مقالات

من كريت إلى غزة.. ديناميات الماضي والحاضر!

“المدارنت”
يتّجه «أسطول الصمود» نحو غزة قادما من جزيرة كريت اليونانية. يمثل الحدث سابقة تاريخية فالأسطول يضم أكثر من 50 قاربا ومئات الناشطين من نحو 45 دولة يسعون لفتح ممر إنساني وكسر الحصار عن القطاع الفلسطيني الذي يخضع لحرب إبادة منذ أكثر من 23 شهرا.

يُعيد انطلاق السفن من كريت، التذكير بـ«شعوب البحر» الذين تذكر مصادر تاريخية أنهم جاؤوا من كريت نفسها، والذين سكنوا جنوب البلاد، من غزة حتى يافا، ثم اندمجوا بالكنعانيين من سكان البلاد الأقدم، فاكتسبوا لغتهم واعتنقوا أديانهم، ولكنهم، من جهة أخرى، أعطوا البلاد اسم فلسطين… وكانت لهم، كما تقول التوراة، حروب مع قبائل العبرانيين، التي غزت أرض كنعان بعد ذلك بمئات السنوات.
يتضمن الأسطول حمولات رمزية هائلة، مثل مبادرة «ألف مادلين نحو غزة» التي انطلقت من ميناء سان جيوفاني لي كوتي في كاتانيا ـ صقلية الإيطالية، تيمّنا بمادلين كلّاب، الشابة الفلسطينية التي تمارس مهنة صيد الأسماك، باعتبارها نموذجا للشجاعة والمثابرة في مواجهة التحديات الاجتماعية، وسفينة «حنظلة» النرويجية، تيمنا بالشخصية الأيقونية التي ابتكرها رسام الكاريكاتور الفلسطيني ناجي العلي، وسفينة «عمر المختار» الليبية، تيمنا بزعيم المقاومة الليبية ضد الفاشية الإيطالية.
من موقعها الذي غادرته في كريت، تبعد السفن ما يقرب من 825 كيلومترا بحريا من غزة، ما يذكّر سكان غزة باقترابها من عدد أيام الحصار، التي بلغت، مع صدور هذا العدد من «القدس العربي» 723 يوما، وبتذكيرها لهم بأن العالم لم ينسهم، فالمبادرة المؤلفة من عشرات السفن الصغيرة، والتي تحمل نشطاء ومساعدات إنسانية، تمثّل تنسيقا لمبادرات كثيرة، من «الحركة العالمية نحو غزة» و«تحالف أسطول الحرية» إلى «أسطول الصمود المغاربي» و«المبادرة الشرق آسيوية (صمود نوسانتارا)».
تتعامل إسرائيل مع هذه المبادرة الإنسانية العالمية باعتبارها معركة «توراتية» جديدة، ولكن المبادرة في حقيقتها، تحدّ لظواهر حديثة تجد أسبابها في ظاهرة الاستعمار والاستيطان الكولونيالية الحديثة، وتقوم المبادرة عمليا بتحدي احتلال إسرائيل الفاجر للأراضي الفلسطينية، وغطرستها الإقليمية الفظيعة، وقانون الغابة الذي فرضته، مع حليفتها العظمى، أمريكا، على العالم اليوم.
في تعاملها «الحربيّ» مع الأسطول، أعلن وزير «الأمن القومي» إيتمار بن غفير خططا تشمل المصادرة الفورية للسفن المشاركة، وتحويلها لملكية شرطة الاحتلال، وسجن النشطاء لفترة طويلة في ظروف مشابهة للأسرى الفلسطينيين في سجن كتسيعون والدامون، وأجرت البحرية الإسرائيلية تدريبات بالتعاون مع «فرقة غزة» شملت «عدة سيناريوهات قتالية» في تحضير لهجوم محتمل على الأسطول، كما لجأت إسرائيل لاستخدام القوة في المياه الإقليمية لدول البحر المتوسط، واعترف توماس براك، المبعوث الأمريكي لسوريا ولبنان، بهجوم قامت به إسرائيل على سفن الأسطول في حدود تونس البحرية، وفي 24 أيلول/ سبتمبر الماضي، أعلن الأسطول وقوع 12 انفجارا في 9 سفن تابعة له جراء استهدافها بطائرات مسيّرة، كما تعرضت السفن لتشويش للاتصالات.

أدى ذلك لسابقة ديبلوماسية غير معهودة، حيث أدانت إيطاليا الاعتداء، وأعلن وزير دفاعها إرسال فرقاطة متعددة الأغراض لمساعدة مواطنيها الموجودين في الأسطول، ثم أعلن إرسال سفينة ثانية، كما أعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إرسال سفينة إسبانية لمرافقة الأسطول، وهو ما دفع إسرائيل للاستعداد، كما قالت قناة 12 العبرية، لاحتمال نشوب صراع بحري معقد، قد يشكل تحديا كبيرا للجيش الإسرائيلي.
لقد تحوّلت الدولة العبرية، مع انفلاتها الكامل عن القوانين الإنسانية والدولية، من عدوّ وجوديّ للفلسطينيين، إلى تهديد كبير للسلم العالمي، ولكامل المنظومة الأممية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، في دلالة كبيرة على حصول تغيّر غير مسبوق في الديناميّات الدولية المتعلقة بإسرائيل.

المصدر: “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى