُعد واحد، هو البعد الوظيفي. في عالم تسوده “العقلانية الأداتية” التي لا تهتم بالغاية أو القيمة الأخلاقية بقدر اهتمامها بالكفاءة والسرعة والربح، يُقاس الإنسان بمدى إنتاجيته، تماماً كما تُقاس الآلة.
وهنا تكتمل الدائرة وتتضح المفارقة المرعبة: أنسنة الآلة هي الوجه المعكوس، والمرآة العاكسة، لعملية تشييء الإنسان، فحين نقبل بإنزال الإنسان من مرتبة “الكائن المركّب ذي الوعي والقصدية والروح” إلى مرتبة “الشيء الوظيفي”، يصبح من السهل جدّاً، بل من “المنطقي”، أن ترتفع الآلة لتحتل مكانته.
إذا اختُزل الذكاء البشري في أنه مجرّد معالجة بيانات، فسيكون الكمبيوتر هو الإنسان المثالي. وإذا فُهم الإبداع بوصفه توليداً إحصائياً للنصوص والصور، صار الذكاء الاصطناعي التوليدي هو “المبدع الأعظم”. وهذا يؤكّد أن الخطر الحقيقي لا يكمن في تمرّد “الروبوتات” كما تصوّر ذلك بعض كتابات الخيال العلمي، بل في أن ننسى نحن أننا بشر، وأن نخلط بين المحاكاة والوعي، وبين الأداء والمعنى. ومن هنا، نقد الأنسنة هو في عمقه وثيق الصلة بنقد المسيري تشييء الإنسان، ومحاولة لاستعادة “تعريف الإنسان” وحمايته من التذويب في السوائل الرقمية.

 أن يُجيد الروبوت كتابة الشعر لا يعني أنه أصبح شاعراً، بل يعني أنه محاكٍ بارع للغة الشعراء

ما وراء الأطروحة التقنية: مقاربة “شبكة الفواعل”
لكي لا يبقى هذا الحديث محلّقاً في فضاء الفلسفة المجرّدة، نجد أنفسنا في حاجة إلى أدوات تحليلية سوسيولوجية أكثر رصانة. هنا يمكن استثمار نظرية شبكة الفواعل (Actor-Network Theory)، التي طوّرها برونو لاتور ومايكل كالون، لفهم كيفية تشكّل الفعل الاجتماعي في البيئة الرقمية من دون التورّط في فخّ “الدجاجة المعرفية” الذي حذّر منه ناقدو النظرية.
رغم أن الدراسات الإمبيريقية (التجريبية) للتربية الإعلامية لم تحاول (في حدود علم الكاتب) استثمار هذه النظرية بعمق لتفسير الظواهر الرقمية، إلا أنها تقدّم مفاتيحَ ذهبيةً لفهم عصرنا. تقوم النظرية على مفهوم صادم للوهلة الأولى هو “التناظر” (Symmetry)؛ أي التعامل مع البشر والتقنيات “فواعل” (Actors/Actants) متساوية داخل الشبكة، فالنظرية تتجاوز مفهوم السياق الاجتماعي التقليدي (حيث البشر هم الفاعلون الوحيدون)، لتؤكّد دور “الأشياء المادية” في الشبكات التقنية، وعلى البناء المشترك القائم على الاعتماد المتبادل بين الفاعلين الإنسانيين والعالم التقني.
ولكن كيف يفيدنا هذا التنظير في قضيتنا؟… لنأخذ مصطلحاً متداولاً ومؤثّراً في فضائنا العربي، مثل “الذباب الإلكتروني” أو حملات التضليل الممنهج. من منظور شبكة الفواعل التقليدي، قد ننظر إلى الأمر بسذاجة أنه “بشر أشرار” يستخدمون “أدوات”. لكن ANT تخبرنا أن “الذباب الإلكتروني” هو “تجميع شبكي” (Assemblage) معقّد؛ هو كيان هجين يتكوّن من: أنوات بشرية (مموّلة)، وخوارزميات منصّات مثل “فيسبوك” أو “إكس” التي صُممت لتكافئ المحتوى المثير للجدل والغضب، وهواتف ذكية، وشبكات اتصال، وبرمجيات (Bots). في هذا النموذج، لا مانع من القول إن الآلة (الخوارزمية) هي “فاعل” حقيقي وشريك. فهي تمارس ما تسميها النظرية “الترجمة”، وهو مصطلح مركزي يعني كيف تغير الأشياء بعضها بعضاً لتكوين اتصالات جديدة؛ حيث تترجم الخوارزمية “الغضب البشري” إلى “ترند”، وتترجم “الانحياز السياسي” إلى “فقاعة تصفية” تعزل المستخدم عن الواقع. الآلة هنا ليست أداة صماء بيد الإنسان (كما تقول النظرة الأداتية)، وليست هي الحاكم المطلق (كما تقول الحتمية التكنولوجية)، بل هي شريك فاعل في صناعة الفعلين، الاجتماعي والسياسي. يحرّرنا هذا الفهم من سذاجة الاستعباط المعرفي، مع تعزيز إدراكنا دور الذكاء الاصطناعي في السلوك البشري وتوجيه خياراتنا وصناعة واقعنا، وتعزيز إدراكنا حدود هذه الأدوار.
الخطأ الأنطولوجي لشبكة الفواعل: أين يقف الإنسان؟
مع تقديرنا البالغ لأهمية نظرية شبكة الفواعل أداةً وصفيةً تشرح ميكانيكا التأثير، لا بدّ من الإشارة إلى التحفّظ النقدي الضروري، وهو نقطة الارتكاز الأخلاقية في هذه المطالعة. يجب أن نستحضر نقد النظرية لنحمي الإنسان من الذوبان التام. فإذا كانت نظرية شبكة الفواعل (ANT) تساعدنا على وصف كيف يحدث التأثير الشبكي، فإنها قد تخطئ خطأً وجودياً قاتلاً حين تبالغ في “التناظر” وتساوي بين الإنسان والشيء مساواة أنطولوجية (وجودية).
يجب أن نميز بوضوح، في سياق التربية والقانون والأخلاق، بين “الفاعلية” (Agency) و”القصدية” (Intentionality). فالآلة “فاعل” مؤثّر في الشبكة، نعم، ولها أثر يتجاوز أحياناً أثر البشر، لكنّها فاعل “أعمى” بلا وعي، وبلا نيّة داخلية، وبلا قصدية أخلاقية، وبلا روح.
ليس الخطر في فاعلية الآلة، بل في استسلامنا نحن لحتمية تقنية تذيب “الفردانية الإنسانية” والمسؤولية الأخلاقية في سائل الشبكة الرقمية. فالإنسان، وإن ينبثق من الشبكة (العائلة، المجتمع، التكنولوجيا) ويتأثّر بها، يمتلك “وعياً محضاً” يمكنه من نقد الشبكة، والتمرّد عليها، والحفاظ على هُويّته المستقلّة ذاتاً أخلاقيةً، وهو ما لا تملكه ولن تملكه الآلة مهما تطورت.
هنا يأتي دور التربية الإعلامية فلسفةَ حياة. فانطلاقاً من هذا التحليل المركّب، الذي يجمع بين قلق “الدجاجة المعرفية” وفلسفة “التشييء” ومنهجية “شبكة الفواعل” ونقدها، نصل إلى أن الحلّ لا يمكن أن يكون مجرّد “إرشادات تقنية” لكيفية استخدام الحاسوب أو التحقّق من الأخبار. نحن في حاجة إلى ثورة حقيقية في مفهوم “التربية الإعلامية والمعلوماتية”. لم تعد هذه التربية ترفاً أكاديمياً، ولا مجرّد مهارات تقنية، بل تحوّلت إلى ضرورة وجودية وفلسفية؛ إنها خطّ الدفاع الأول عن إنسانيتنا في وجه الطوفان.
المناعة المعرفية
يجب أن تهدف التربية الإعلامية الجديدة إلى بناء “المناعة المعرفية” ضدّ فخ الأنسنة وتشييء الذات. ويجب أن تتجاوز الفصول الدراسية لتدرب المجتمع والأجيال الجديدة على ركائز أربع:
1. فكّ الارتباط المفهومي: تنمية القدرة النقدية على التمييز الصارم بين “جودة الأداء” (ما تفعله الآلة ببراعة حسابية بصفتها فاعلاً في الشبكة) و”حقيقة الفهم” (ما يختبره الإنسان بوعي شعوري). أن يُجيد الروبوت كتابة الشعر لا يعني أنه أصبح شاعراً، بل يعني أنه محاكٍ بارع للغة الشعراء.
2. مقاومة الإغراء العاطفي (الباريدوليا الرقمية): تدريب العقل على الحذر من اللغة التسويقية التي تؤنسن الآلة. يجب أن ندرك أن رؤية “الوعي” في الآلة تشبه ظاهرة “الباريدوليا” (رؤية الوجوه في الغيوم أو الصخور)؛ هو إسقاط من عقل الرائي الباحث عن الألفة، وليس صفة أصيلة في المرئي.
3. تحديد المسؤولية في الشبكة: استخدام وعي “شبكة الفواعل” لمعرفة شركاء الفعل من دون تمييع المسؤولية. حين تنتشر كذبة أو خطاب كراهية، لا نلوم الخوارزمية وحدها فتبرأ ساحة الإنسان المخطط، ولا نلوم الإنسان وحده ونتجاهل دور تصميم المنصّة الربحي الذي يحفز هذا السلوك.
4. إعادة اكتشاف الذات: ترسيخ القناعة بأن الإنسان هو سيّد المعنى، وأن دوائر السيليكون مهما تعقّدت وتكاثرت، ومهما بلغت قدرتها على المحاكاة، لن تنتج ضميراً أو روحاً. استعادة الثقة في الحدْس البشري والأخلاق الإنسانية مرجعيةً نهائية.

 إما أن نمتلك الشجاعة للكفّ عن “الاستعباط”، وإما أن نمارس دور “الدجاجة” فننحرف عن طريق الحقائق الصعبة

الشجاعة في مواجهة الحافَة
تؤكّد الدراسات الحديثة التي صدرت بين عامي 2024 و2025، وناقشت “مغالطة الأنسنة” (Anthropomorphism Fallacy)، أننا أمام مفترق طرق حضاري حاسم. الأنسنة ليست خاصيّةً متأصّلةً في التكنولوجيا، بل هي خلل في عين الرائي، وانعكاس لكسل معرفي بشري يفضّل الحلول السهلة والمسلية.
مصطلح “الدجاجة المعرفية” الذي بدأنا به يظلّ اليوم أكثر راهنية وخطورة من أي وقت مضى. نحن نقف حرفياً على “حافَة الهاوية” المعرفية. فإما أن نمتلك الشجاعة للكفّ عن “الاستعباط” ومواجهة حقيقة تفرّدنا البشري، وتحمل ثقل مسؤوليتنا الأخلاقية التي لا يمكن تفويضها لخوارزمية، وإما أن نمارس دور “الدجاجة” فننحرف عن طريق الحقائق الصعبة، ونغرق في عالم مليء بآلات نتوهم أنها بشر، بينما نتحوّل نحن تدريجياً إلى مجرّد تروس صامتة في آلة عملاقة.
الذكاء ليس مجرّد أداء، والوعي ليس وظيفة، والإنسان (برغم كل غموضه وماديته الظاهرة) لا يمكن اختزاله إلى معادلة رياضية. إن استعادة إنسانيتنا تبدأ من التوقّف عن إهدارها على عتبات الآلات، ومن الإيمان بأن الفردوس المفقود لا يمكن أن تبنيه أكواد برمجية صمّاء، بل تبنيه إرادة بشرية واعية، تدرك الفرق العميق بين الأداة والغاية، وبين الشيء والإنسان.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى