من يصنع لبنان الجديد.. بكركي أم “حزب الله”..؟!

خاص “المدارنت”..
يرتبط تاريخ ” لبنان الكبير “، بشكل أو بآخر، بالبطريرك المارونيّ الياس الحويّك، الذي ألَحّ على سلطة الانتداب الفرنسيّ لسوريا ولبنان، آنذاك، بإضافة الأقضية الأربعة الى لبنان الذي سيُعطى استقلاله عام 1943.
كانت البطريركيّة المارونيّة وقتها، تمثِّل المرجعيّة الروحيّة والسياسيّة للمسيحيّين، الذين كانوا يشكّلون 51,2 بالمئة من سكان لبنان، بالاضافة إلى ثقلهم الاقتصاديّ والعلميّ والاجتماعيّ المهيمن في طول البلاد وعرضها، وكانت، أيضًا، بعلاقاتها الوثيقة مع سلطة الانتداب، تستقطب النُخَبَ السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة المسلِمَة، الطامحة الى مواقع لها في السلطة السياسيّة والاداريّة للبلاد.
خطا لبنان “الكبير”، بعد “الاستقلال”، نحو التحوّل الى شبه دولة وكيان، بلغت ذروته في عهد الرئيس اللواء فؤاد شهاب، الذي أنشأ المؤسّسات الوطنيّة، ووضع أسسًا للولوج الى رحاب الدولة.
في تلك الاثناء، كانت المنطقة تغلي بالمشاعر الوطنيّة والعروبة، بوجود زعيم عربيّ يتمتّع بشعبيّة منقطعة النظير، في التاريخ البشريّ، وطموحات لا حدود لها ولا سقوف.
كانت تلك مرحلة جمال عبد الناصر، محلِّيًّا وعربيًّا واقليميًّا، بامتياز، حيث استطاع تطويق الحرب الاهليّة اللبنانيّة، التي اندلعت عام 1958، في خلال أشهر قليلة، بالاتّفاق مع قائد الجيش اللبنانيّ – آنذاك – اللواء فؤاد شهاب، فشهد لبنان فترة استقرار ونموِّ لأكثر من 12 سنة متتالية، بدأت تضطرب شيئًا فشيئًا، إثر تسلُّل الفدائيّين الفلسطينيّين من الاردنّ عن طريق سوريا، وتغلغلهم داخل شرائح المجتمع اللبنانيّ، بخاصّة المسلِمة منها، الذي كان بمعظمه مؤيِّدًا ومتحمِّسًا للقضيّة الفلسطينيّة وعدالتها.
لم يتحمّل الوضع اللبنانيّ الهشّ الوجود الفدائيّ الفلسطينيّ، فانفجر حربًا أهليّة، بدأت عام 1975، وانتهت باتِّفاق الطائف عام 1990.
في تلك الأثناء، تمّ دخول الجيش السوريّ وقواه الامنيّة الى لبنان، بقرار من الجامعة العربيّة وبغطاء دوليّ، وتمّ – بعد الاجتياح الاسرائيليّ عام 1982 – إخراج الفدائيّين الفلسطينيّين من لبنان، وتمّ تأسيس “حزب الله” على أيدي “الحرس الثوريّ الايرانيّ”، الذي أنشئ بعد قيام “الثورة الاسلاميّة” في إيران عام 1979.
نشط “حزب الله” في مقاومة الاحتلال الاسرائيليّ – كبديل للحركة الوطنيّة اللبنانيّة، المؤلّفة من الأحزاب والفصائل الوطنيّة – بعد أن منحه السوريّون وكالة حصريّة بالأعمال العسكريّة في مناطق الاحتلال، وهيّأوا له الدعم اللوجستيّ والمعنويّ، والحواضن الشعبيّة على أنواعها وامتداداتها – بالاضافة إلى تسهيل وصول الدعم الماليّ والعسكريّ الايرانيّ إليهم عن طريق سوريا.
نشأت السلطات الحاكمة اليوم، على أساس الطائف، برعاية الوجود السوريّ، الذي يقسم المناصب والوظائف الرسميّة مناصفةً بين المسلمين والمسيحيّين – على الرغم من انّ المسلمين أصبحوا بفعل التكاثر وتعاظم هجرة المسيحيّين، يشكِّلون حوالي 70 بالمئة من السكّان.
تعاظمت قوّة “حزب الله”، بعد انسحاب الجيش السوريّ عام 2005، حيث دخل الحياة السياسيّة – تمثيلًا نيابيًّا وبلديًّا ووزاريّا – وسعى كغيره من القوى السياسيّة، الى أخذ حصّته المناسبة من مواقع السلطة، ومباهجها وايراداتها، حيث أقام تحالفًا مع “التيّار الوطنيّ الحُرّ” (التيار العوني)، بقيادة زعيمه الأوحد العماد (المتقاعد) ميشال عون، وبذلك دخل الى عمق الساحة المارونيّة، بشكل خاصّ، والمسيحيّة بشكل عامّ، وحصل على تأييد واسع في أوساطهم، كَوّن له غطاءً لم يستطع تكوينه من قبل.
تقاطعت مصالح قيادة “التيّار الوطنيّ الحرّ” (التيار العوني) وحلفائه، مع مصالح “حزب الله” وحلفائه، فشكّلوا تحالفًا قويًّا وعريضًا، له جماهيرُهُ وتمثيله في مجلس النوّاب ومجلس الوزراء – بحيث أصبحوا يشكِّلون الغالبيّة – والمجالس البلديّة والاختياريّة، وفي مفاصل الادارة العامّة الرسميّة والمجتمع المدنيّ، وفي الاغتراب وحيثما انتشر لبنانيّون. هذا الحلف يعتمد كلِّيًّا، في علاقاته الخارجيّة على ايران، ومن يتحالف معها من منظّمات ودول.
هذه القوّة، التي اكتسبها الحزب، بفضل قوّته العسكريّة والأمنيّة والماليّة والشعبيّة، وتحالفاته الداخليّة والخارجيّة، تحوّلت الى كابوس لدى كثير من القوى السياسيّة في لبنان، من خصومه وحلفائه – بنسب متفاوتة – ومن والاهم من الناس، والى كابوس لبعض القوى الاقليميّة، الى ان تحوّلت المطالبة بتسليم سلاحِهِ الى قضيّة علنيّة، لها اركانها، والمُرَوِّجون لها في الداخل وفي الخارج.
في هذه المعمعة، التي رافقها تدخُّل الحزب في سوريا، وغيرها من الدول العربيّة، انكشف الكثير من تَمَدُّدِهِ في عمق الحياة السياسيّة والإداريّة في البلاد، في أجواء مرحلة يسودها الفساد والظلم والفقر والاضطهاد والإفلاس، وكلّ مُسَبِّبات الخراب العامّ..
هذا الخراب، الذي تشهده البلاد اليوم، سيؤدّي امّا الى حرب أهليّة، يفوق خطرُها كلَّ سابقاتها، او الى العمل على صياغة لبنان جديد، يتوافق عليه الفرقاء المعنيّين.
لم يعد أمام اللبنانيّين، جميعًا، الّا القتال أو الحلول الجذريّة؛ إذ انّ الميثاقيّ والتفاهم والعيش المشترك والمصلحة الوطنيّة، وكلّ عبارات وصياغات “التلبيص” و”التلزيق”، لم تعد قادرة على إدارة “تماسُك” البلد، الذي كان – الى حدٍّ ما – “ممسوكًا” من قِبَل قوًى خارجيّة، حينًا، او قوى داخليّة مرتبطة بقوى خارجيّة، احيانا.
في لبنان، اليوم، فريقان لهما التأثير الفعليّ النهائيّ في تقرير صياغة لبنان الجديد: البطريركيّة المارونيّة و”حزب الله”. أمّا الفريق الأول فيعتمد في قوّته على معظم المسيحيّين وكثير من المسلمين، وعلى معظم القوى الإقليميّة والغرب. أمّا الفريق الثاني فيعتمد، في الداخل في نهاية المطاف، على قوّته العسكريّة وشعبيّته داخل شيعته، وعلى بعض المسلمين وبعض المسيحيّين، و في الخارج على ايران، و جزء من العراق وسوريا واليمن.
ألأحلاف، تتشكّل الآن حول بكركي، لمواجهة “حزب الله”، والدخول في عمليّة صياغة لبنان الجديد – لأنّ القديم أماتوه وأشبعوه موتا.
من سيكون له التأثير الأعظم في هذا الأمر؟ بطريرك بكركي (الماروني بشارة الراعي حالياً)، “الذي أُعطِيَ مجدَ لبنان”، الذي اسهم في صياغة لبنان “الكبير” منذ مئة عام، أم “حزب الله”، الذي أعطِيَ “مجد المقاومة”، والذي لم ينشأ احد في لبنان بقوّته، منذ أكثر من مئة عام !؟
مسار الأحداث وتوازن القوى يقول، أنّ أميركا وايران والمشروع الصهيونيّ، ومن والاهم، ستكون لهم الكلمة الفصل..




