مقالات

نزع السلاح.. الفرق بين لبنان والعراق!

“المدارنت”
من المألوف أن يُنظر إلى «حزب الله» اللبناني والفصائل (الميليشيات) الشيعية العراقية المسلّحة التي لا تزال منضوية في إطار «المقاومة الإسلامية في العراق» («كتائب حزب الله»، «حركة النجباء»، و«كتائب سيّد الشهداء»، بعد إعلان «عصائب أهل الحق» قبل ثلاثة شهور دمج قواتها في مؤسسات الدولة) من المألوف أن يُنظر إليها وكأنها أسواء.

وبالطبع يعود الميل إلى وضعها جميعاً في سلّة واحدة إلى القواسم المشتركة الأكيدة بينها: كونها منظمات مسلّحة غير حكومية، خارجة عن نطاق جهاز الدولة الرسمي؛ طبيعة الهوية الطائفية التي سعت لتجسيدها؛ “الأيديولوجيا” الخمينية التي تأسست عليها؛ علاقتها الوثيقة، إلى درجة الارتهان المادي والتبعية السياسية، مع «الجمهورية الإسلامية الإيرانية».

بيد أن ثمة فرقاً جوهرياً بين الحزب اللبناني والفصائل العراقية، يخصّ نشأة كل من الطرفين. فقد نشأ «حزب الله» في سياق التصدّي للاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982، عندما كانت الجمهورية الإيرانية، لا تزال فتيّة يقودها مؤسسها وصائغ “أيديولوجيتها”، الإمام الخميني نفسه. أي أن الحزب نشأ بهوية سياسية مزدوجة: شكّل تنظيماً مقاوماً للاحتلال الصهيوني من جهة، وذراعاً عسكرية وسياسية وأيديولوجية للنظام الإيراني الجديد من جهة أخرى. وما برحت هذه الهوية المزدوجة تميّز «حزب الله» اللبناني، الذي لا يمكن حصره في أحد وجهيها دون الآخر.

أما الفصائل المسلّحة الشيعية العراقية، فليس أنها لم تلد في سياق مقاومة الاحتلال الأمريكي لبلادها وحسب، بل إنها مُدينة بوجودها لهذا الاحتلال. فقد قضى المحتلّ على نظام صدّام حسين، عدوّ الجمهورية الإيرانية اللدود، وأتى إلى بغداد بالأحزاب الموالية لطهران، التي أنجبت الفصائل المذكورة، في إطار التحالف الذي نسجه أحمد الجلبي بين هذه الأحزاب وإدارة جورج دبليو بوش، بل وقد عيّنتها سلطات الاحتلال الأمريكي في الهيئة التي شكّلتها لحكم العراق.

وإذا صحّ أن الفصائل المسلّحة الشيعية العراقية، شاركت في مقاومة تمدّد «داعش» في الأراضي العراقية الذي جرى في عام 2014، فالحقيقة أنها مارست هذا الدور بالتوازي مع القوات الكُردية في شمال العراق والشمال الشرقي السوري، تحت رعاية الولايات المتحدة. ذلك أن واشنطن أشرفت على الحرب ضد «داعش»، وأعادت قواتها إلى العراق تلبية لطلب من حكومة بغداد بموافقة طهران. أما سبب ذلك، فكان الحاجة إلى سلاح الجوّ الأمريكي في الحرب على جماعة «أبو بكر البغدادي»، لأنه ليس لدى إيران من سلاح جوّ جدير بالذكر.

ومن مظاهر الاختلاف بين التنظيم اللبناني والفصائل العراقية من حيث ادّعاء صفة المقاومة، أن «حزب الله» كان ولا يزال قوة رئيسية في مقاومة إسرائيل، وقد دخل المعركة خلال العدوان الصهيوني على غزة، وإن تعمّد إبقاء المواجهة في حدود حرب استنزاف منخفضة الكثافة إلى أن ارتدّ الجيش الصهيوني ضده في خريف عام 2024، بعد إنجاز القسم الأعظم من احتلال القطاع وتدميره. أما الفصائل العراقية، فإن مشاركتها في التصدّي لحرب الإبادة على غزة لم تتعدّ النطاق الرمزي.

لكنّ إعادة دخول «حزب الله» المعمعة قبل ستة شهور، ثأراً لاغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية (السيد علي خامنئي)، أثارت غيظ غالبية اللبنانيين، بمن فيهم نسبة هامة من شيعة لبنان، حتى في صفوف حاضنة الحزب الشعبية. وقد وفّر الحزب لحكومة (الإرهابي الصهيوني بنيامين) نتنياهو، ذريعة استغلتها كي تعيد احتلال قسم من جنوب لبنان، وتمارس فيه تدميراً مماثلاً لما أنزلته بغزة، بعد طرد السكان منه.

مبادرة «حزب الله» الأخيرة هذه، رجّحت لوهلة قصيرة كفة الولاء لطهران على حساب المقاومة في أذهان معظم الناس. بيد أن شراسة العدوان الإسرائيلي المجدّد، التي فاقت كل ما شهده جنوب لبنان سابقاً، أعادت إثقال كفة التصدّي للاحتلال في ميزان صورة الحزب المزدوجة. هذا فيما اتضح أن الحكم اللبناني لا ينوي التصدّي للاحتلال الصهيوني، بل آثر تلبية رغبة الإدارة الأمريكية في تفاوضه مع المعتدي بلا شروط.

أما الفصائل العراقية، فلم تقم بالتصدّي للقوات الأمريكية المتواجدة في العراق، بصورة جديرة بالذكر سوى في إطار مواجهة إيران للعدوان الثنائي الأمريكي-الإسرائيلي. هذا الأمر يعزّز صورتها كفصائل أحادية الهوية في ولائها للحكم الإيراني. والحال أن عدا العمل بالوكالة عن طهران، ليس لتلك الفصائل من دور مميَّز تقوم به، لا تستطيع الدولة العراقية أن تمارسه، وقد حصلت حكومة بغداد على انسحاب القوات الأمريكية من البلاد. كما ليس لدور الفصائل الطائفي من معنى في العراق في إطار الغلبة الشيعية القائمة في مؤسسات الدولة.

فلماذا، يا تُرى، لا تقبل أطراف «المقاومة الإسلامية في العراق» بنزع سلاحها (على غرار «عصائب أهل الحق» المنشقة أساساً من التيار الذي يتزعمه مقتدى الصدر)؟ إن تحجج هذه الفصائل بدورها في التصدّي لاحتمال تجدد هجمة «داعش» يتناقض مع إلحاحها على انسحاب القوات الأمريكية، إذ لعبت تلك القوات دوراً رئيسياً في دحر التنظيم الإرهابي.

فتبقى الحقيقة العارية دون سواها، وهي أن وجود هذه الفصائل مرتهن بالدعم الذي توفره لها إيران وستستمر على حالها ما دامت طهران بحاجة إليها ذراعاً من أذرع سياستها الإقليمية.

جلبير الأشقر/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى