من أين يبدأ الفساد؟!

خاص “المدارنت”..
لا يزال المخضرمون من رجال الإعلام الرسمي في أكبر دولة عربية من ناحية السكان، يتذكرون تماما حادثة التنكيل التي قام بها رئيس تحرير إحدى الصحف القومية للنظام حينها بأحد محرري صحيفته، لمجرد أن الأخير حلم يومًا أنه أصبح رئيساً لتحرير الصحيفة نفسها، فكان جزاؤه العقوبة القصوى على مجرد حلمٍ، على ما يبدو أنه لم يكن من حقه، ولو في المنام.
ومن العجيب العجاب أن رئيس التحرير المعني بذلك، كان متربعا على عرش مملكته الإعلامية لعقودٍ غير محددة من السنين، فعاصر خلالها أكثر من رئيس جمهورية في بلده، ولم يكسب رضاهم وحسب، وإنما استطاع أن يكسب رضا كل من عمل تحت إمرتهم على طريقة «أمرك مطاع»… وعرف كيف يتلوّن مع تلوّن كل سياسة، وتبدل التقلبات المتتابعة، مادحاً ومقرظاً، وعند الضرورة ضارباً بسيف أولياء نعمته، وهو الحاضر دوما غب الطلب، لكل ما يُملى عليه من أوامر وتوجهات…
تراه يوماً مدَّاحًا متخطيًا كل حدود التزلف والنفاق، ويوماً تراه شتّامًا لا يخلو كلامه من إسفاف…! وإن سألت عن السبب يأتيك الجواب: ففتُش عن المصالح، وكيف تتبدُل…
كما انه لن يخفى العجب أيضًا، كم هو عدد الكوادر الإعلامية الموضوعة تحت أمره، والتي بقيت في مواقعها الدنيا، وكان ممنوعٌ عليها كلّ تدرُج في الوظيفة، لتدفع بها إلى واحدة من ثلاث احتمالات مصيرية:
– التدجين الكامل، وتحويلهم إلى صوت لسيدهم، بكل ما لهذه الكلمة من معنى، وترويج ثقافة الرياء كوسيلةً للوصول.
– المعارضة للواقع القائم، مع ما يترتب على ذلك من ضرائب باهظة الثمن مطلوب دفعها، تبدأ بالصرف من الوظيفة، وتنتهي بالملاحقات والمضايقات الأمنية وغيرها.
الهجرة إلى بلاد الله الواسعة، التي فيها من يقدّر المواهب، ويستفيد منها إعلامياً في حال كون البلد المضيف على عداءٍ أو خصامٍ سياسي مع البلد الأم. ليجد المعني نفسه مع الأيام بوقاً ممتازا،ً مسخّراً للتآمر على بلاده، متخذاً صفة اللاجئ السياسي في أفضل حالاته، وخائناً في نظر بلده، موضوعاً على القائمة السوداء، ينتظر يوماً يتخلى فيه مستخدموه عنه، إذا ما صفيت النوايا بينهم، وبين بلاده فيُقدّم «قربانا»، عربون وفاء على ذمة المصالح الجديدة، وينتهي غير مأسوفٍ عليه من كلا الطرفين. رئيس التحرير هذا الذي نتحدث عنه، نموذجُ صارخ للفساد عندما يبدأ من الرأس، ويستجرّ معه آفات اخرى، قد تكون الخيانة والتآمر إحداها، من حيث يدري المرتكب، أو لا يدري، وهو يتحول مخدّراً، لا همَ له سوى إرضاء ولي نعمته وتنفيذ ما يملي عليه، دون تفكُر أو تدبُر…
إن نموذج «درئيس التحرير»، هذا، لا يقتصر وجوده في مكان وزمان محددين، وإنما يغزو كل فضاءات الفساد في بلادنا، ويتخطى في رمزيته الغالبية العظمى، ممن يتولّون المسؤوليات القيادية في مجتمعاتنا، بحيث قد تراهم في الوزارات والمجالس النيابية والادارات العامة والمؤسسات، وكل ما يتحكم في شؤون البلاد والعباد، ويتميّزون عن غيرهم في المقدرة على تجاوز السن القانونية نظراً لمواهبهم، أو بزرع أتباع ومحاسيب ترّبوا على أيديهم ورعايتهم، فيتوزعون في شتى المجالات الحيوية والمصيرية، ولا عجب حينها أن تجد منهم في المالية العامة والمصارف والقضاء والإعلام والمافيات الكبرى، التي تتحكم بالغذاء والدواء والطاقة وتتقن احتكارها أو تهريبها وتخزينها، وتضخُم ثرواتها نتيجة الإثراء غير المشروع، ومكافأةً لها من مشغليها في جعلها الواجهة القذرة لأعمالهم، وإنماء مصالحهم بكل الطرق غير المشروعة.
قد لا يحتمل ما تقدم التعميم على كل من يتولى المواقع القيادية والمسؤولة في مجتمعاتنا، على غرار موقع «رئيس التحرير»، غير أن هؤلاء مطالبين بالتمايز عن غيرهم، وإخراج أنفسهم من حال الصمت على ما يجري تحت ذريعة «ما باليد حيلة»، وهم قادرون على ذلك إذا ما قرروا تزويد الرأي العام بكل ما يملكون من معلومات مخفية في صدورهم، ولا يملكون جرأة إظهارها في العلن، وعبر كل وسائل الاتصال الحديثة، التي تتيح لهم القيام بذلك هذه الأيام، ولو بالأسماء المستعارة، ورفد الهيئات الحقوقية والشعبية، التي تتصدى للفساد، بكل ما تملك من معطيات ووقائع تفضح المرتكبين، أقله أمام الرأي العام بدايةً، في سبيل تشكيل أوسع جبهة معارضة نحو التغيير الحقيقي في البلد، والوقوف سدًا منيعًا أمام أي من النماذج الشبيهة بالسيد «رئيس التحرير”، لكي لا يبقى متربعاً على فساده، ويجد من يُبخّر له، ويقول: «إكراما لِعَيْنَي رئيس التحرير»…



